سورة النساء | الآية ١٣٥

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
في اتِّصال [هذه] الآية وُجُوهٌ:
أحدها: لما تقدَّمَ ذكر النِّساء والنُّشُوز، والمُصَالحَةِ بينهُنَّ وبين الأزْوَاج عَقبه بقيام أدَاءِ حقوق اللَّه - تعالى -، وفي الشَّهَادَةِ إحياء حقوقِ اللَّه؛ فكأنه قِيل: وإن اشْتغَلْتَ بتحصيلِ شهواتِكَ، كنت لِنَفْسِكَ، لا لِلَّه، [وإن اشتغَلْتَ بِتحْصِيل مأمُوراتِ اللَّه كنت للَّه، لا لِنَفْسِكَ]، وهذا المقام أعلَى وأشْرَف، فكانت هَذِه الآية تأكيداً لِمَا تقدَّم من التَّكَالِيفِ.
الثاني: أن اللَّه - تعالى - لمَّا منَع النَّاس عن اقْتِصَارِهم على ثَوَابِ الدُّنْيَا، وأمرهُم أنْ يَطْلُبوا ثواب الآخِرَة، عَقِّبَه بهذه الآيَةِ، وبَيَّنَّ أنَّ كمال سَعَادَة الإنْسَان، في أنْ يكون قولُه وفِعْلُه للَّه، وحركَتهُ للَّه، وسُكُونهُ للَّه؛ حتى يصير من الَّذِين يكُونُون في آخِر مَرَاتِب الإنْسَانِيّة، وأوَّل مراتب الملائِكَة، فإذا عَكَس القضيّة، كان مِثْل البَهِيمَة الَّتِي مُنْتهَى أمْرِها وُجْدَان عَلَفِها والشَّبَع.
الثالث: أنه تقدَّم في هذه السُّورَة تَكَالِيفُ كَثِيرةٌ، فِأمرَ النَّاس بالقِسْط بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ [النساء: ٣]، وأمرهم بالإشْهَاد عِنْد دَفْع أمْوَال اليَتَامَى إليْهِم، وأمَرَهُم ببَذْلِ النَّفْسِ والمَالِ في سَبيلِ اللَّه، وذكر قِصَّة طعمة بن الأبَيْرِقِ، واجتماع قوْمه على الذَّبِّ عنه [بالكذب] والشَّهَادة على اليَهُودي بالبَاطِل، وأمر بالمُصَالَحَة مع الزَّوْجَة، وكلُّ ذلك أمْر من اللَّه لعبادِه بالقِيَام بالقِسْط، والشَّهَادَة [فيه] [للَّه] على كُلِّ أحَدٍ، فكانت هذه الآية كالمُؤكِّد لما تقدَّم من التَّكَالِيفِ.
القَوَّامُ: مُبَالغة من قَائِم، والقِسْط: العَدْل، وهذا أمْر مِنه - تعالى - لجميع المكَلَّفِين، بأن يُبَالغُوا في العَدْل، والاحْتِرَازِ عن الجَوْر والمَيْل.
قوله: «شُهَداءَ لِلَّه» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خَبرٌ ثَانٍ لكان، وفيه خِلاَف تقدَّم ذِكْرهُ.
والثاني: أنه حَالٌ من الضَّمير المُسْتَكِنِّ في: «قوَّامينَ» فالعَامِل فيها: «قوَّامين».
— 64 —
وقد ردَّ أبو حيَّان [هذا الوجه: بأنَّه يَلْزَم منه تقييدُ كونهم قوَّامين بحال الشَّهادَةِ، وهم مأمُورُون بذلك مُطْلَقاً].
وهذا الردُّ ليْس بِشَيْءٍ؛ فإن هذا المَعْنَى نَحَا إلَيْه ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كُونُوا قوَّامِين بالعَدْل في الشَّهَادَة على من كانت، وهذا هُو مَعْنَى الوَجْه الصَّائِر إلى جَعْل شُهَداء حالاً.
الثالث: أن يكون صِفَة ل «قوَّامين»، ومَعْنَى قوله: «للَّه» أي: لِذَات اللَّه، ولوجْهِه ولمرْضَاتِه، وثَوَابِه.
