سورة التكاثر | الآية ١

عرض السورة
التَّفسير

ﮣﮤ

تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
التفسير القيم
ابن القيم
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تَفْسِيرُ سُورَةِ التَّكَاثُرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: شَغَلَكُمْ حُبُّ الدُّنْيَا وَنَعِيمُهَا وَزَهْرَتُهَا عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ وَابْتِغَائِهَا، وَتَمَادَى بِكُمْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَكُمُ الْمَوْتُ وَزُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، وَصِرْتُمْ مِنْ أَهْلِهَا؟!
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الوَقار الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الدَّايِمِ، عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَوْتُ" (١).
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، فِي "الرَّقَاقِ" مِنْهُ: وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يَعْنِي: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وادٍ مِنْ ذَهَبٍ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُطْرِّف -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الله بن الشخير-عن أبيه قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: " ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي. وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، بِهِ (٢).
وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي؟ وَإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ تَصَدَّقَ فَاقْتَنَى (٣) وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ". تَفَرَّدَ بِهِ مسلم (٤).
(١) وهذا معضل، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفُ.
(٢) المسند (٤/٢٤) وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٨) وسنن الترمذي برقم (٣٣٥٤) وسنن النسائي (٦/٢٣٨).
(٣) في أ: "فأبقى".
(٤) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٩).
— 472 —
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الحُمَيدي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثلاثةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ (١).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَبْقَى مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢).
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ (٣) -وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ-أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَجُلٍ دِرْهَمًا فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الدِّرْهَمُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لِي. فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ لَكَ إِذَا أَنْفَقْتَهُ فِي أَجْرٍ أَوِ ابْتِغَاءِ شُكْرٍ. ثُمَّ أَنْشَدَ الْأَحْنَفُ مُتَمَثِّلًا قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أنتَ لِلْمَالِ إِذَا أمسكتَه... فَإِذَا أنفقتَه فالمالُ لَكْ...
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، فِي بَنِي حَارِثَةَ وَبَنِي الْحَارِثِ، تَفَاخَرُوا وَتَكَاثَرُوا، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: فِيكُمْ مثلُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ؟ وَقَالَ الْآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفَاخَرُوا (٤) بِالْأَحْيَاءِ، ثُمَّ قَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى الْقُبُورِ. فَجَعَلَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكُمْ مِثْلُ فُلَانٍ؟ يُشِيرُونَ إِلَى الْقَبْرِ -وَمِثْلُ فُلَانٍ؟ وَفَعَلَ الْآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيمَا رَأَيْتُمْ عِبْرَةٌ وَشُغْلٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أَكْثَرُ مَنْ بَنِي فُلَانٍ (٥) وَنَحْنُ أعَدُّ مَنْ بَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ كُلُّ يَوْمٍ يَتَسَاقَطُونَ إِلَى آخِرِهِمْ، وَاللَّهِ مَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ كُلُّهُمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أَيْ: صِرْتُمْ إِلَيْهَا وَدُفِنْتُمْ فِيهَا، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ يَعُودُهُ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". فَقَالَ: قُلْتَ: طَهُور؟! بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزيره الْقُبُورَ! قَالَ: "فَنَعَم إِذًا" (٦).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ الْحَجَّاجِ، عَنِ المنْهال، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْش، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
(١) صحيح البخاري برقم (٦٥١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٩٦٠) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٠٦٤).
(٢) المسند (٣/١١٥) وصحيح البخاري برقم (٦٤٢١) وصحيح مسلم برقم (١٠٤٧).
(٣) تاريخ دمشق (٨/٤٤٣ "المخطوط").
(٤) في م: "وتفاخروا".
(٥) في أ: "من بني إسرائيل".
(٦) صحيح البخاري برقم (٥٦٦٢، ٥٦٥٦، ٧٤٧٠).
