سورة المائدة | الآية ٦٩

عرض السورة
التَّفسير

ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
قرأ الجمهور: «والصَّابئُونَ» بالواو، وكذلك هو في مصاحِفِ الأمْصَار، وفي رفعه تسعة أوجه:
أحدها: وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعهما أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ؛ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقديرُ: إنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ منهم إلى آخره والصَّابِئُونَ كذلك، ونحوه: «إنَّ زَيْداً وعمرٌو قائمٌ»، [أي: إنَّ زَيْداً قائِم وعمرٌو قائمٌ]، فإذا فعَلْنا ذلك، فهل الحذفُ من الأول أي: [يكونُ] خبرُ الثاني مثبتاً، والتقديرُ: إنَّ زَيْداً قائِمٌ وعمرٌو قائمٌ، فحذف «قائمٌ» الأول، أو بالعكس؟ قولان مشهوران، وقد وَرَد كلٌّ منهما؛ قال: [المنسرح]
٢٠٠٩ - نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأنْتَ بِمَاعِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ
أي: نحنُ راضُونَ، وعكْسُه قوله: [الطويل]
٢٠١٠ - فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمدِينَةِ رَحْلُهُفَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
التقدير: وقيارٌ بها كذلِكَ، فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ الحذفُ من الأول أيضاً؟ فالجوابُ: أنه يلزم من ذلك دخولُ اللامِ في خَبَر المبتدأ غيرِ المَنْسُوخِ ب «إنَّ»، وهو قليلٌ لا يقع إلا في ضَرُورة شِعْرٍ، فالآيةُ يجوزُ فيها هذا التقديران على هذا التخْريج، قال الزمخشريُّ: «والصَّابئُونَ: رفعٌ على الابتداء، وخبرُه محذوفٌ، والنيةُ به التأخير عمَّا في حَيِّز» إنَّ «من اسمها وخبرها؛ كأنه قيل: إنَّ الذين آمَنُوا والذينَ هَادُوا والنَّصارى حُكْمُهُمْ كَذَلِكَ والصَّابِئُونَ كذلكِ؛ وأنشد سيبويه شاهداً على ذلك: [الوافر]
٢٠١١ - وَإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْبُغَاةٌ مَا بَقِينَا في شِقَاقِ
أي: فاعلموا أنَّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كذلك»
ثم قال بعد كلامٍ: «فإنْ قلْتَ: فقوله» والصَّابئُونَ «معطوفٌ لا بدَّ له من معطوفٍ عليه، فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوفِ جملةٌ معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ إلى آخره، ولا محلَّ لها؛ كما لا محلَّ
— 442 —
للتي عطفتْ عليها، فإن قلتَ: فالتقديمُ والتأخيرُ لا يكون إلا لفائدةً، فما هي؟ قلتُ: فائدتُه التنبيهُ على أن الصابئين يُتابُ عليهم، إنْ صحَّ منهم الإيمانُ والعملُ الصالحُ، فما الظنُّ بغيرهم؟ وذلك أنَّ الصابئين أبينُ هؤلاءِ المعدُودِينَ ضَلاَلاً وأشدُّهم عِتِيّاً، وما سُمُّوا صابئين إلا أنهم صَبَئُوا عن الأديان كلِّها، أي: خَرَجُوا؛ كما أن الشاعر قدَّمَ قوله:» وأنْتُمْ «؛ تنبيهاً على أن المخاطبينَ أوغلُ في الوصْفِ بالبغْيِ من قومِه، حيثُ عاجلَ به قبل الخبر الذي هو» بُغاةٌ «؛ لئلا يدخُلَ قومُه في البغيِ قبلهم مع كونهم أوغلَ فيه منهم وأثبتَ قدماً، فإن قُلْتَ: فلو قيل:» والصَّابئينَ وإيَّاكُمْ «، لكان التقديمُ حاصلاً، قلت: لو قيل هكذا لم يَكُنْ من التقديم في شيء؛ لأنه لا إزالةَ فيه عن موضعه، وإنما يُقال مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ للمُزَالِ لا للقارِّ في مكانه، وتجْرِي هذه الجملة مَجْرَى الاعتراض».
الوجه الثاني: أنَّ «إنَّ» بمعنى «نَعَمْ» فهي حرفُ جوابٍ، ولا محلَّ لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وما بعده معطوفٌ عليه بالرفعِ، وخبرُ الجميعِ قوله: «مَنْ آمَنَ» إلى آخره، وكونُها بمعنى «نَعَمْ» قولٌ مرجوحٌ، قال به بعضُ النحْويِّين، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في قراءةِ من قرأهُ بالألف، وفي الآية كلامٌ طويلٌ يأتي - إنْ شاء الله تعالى - في موضعه، وجعل منه أيضاً قول عبد الله بْنِ الزُّبَيْر: «إنَّ وصاحبهَا» جواباً لمنْ قال له: «لَعَنَ الله ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ»، أي: نَعَمْ وصاحِبهَا، وجعل منه قول الآخر: [الكامل]
٢٠١٢ - بََرَزَ الغَوَانِي فِي الشَّبَابِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَكَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ
أي: نَعَمْ، والهاءُ للسكْتِ، وأجيبَ: بأنَّ الاسم والخبر محذوفان في قول ابن الزُّبَيْرِ، وبقي المعطوفُ على الاسمِ دليلاً عليه، والتقديرُ: إنَّها وصاحِبُهَا ملعونَانِ، وتقدير البيتِ: إنَّهُ كذلِكَ، وعلى تقدير أَنْ تكون بمعنى «نَعَمْ»، فلا يَصِحُّ هنا جعلُهَا بمعناها؛ لأنها لم يتقدَّمْها شيءٌ تكونُ جواباً له، و «نَعَمْ» لا تقعُ ابتداءَ كلامٍ، إنما تقع جواباً لسؤالٍ، فتكونُ تصديقاً له، ولقائل أن يقول: يجوزُ أن يكُونَ ثَمَّ سُؤالٌ مقدَّرٌ، وقد ذَكرُوا ذلك في مواضِعَ كثيرةٍ منها قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١] ﴿لاَ جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]، قالوا: يُحتملُ أن يكونَ ردّاً لقائلِ كَيْتَ وكَيْتَ.