قوله: ﴿وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ﴾ «لو» هذه تَحْتَمل أنْ تَكُونَ على بَابِها من كَوْنِها حرفاً لما كان سَيَقعُ لوقُوعِ غَيْرِه، وجوابُها مَحْذُوفٌ، أي: ولو كُنْتثم شُهَدَاءَ على أنْفُسكم، لوجب عَلَيْكُم أن تَشْهدوا عليها.
وأجاز أبو حيَّان أن تَكُونَ بمعنى: «إن» الشَّرطِيّة، ويتعلَّق قوله: «عَلَى أنْفُسِكُم» بمحذوفٍ، تقديرُه: وإن كنتم شُهَدَاء على أنْفُسِكم، فكونوا شُهَدَاءَ لله، هذا تَقْدِيرُ الكلام، وحذفُ «كان» بعد «لو» كَثِيرٌ، تقول: ائتِني بِتَمْر، ولو حَشَفاً، أي: وإن كان التَّمْر حشفاً، فأتني به.
انتهى.
وهذا لا ضرورةَ تدْعُوا إليه، ومجيءُ «لو» بِمَعْنى: «إنْ» شَيْء أثبته بعضهم على قِلَّة، فلا يَنْبَغي أن يُحْمَل القُرآنُ عليه.
وقال ابْن عَطِيَّة: «عَلى أنْفُسِكُم» متعلِّقٌ ب «شهداء».
قال أبو حيان «فإنْ عَنَى ب» شُهَدَاءَ «المَلْفُوظ به، فلا يَصِحُّ، وإن عَنَى به ما قَدَّرْناه نَحْن، فيصِحُّ» يعني: تقديره: «لو» بمعنى: «إنْ» وحَذْفَ «كان»، واسمِها، وخبرها بَعْد «لو»، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَلِيلٌ، فلم يبق إلا انَّ ابن عَطِيّة يريد «شُهَداءَ» مَحْذُوفةً؛ كما قَدَّرْتُه لك أولاً، نحو: «ولو كُنْتُم شُهَدَاء» على أنفسكم، لوجَبَ عليْكُم أن تَشْهَدُوا.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: «ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنفسكُم» فجَعَل «كَان» مُقَدَّرةً وهي تَحْتَمِلُ في تَقْدِيره التَّمَام والنُّقْصَان: فإنْ قدَّرْتَها تَامةً، كان قوله «على أنْفُسِكُم» متعلِّقاً بنفسِ الشَّهَادة، ويكون المَعْنَى: «ولو وُجِدَتِ الشهادةُ على أنْفُسِكُم» وإن قدَّرْتَها نَاقِصَةً، فيجوزُ أنْ يكون «على أنْفُسِكُم» متعلِّقاً بمَحْذُوفٍ على أنَّه خَبرُهَا، ويجُوز أن يكُون متعلِّقاً بنفس الشَّهادة، وحينئذ يكُون الخَبَر مقدَّراً، والمَعْنَى: «ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنْفُسِكُم موجُودةً» إلا أنَّه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا «على أنْفُسِكُم» متعلِّقاً بالشَّهادة، حذفُ المَصْدرِ وإبقاءُ
— 65 —
معْمُولِه، وهو قليل أو مُمْتَنِع، وقال أيضاً: «ويجُوز أن يكُون المَعْنَى: وإن كانتِ الشَّهَادة على أنْفُسِكُم».
ورَدَّ عليه [أبو حيَّان] هَذَيْن الوجْهَيْنِ فقال: «وتقديرُه: ولو كانت الشَّهادة على أنْفُسِكُم ليس بجيِّد؛ لأن المحْذُوفَ إنما يكون من جِنْس المَلْفُوظ به؛ ليدلَّ عليه، فإذا قُلْت:» كن مُحْسِناً، ولو لمَنْ أساء إليك «، فالتقدير: ولو كنت مُحْسِناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْتَه:» ولو كان إحْسَانُك «لم يكن جَيِّداً؛ لأنك تَحْذِف ما لا دلالة عليه بِلَفْظٍ مُطَابِقٍ».
وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإن الدِّلالة اللَّفظِيّة موجودةٌ؛ لاشتراكِ المَحْذُوفِ والمَلْفُوظ به في المَادَّة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النَّوْع.