— 473 —
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ حَكَّام بْنِ سَلْمٍ (١) [بِهِ] (٢) وَقَالَ: غَرِيبٌ (٣).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ دَاوُدَ العُرضي (٤) حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَرَأَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فَلَبِثَ هُنَيْهَةً (٥) فَقَالَ: يَا مَيْمُونُ، مَا أَرَى الْمَقَابِرَ إِلَّا زِيَارَةً، وَمَا لِلزَّائِرِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَعْنِي أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ -إِلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ. وَهَكَذَا ذُكر أَنَّ بعضَ الْأَعْرَابِ سَمِعَ رَجُلًا يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فَقَالَ: بُعثَ الْيَوْمَ (٦) ورَب الْكَعْبَةِ. أَيْ: إِنَّ الزَّائِرَ سَيَرْحَلُ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَذَا (٧) وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: الْكُفَّارَ، ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أَيْ: لَوْ عَلِمْتُمْ حَقَّ الْعِلْمِ، لَمَا أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عَنْ طَلَبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هَذَا تَفْسِيرُ الْوَعِيدِ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَوعَّدَهم بِهَذَا الْحَالِ، وَهِيَ رُؤْيَةُ النَّارِ (٨) الَّتِي إِذَا زَفَرَتْ زَفْرَةً خَرَّ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، مِنَ الْمَهَابَةِ وَالْعَظَمَةِ وَمُعَايَنَةِ الْأَهْوَالِ، عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أَيْ: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ، مِنَ الصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. مَا إِذَا قَابَلْتُمْ بِهِ نِعَمَهُ مِنْ شُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْخَزَّازُ (٩) الْمُقِرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن عِيسَى أَبُو خَالِدٍ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ " قَالَ: أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: "مَا أَخْرَجَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ " قَالَ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا. قَالَ: فَقَعَدَ عُمَرُ، وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ بِكُمَا مِنْ قُوَّةٍ، تَنْطَلِقَانِ إِلَى هَذَا النَّخْلِ فَتُصِيبَانِ طَعَامًا وَشَرَابًا
(١) في أ: "سليم".
(٢) زيادة من م، أ.
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٣٥٥).
(٤) في أ: "العرمي".
(٥) في أ: "هنية".
(٦) في أ: "القوم".
(٧) في أ: "هو".
(٨) في م: "أهل النار".
(٩) في أ: "الجزاز".
— 474 —
وَظِلًّا؟ " قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "مُروا بِنَا إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ التَّيهان أَبِي الْهَيْثَمِ الْأَنْصَارِيِّ". قَالَ: فتقدم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-وَأُمُّ الْهَيْثَمِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ تَسْمَعُ الْكَلَامَ، تُرِيدُ أَنْ يَزِيدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّلَامِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ خَرَجَتْ أَمُّ الْهَيْثَمِ تَسْعَى خَلْفَهُمْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ -وَاللَّهِ-سَمِعْتُ تَسْلِيمَكَ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَزِيدَنَا مِنْ سَلَامِكَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرًا". ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ أَبُو الْهَيْثَمِ؟ لَا أَرَاهُ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ قَرِيبٌ ذَهَبَ يَستعذبُ الْمَاءَ، ادْخُلُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَبَسَطَتْ -بِسَاطًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ فَفَرِحَ بِهِمْ وَقَرَّتْ عَيْنَاهُ بِهِمْ، فَصَعِدَ عَلَى نَخْلَةٍ فَصَرَمَ لَهُمْ أَعْذَاقًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حَسْبُكَ يَا أَبَا الْهَيْثَمِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْكُلُونَ مِنْ بُسره، وَمِنْ رُطَبِهِ، وَمِنْ تَذْنُوبه، ثُمَّ أَتَاهُمْ بِمَاءٍ فَشَرِبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ" (١) هَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الحُسَين بْنُ عَلِيٍّ الصَّدَائِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ جَالِسَانِ، إِذْ جَاءَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَا أَجْلَسَكُمَا هَاهُنَا؟ " قَالَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجْنَا مِنْ بُيُوتِنَا إِلَّا الْجُوعُ. قَالَ: "وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنِي غَيْرُهُ". فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا بَيْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيْنَ فُلَانٌ؟ " فَقَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ (٢) لَنَا مَاءً. فَجَاءَ صَاحِبُهُمْ يَحْمِلُ قِرْبَتَهُ فَقَالَ: مَرْحَبًا، مَا زَارَ الْعِبَادَ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ (٣) زَارَنِي الْيَوْمَ. فَعَلَّقَ قِرْبَتَهُ بِكَرْبِ نَخْلَةٍ (٤) وَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ"؟ فَقَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونُوا الَّذِينَ تَخْتَارُونَ عَلَى أَعْيُنِكُمْ. ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ؟ " فَذَبَحَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ، فَأَكَلُوا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، فَلَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَبْتُمْ هَذَا، فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ" (٥).