وقال في الوجه الثاني: «وهذا لا يجُوز؛ لأن ما تعلَّق به الظَّرْف كونٌ مقيدٌ، والكونُ المُقَيَّد لا يجُوز حَذْفُه، بل المُطْلَقُ، لو قلت: كَان زَيْد فِيك، تعني: مُحِبّاً فيك، لَمْ يَجُز».
وهذا الرَدُّ أيضاً لَيْس بِشَيْءٍ؛ لأنه قصد تَفْسير المَعْنَى، ومبادئُ النَّحْو لا تَخْفَى على آحادِ الطَّلبة، فكيف بِشَيْخِ الصِّنَاعَة.

فصل


شَهَادة الإنْسَان على نَفْسِه لها تَفْسِيران:
أحدُهما: أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسه؛ لأن الإقْرَار كالشَّهَادَةِ في كونه مُوجِباً إلْزَام الحَقِّ.
الثاني: أن يكون المُرَادُ: ولو كَانَت الشَّهَادة وبالاً على أنْفُسِكُم، أو على الوالدين والأقْرَبين، فأقِيمُوها عليْهم، ولا تُحابُوا غَنِيّاً لِغِنَاهُ، ولا ترحموا فقيراً لِفَقْرِهِ، وهو قوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ أي: أقِيمُوا على المَشْهُود عليه وإن كان غَنِيّاً وللمَشْهُود له وإن كان فقيراً، فاللَّه أوْلى بِهِمَا منكم، أي: كِلُوا أمْرَهُم إلى اللَّه - تعالى -.
وقال الحَسَن: اللَّه أعْلَم بهما.
قال القُرْطُبِيُّ: «قَوَّامين» بناء مُبَالَغَة، أي: ليتكَرَّر منكم القِيَام بالقِسْط وهو العَدْل في شَهَادَتِكُم على أنْفُسِكُم، وشهادة المَرْء على نفْسِه: إقرَارهُ بالحُقُوق عليها، ثم ذكر الوالِدَيْن؛ لوجوب بِرِّهِما، وعظم قَدْرِهمَا، ثم أتَى بالأقْرَبين؛ إذْ هُم مَظَنَّة المَودَّة والتَّعَصُّب، وجاءَ الأجْنَبِيُّ الآخر؛ لأنه أحْرَى أن يَقُوم [عليه] بالقِسْطِ.
— 66 —

فصل


إنما قدَّم الأمْر بالقِيَام بالقسط على [الأمْر] بالشَّهادة لِوُجُوه:
أحدُهَا: أن أكْثَر النَّاس عادتهم أنَّهم يَأمُرُون غَيْرَهُم بالمَعْرُوفِ، فإذا آل الأمْر إلى أنْفُسِهِم، تركوه حتى إنَّ قُبْحَ القَبِيحِ إذا صَدَر عنهم، كان في مَحَلِّ المُسَامَحَة وأحْسَنَ الحُسْن، إذا صَدَرَ عن غَيْرِهم، كان في مَحَلِّ المُنَازَعة، فاللَّه - تعالى - نبّه في هذه الآية على سُوءِ الطَّرِيقَة، بأنْ أمره بالقِيَام [بالقِسْطِ] أوّلاً، ثم أمَرَهُ بالشَّهَادة على غَيْرِه ثَانِياً، تنبيهاً عَلَى أن الطَّرِيقَة الحَسَنة هي أن تكُون مُضَايَقَة الإنْسَان مع نَفْسِه [فَوْق] مُضايقته مع الغَيْر.
وثانيها: أنَّ القِيام بالقِسْط: هو دَفْع ضَرَر العِقَاب عن النَّفْسِ، وإقَامَة الشَّهَادة، سعي في دَفْع ضَرَر العِقَاب عن الغَيْر، وهو الَّذِي عَلَيْه الحَقُّ، ودفع الضرر عن النَّفْسِ مُقَدَّم على دَفْع الضَّرَر عن الغَيْرِ.
وثالثها: أن القِيَام بالقِسْطِ فعل، والشَّهادة قول [والفِعْل أقْوى من القَوْل].
فإن قِيل: فقد قدَّم الشَّهادة على القِيام بالقسْطِ في قوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨].
فالجواب: أنَّ شهادَةَ الله عبارَةٌ عن كونه مُرَاعِياً للعَدْل، ومُبَايِناً للجَوْر، ومعلوم: أنَّه ما لم يكن الإنْسَان كذلك، لم يُقْبَل شَهَادتُهُ على الغَيْر؛ فلهذا كان الوَاجِبُ في قوله: «شَهِدَ اللَّه» ] أن يقدِّم تلك الشَّهادة على القِيَامِ بالقِسْطِ، والواجِبُ هُنَا: أن تكُون الشَّهادة متأخِّرَة عن القِيَامِ بالقِسْطِ.
قوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ إذا عُطِف ب «أوْ» كان الحُكْمُ في عَوْدِ الضَّمِير، والإخْبَارِ، وغيرهما لأحدِ الشَّيْئَيْن أو الأشياء، ولا يجُوزُ المُطابَقَةُ، تقول: «زَيْد أو عَمْروا أكْرمتهُ» ولو قُلْتَ: أكرمتهُمَا، لم يَجُز، وعلى هذا يُقال: كيف ثَنَّى الضَّمِير في الآية الكَرِيمَةِ، والعطف ب «أو» ؟ لا جَرَم أن النَّحْويِّين اختلَفُوا في الجواب عن ذلك على خَمْسَةِ أوْجُه:
أحدُها: أنَّ الضَّمِير في «بهما» ليس عَائِداً على الغَنِيِّ والفقير المَذْكُورين أولاً، بل
— 67 —
على جنْسَي الغني والفَقِير المدلُولِ عليهما بالمَذْكُورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهُودُ عليه غَنِيًّا أو فقيراً، فليشْهَد عليه، فاللَّهُ أوْلى بجنْسَي الغنيِّ والفقيرِ؛ ويَدُلُّ على هذا قِراءة أبَيِّ: «فاللَّه أوْلَى بِهِمْ» أي: بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجِنْسِ على ما قَرَّرته لَك، ويكون قوله: «فالله أولى بِهِمَا» ليس جواباً للشرط، بل جَوابُه مَحْذُوفٌ كما قَدْ عَرَفْتَه، وهذا دالٌّ عليه.
الثاني: أنَّ «أو» بمعنى: الواو؛ ويُعْزى هذا للأخْفش، وكنت قدَّمْتُ أوّلَ البقرة: أنه قولُ الكوفيين، وأنه ضعيفٌ.
الثالث: أن «أو» : للتَّفْضِيل أي: لتفصيلِ ما أبْهِم، وقد أوضح ذلك أبُو البقاء، فقال: «وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ من المَشْهُود عليه والمشهود له، قد يكُون غنيًّا، وقد يكُون فقيراً، وقد يكونان غَنِيَّيْنِ، وقد يكونان فَقَيرَيْن، وقد يكون أحَدُهُمَا غنيّاً والآخر فَقِيراً؛ فلما كَانتِ الأقسام عند التَّفْصِيل على ذلك، أُتِي ب» أو «، لتَدُلَّ على التَّفْصِيل؛ فعلى هذا يكون الضَّمِير في» بهِما «عائداً على المَشْهُود له والمشهود عليه، على أيِّ وصفٍ كانا عليه» انتهى؛ إلا أنَّ قوله: «وقد يكون أحَدهُمَا غنيّاً والآخر فَقِيراً» مكرَّرٌ؛ لأنه يُغْني عنه قوله: «وذَلِك أنَّ كلَّ وَاحِد» إلى آخره.
الرابع: أنَّ الضَّمِير يعود على الخَصْمَيْن، تقديره: إن يكُن الخصمان غنيّاً أو فقيراً، فالله أوْلى بِذَينك الخصمين.
الخامس: أن الضَّمير يعود على الغَني والفَقير المدْلُول عليهما بلَفْظ الغنّي والفقير، والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغنى الغني وفقر الفقير، وقد أساء ابن عصْفُور العِبَارة هنا بما يُوقفُ عليه في كلامه، وعلى أربعة الأوجهِ الأخيرة يكونُ جوابُ الشَّرط ملفوظاً به، وهو قوله: ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ بخلاف الأوَّل؛ فإنه مَحْذُوفٌ.