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، بِهِ (٦) وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبيد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بِهِ (٧) وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِنَحْوٍ مَنْ هَذَا السِّيَاقِ وَهَذِهِ الْقِصَّةِ (٨).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا حَشْرَجٌ، عَنْ أَبِي نُصرة، عَنْ أبي عسيب -يعني
(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/٢٥٣) من طريق زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن عيسى، به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣١٧) :"فيه عبد الله بن عيسى-أبو خلف- وهو ضعيف".
(٢) في م: "ليستعذب".
(٣) في م: "من نبي".
(٤) في أ: "بكور نخلته".
(٥) تفسير الطبري (٣٠/١٨٥).
(٦) صحيح مسلم برقم (٢٠٣٨).
(٧) مسند أبي يعلى (١/٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٨١).
(٨) سنن أبي داود برقم (٥١٢٨) وسنن الترمذي برقم (٢٨٢٢)، (٢٣٦٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٥).
— 475 —
مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَمَرَّ بِي، فَدَعَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى (١) حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: "أَطْعِمْنَا". فَجَاءَ بِعذْق فَوَضَعَهُ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ، وَقَالَ: "لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ العذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، حَتَّى تَنَاثَرَ البُسرُ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَمَسْئُولٌ (٢) عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: خِرْقَةٌ لَفَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ، أَوْ كَسْرَةٌ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ جُحْرٌ تَدخَّل فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْقَرِّ" (٣) تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ رُطَبًا، وَشَرِبُوا مَاءً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ جَابِرٍ] (٤) بِهِ (٥).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ مَحْمُودِ (٦) بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَنْ أَيِّ (٧) نَعِيمٍ نُسأل؟ وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ، وَسُيُوفُنَا عَلَى رِقَابِنَا، وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ، فَعَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟ قَالَ (٨) أَمَا إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ" (٩).
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا معاذ بن عبد الله بن حُبَيب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ. قَالَ: "أَجَلْ". قَالَ: ثُمَّ خَاضَ النَّاسُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ (١٠).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ -يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ-الْعَبْدُ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوكَ من الماء البارد؟ ".
(١) في أ: "حتى دخل".
(٢) في م، أ: "إنا لمسئولون".
(٣) المسند (٥/٨١).
(٤) زيادة من أ.
(٥) المسند (٣/٣٥١) وسنن النسائي (٦/٢٤٦).
(٦) في أ: "عن محمد".
(٧) في م: "أي يوم".
(٨) في م: "فقال".
(٩) المسند (٥/٤٢٩).
(١٠) المسند (٥/٣٧٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢١٤١) وقال البوصيري في الزوائد (٢/١٥٨) :"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".
— 476 —
تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْر، بِهِ (١).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ يَحْيَى بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿[ثُمَّ] (٢) لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِأَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ؟ قَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ -هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ-بِهِ (٣) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ (٤) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، عَنِ الحكم ابن أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قَالَتِ الصَّحَابَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ، وَإِنَّمَا نَأْكُلُ فِي أَنْصَافِ بُطُونِنَا خُبْزَ الشَّعِيرِ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ: أَلَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعَالَ، وَتَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْبَارِدَ؟ فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى -أَظُنُّهُ عَنْ عَامِرٍ-عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿[ثُمَّ] (٥) لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قَالَ: "الْأَمْنُ وَالصِّحَّةُ" (٦).
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي: شِبَعَ الْبُطُونِ، وَبَارِدَ الشَّرَابِ، وَظِلَالَ الْمَسَاكِنِ، وَاعْتِدَالَ الْخَلْقِ، وَلَذَّةَ النَّوْمِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ، عَنْهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتَّى عَنْ شَرْبَةِ عَسَلٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَنْ كُلِّ لَذَّةٍ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَعِيمُ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَقَالَ أَبُو قِلابة: مِنَ النَّعِيمِ أَكْلُ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ بِالْخَبْزِ النَّقِيِّ. وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ هَذَا أَشْمَلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قَالَ: النَّعِيمُ: صِحَّةُ الْأَبْدَانِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ، يَسْأَلُ اللَّهُ الْعِبَادَ فِيمَا اسْتَعْمَلُوهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٦].
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَسُنَنِ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سعيد ابن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم:
(١) سنن الترمذي برقم (٣٣٥٨) وصحيح ابن حبان برقم (٧٣٢٠) "الإحسان".
(٢) زيادة من أ.
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٣٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٥٨).
(٤) المسند (١/١٧٤).
(٥) زيادة من أ.
(٦) ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد برقم (٨٥٥) من طريق محمد بن سليمان الأصبهاني، به.