وقرأ عبد الله بن مسعود: «إن يَكُنْ غنيٌّ أو فقيرٌ» برفعهما، والظَّاهرُ أنَّ «كان» في قراءته تامةٌ، أي: وإنْ وجِد غِنِيٌّ أو فقير، نحو: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قوله: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى﴾ أي: اتركُوا متابعة الهَوَى؛ حتى توصَفُوا بالعَدْل؛ لأنَّ العدل عِبارة عن تَرْك مَتَابعة الهَوَى، ومن تَرَك أحَد النَّقِيضَيْن، فقد حَصَل له الآخَر.
قوله: «أنْ تَعْدِلُوا» فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنه مَفْعُولٌ مِنْ أجله على حَذْفِ مضافٍ، تقديره: فلا تتَّبِعُوا الهوى محبةَ أنْ
— 68 —
تَعْدِلوا، أو إرادةَ أنْ تَعْدِلوا، أي: تَعْدِلوا عن الحَقِّ وتجُوروا.
وقال أبو البقاء في المضافِ المحذوف: «تقديره: مخافة أن تَعْدلوا عن الحَقِّ». وقال ابن عَطِيَّة: «يُحْتمل أن يكُونَ مَعْناه: مخافة أن تَعْدِلوا، ويكُون العَدْلُ هنا بِمَعْنى: العُدول عن الحَقِّ، ويُحْتمل أن يكُونَ معناه: مَحَبة أنْ تُقْسِطُوا، فإنْ جعلْتَ العَامِل» تَتَّبِعُوا «فيحتمل أن يكونَ المَعْنَى: محبةَ أنْ تجُوروا» انتهى؛ فتحصَّل لنا في العَامِل وجهان:
الظاهرُ منهما أنه نَفْسُ «تتبعوا».
والثاني: أنه مُضْمَر، وهو فعلٌ من مَعْنَى النهي؛ كما قدَّره ابنُ عطيَّة، كأنه يزْعمُ أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى﴾ ثم أضْمَرَ عَامِلاً، وهذا ما لا حَاجَة إليه.
الثاني: أنه على إسْقَاطِ حرْفِ الجَرِّ، وحذْفِ «لا» النَّافِية، والأصْل: فلا تتَّبعوا الهَوَى في ألاَّ تَعْدِلوا، أي: في تَرْكِ العَدْل، فحذف «لا» لدلالة المَعْنَى عَلَيْهَا، ولمَّا حَذَف حَرْفَ الجر من «أنْ» جرى القَوْلان الشَّهِيرَان.
الثَّالث: أنه عَلَى حَذْفِ لام العِلَّة، تقديرُه: فلا تتبعوا الهوى؛ لأن تَعْدِلوا.
قال صَاحِب هذا القول: «والمعنى: لا تتبعُوا الهوى؛ لتكونوا في اتِّباعِكُمُوه عدُولاً، تنبيهاً على أن اتباعَ الهوى وتَحَرِّي العدالةِ مُتَنَافيان لا يجتمعان» وهو ضَعِيفٌ في المَعْنَى.
قوله: «وَإِن تَلْوُوا» قرأ ابن عامرٍ، وحمزة: «تَلُوا» بلامٍ مَضْمُومةٍ وواوٍ ساكنة، والبَاقُون: بلامٍ ساكنةٍ وواوَيْن بعدهَا، أولاهُمَا مَضْمُومة.
فأمَّا قراءةُ الوَاوَيْن، فظاهرةٌ؛ لأنه من لَوَى يَلْوي، والمعْنَى: وإنْ تَلْووا ألسِنَتِكُم عن شهادةِ الحَقِّ أو حكومَةِ العَدْل، والأصْلُ: تَلْوِيُون كتَضْرِبون، فاستُثْقِلَت الضَّمَّةُ على اليَاءِ فحُذفت، فالتقى سَاكِنَان: الياء وَوَاو الضَّمِير، فحُذِف أوّلُهما - وهو الياء - وضُمَّت الواوُ المكْسُورةُ التي هِيَ عَيْن لأجْل واوِ الضميرِ، فصار: تَلْوُون، وتصريفُه كتصريف «تَرْمُونَ».
فإن كان عَنِ الشَّهادة، فالمَعْنَى: يحرِّفُوا الشَّهادة؛ ليُبْطِلُوا الحقَّ، من قولهم: لوى الشيء، إذا فتله، ومنه يُقَال: التَوَى هذا الأمْر، إذا تَعَقَّد وتعسَّرَ، تشبيهاً بالشَّيْءِ
— 69 —
المُنْفَتِل، أو تُعْرِضُوا عنها فَتَكْتُمُوهَا، أو يُقَال: تَلْوُوا في إقامة الشَّهَادة إذا تَدَافَعُوا، يقال: لَوَيْتُه حَقَّه؛ إذا دَفَعْتَه وأبْطلْتَه.
وإن كان عَنَى الحُكْم بالعَدْل، فهو خِطَاب للحُكَّام في لَيِّهم الأشداق، يقول: «وَإِن تَلْوُواْ» أي: تميلُوا إلى أحَدِ الخَصْمَيْن، أو تُعْرِضُوا عنه.
وأما قراءة حمزة وابنِ عامرٍ، ففيها ثلاثة أقوال:
أحدُها: وهو قول الزَّجَّاج، والفراء، والفارسي في إحدى الرِّوايَتَيْن عنه - أنه من لَوَى يَلْوي؛ كقراءة الجماعة، إلاَّ أنَّ الوَاوَ المَضْمُومةَ قُلِبَتْ هَمْزةً؛ كقلبها في «أجُوه» و «أُقِّتَتْ»، ثم نُقِلت حركةُ هذه الهَمْزةِ إلى السَّاكن قَبْلَها وحذفت، فصار: «تَلُون» كما ترى.
الثاني: أنه من لَوَى يَلْوي أيضاً، إلا أن الضَّمَّة استُثْقِلَتْ على الواو الأولى فنُقِلت إلى اللام السَّاكِنَة تَخْفِيفاً، فالتقى ساكِنَان وهما الواوان، فحُذِف الأوَّل مِنْهُما، ويُعْزى هذا للنَّحَّاسِ، وفي هَذَيْن التخريجَيْن نظرٌ؛ وهو أنَّ لامَ الكَلِمَة قد حُذِفَتْ أولاً كما قَرَّرْته، فصار وَزْنُه: تَفْعُوا، بحذف اللاَّم، ثم حُذِفت العَيْنُ ثانياً، فصار وزنه: تَفُوا، وذلك إجْحَافٌ بالكلمة.
الثالث: ويُعْزى لجَمَاعةِ منهم الفَارسيُّ - أن هذه القِرَاءة مأخُوذة من الولاية، بمعنى، وإنْ وُلِّيتم إقَامة الشَّهَادة أو وُلِّيْتُم الأمرَ، فتَعْدِلُوا عنه، والأصل: «تَوْلِيُوا» فحذفت الواوُ الأولى لِوُقُوعِها بين حَرْفِ المُضَارَعَةِ وكسرةٍ، فصار: «تَلِيُوا» كتَعِدُوا وبَابِه، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياءِ، ففُعِل بها ما تَقَدَّم في «تَلْوُوا»، وقد طَعَنَ قومٌ على قِرَاءة حَمْزة وابن عامرٍ - منهم أبو عُبَيْد - قالوا: لأنَّ معنى الوِلاَية غيرُ لائقٍ بهذا المَوْضِع.
قال أبو عبيد: «القراءةُ عندنا بوَاوَيْن مأخوذةٌ من:» لَوَيْتُ «وتحقيقه في تفسيرِ ابن عبَّاسٍ: هو القَاضِي، يكُونُ لَيُّه وإعراضُه عن أحد الخَصْمَيْن للآخر» وهذا الطعنُ ليس بِشَيْء؛ لأنها قراءةٌ متَواتِرَةٌ ومعناها صَحيحٌ؛ لأنَّه إن أخَذْناها من الوِلاَية كان المَعْنَى على ما تقدَّم، وإن أخذناها مِنَ الليِّ، فالأصلُ: «تَلْوُوا» كالقراءة الأخْرى، وإنما فُعِل بها ما تَقَدَّم من قَلْبِ الوَاوِ هَمْزةً ونَقْل حركتها، أو من نَقْلِ حَرَكَتِها من غير قَلْبٍ، فتتَّفِقُ القراءَتَان في المَعْنَى.
ثم قال: ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وهذا تهديدٌ ووعيدٌ للمذنِبِين، ووعد بالإحْسَان للمُطِيعينَ.
— 70 —

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل الحنبلي

عرض الكتاب