— 477 —
"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" (١).
وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ فِي شُكْرِ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ، لَا يَقُومُونَ بِوَاجِبِهِمَا، وَمَنْ لَا يَقُومُ بِحَقِّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَغْبُونٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن الحسن ابن شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَظِلُّ الْحَائِطِ، وخُبْز، يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ" (٢) ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -قَالَ عَفَّانُ في حديثه: قال إسحاق ابن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ -قَالَ عَفَّانُ: يوم القيامة-: يا بن آدَمَ، حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ، وَجَعَلْتُكَ تَرْبَع (٣) وَتَرْأَسُ، فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ؟ " (٤) تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "التكاثر" (٥) [ولله الحمد والمنة] (٦)
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤١٢) وسنن الترمذي برقم (٢٣٠٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٧٠).
(٢) مسند البزار برقم (٣٦٤٣) "كشف الأستار" وليث بن أبي سليم ضعيف.
(٣) في أ: "ترتع".
(٤) المسند (٢/٤٩٢).
(٥) في م: "ألهاكم".
(٦) زيادة من أ.
— 478 —
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْعَصْرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
ذَكَرُوا أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَفَدَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ [لَعَنَهُ اللَّهُ] (١) وَذَلِكَ بَعْدَ مَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَمْرٌو، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ؟ قَالَ (٢) لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ. فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " فَفَكَّرَ مُسَيْلِمَةُ هُنَيهة ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أُنْزِلَ عَلِيَّ مِثْلُهَا. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: يَا وَبْر يَا وَبْر، إِنَّمَا أَنْتِ أُذُنَانِ وصَدْر، وَسَائِرُكِ حَفْزُ نَقْز. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ تَكْذِبُ (٣)
وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الْخَرَائِطِيَّ أَسْنَدَ (٤) فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِ "مَسَاوِي الْأَخْلَاقِ"، فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْهُ، شَيْئًا مِنْ هَذَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ (٥).
والوبْر: دُوَيْبَةٌ تُشْبِهُ الْهِرَّ، أَعْظَمُ شَيْءٍ فِيهِ أُذُنَاهُ، وَصَدْرُهُ وَبَاقِيهِ دَمِيمٌ. فَأَرَادَ مُسَيْلِمَةُ أَنَّ يَرَكِّبَ مِنْ هَذَا الْهَذَيَانِ مَا يُعَارِضُ بِهِ الْقُرْآنَ، فَلَمْ يَرُجْ ذَلِكَ عَلَى عَابِدِ الْأَوْثَانِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَصْنٍ [أَبِي مَدِينَةَ]، قَالَ: كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَيَا، لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا عَلَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ "سُورَةَ الْعَصْرِ" إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ (٦).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ، لَوَسِعَتْهُمْ.
(١) زيادة من أ.
(٢) في م: "فقال".
(٣) وفي صحة هذه القصة نظر؛ فإن إسلام عمرو بن العاص متقدم على تنبئ مسيلمة، فإن مسيلمة الكذاب تنبأ سنة عشر من الهجرة، وكان قد وفد عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قومه سنة عشرة من الهجرة، كما في السيرة النبوية لابن هشام (٣/٧٤). وعمرو بن العاص أسلم سنة ثمان على الأصح كما في الإصابة للحافظ ابن حجر (٣/٢). ثم وقفت على ما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٢٢٥) : أن عمرا بن العاص أرسله رسول الله ﷺ إلى البحرين وتوفي رسول الله ﷺ وهو هناك وأنه مر على مسيلمة وأنه أعطاه الأمان ثم قال له: إن محمدا أرسل في جسيم الأمر وأرسلت في المحقرات.. فذكر نحو القصة، وعزاه لابن شاهين في الصحابة، فعلى هذا يكون ما جاء هنا بعد إسلام عمرو بن العاص وليس قبل إسلامه، والله أعلم.
(٤) في أ: "استدل".
(٥) لم أقف عليه في المطبوع من مساوئ الأخلاق، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن شاهين وصل هذه القصة من طريق اللَّيْثِ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بن أبي هلال: "أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله... ثم ذكر أن رسول الله أرسل عمرا إلى البحرين، فذكر نحو القصة". انظر: الإصابة (٣/٢٢٥).
(٦) المعجم الأوسط برقم (٥٠٩٧) "مجمع البحرين".
— 479 —

تفسير القرآن العظيم

ابن كثير

عرض الكتاب