الوجه الثالث: أن يكون معطوفاً على الضَّميرِ المستكنِّ في «هَادُوا» أي: هَادُوا هم
— 443 —
والصَّابئُونَ، وهذا قول الكسائيِّ، ورَدَّه تلميذُهُ الفرَّاء والزَّجَّاج. قال الزَّجَّاج: «هو خطأٌ من جهتَيْن» :
إحداهما: أن الصابئ في هذا القولِ يشاركُ اليهوديَّ في اليهوديَّة، وليس كذلك، فإن الصابئ هو غيرُ اليهوديِّ، وإن جُعِلَ «هَادُوا» بمعنى «تَابُوا» من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] لا من اليهوديَّة، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، فالتفسيرُ قد جاء بغير ذلك؛ لأنَّ معنى «الَّذِينَ آمَنُوا» في هذه الآية؛ إنما هو إيمانٌ بأفواهِهِم؛ لأنه يريد به المنافقين؛ لأنه وصفُ الذين آمَنُوا بأفواههمْ ولم تؤمِنْ قلوبُهُمْ، ثم ذكر اليهودَ والنصارى، فقال: مَنْ آمَنَ منهُمْ بالله، فله كذا، فجعَلَهُمْ يهوداً ونصارى، فلو كانوا مؤمنين، لم يحتجْ أنْ يقال: «مَنْ آمَنَ، فَلَهُمْ أجْرُهُمْ»، وأُجِيبَ بأن هذا على أحدِ القولينِ، أعني: أنَّ «الَّذِينَ آمَنُوا» مؤمنُونَ نفاقاً، ورَدَّهُ أبو البقاء ومكي بن أبي طالبٍ بوجه آخر، وهو عدمُ تأكيدِ الضمير المعْطُوفِ عليه، قال شهاب الدين: هذا لا يلزمُ الكسائيَّ من حيث إنه قال بقولٍ تردُّه الدلائلُ الصحيحةُ، والله أعلم، وهذا القولُ قد نقله مكيٌّ عن الفرَّاء، كما نقله غيره عن الكسائيِّ، وردَّ عليه بما تقدَّمَ، فيحتملُ أن يكونَ الفرَّاء كان يوافق الكسائيَّ، ثم رجَع، ويحتمل أن يكون مخالفاً له، ثم رجع إليه، وعلى الجُمْلةِ، فيجوز أن يكونَ له في المَسْألة قولان.
الوجه الرابع: أنه مرفوعٌ نسقاً على محلِّ اسم «إنَّ» ؛ لأنه قبل دخولها مرفوعٌ بالابتداء، فلمَّا دخلَتْ عليه، لم تُغَيِّر معناه، بل أكدَتْهُ، غايةُ ما في الباب: أنها عَمِلَتْ فيه لفظاً، ولذلك اختصَّتْ هي و «أنَّ» بالفتح، ولكن على رأي بذلك، دون سائر أخواتها؛ لبقاء معنى الابتداء فيها، بخلاف «لَيْتَ ولعلَّ وكَأنَّ»، فإنه خرج إلى التمنِّي والتَّرَجِّي والتشبيه، وأجرى الفراء الباب مُجْرًى واحداً، فأجاز ذلك في لَيْتَ ولعلَّ، وأنشد: [الرجز]
٢٠١٣ - يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُفِي بَلَدٍ لَيْسَ بِهَا أنِيسُ
فأتى ب «أنْتِ»، وهو ضميرُ رفع نسقاً على الياء في «لَيْتَنِي»، وهل يَجْري غيرُ العطْفِ من التوابع مَجْرَاهُ في ذلك؟ فذهَبَ الفرَّاء ويونُسُ إلى جوازِ ذلك، وجعلا منه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق عَلاَّمُ الغيوب﴾ [سبأ: ٤٨] فرفعُ «علاَّم» عندهما على النعْتِ ل «
— 444 —
رَبِّي» على المحلِّ، وحكوا «إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ»، وغلَّط سيبويه مَنْ قال من العرب: «إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ»، وأخذ الناس عليه في ذلك من حيْثُ إنه غَلَّط أهْلَ اللسان، وهم الواضعُون أو المتلقُّون من الواضعِ، وأجيبَ بأنهم بالنسبة إلى عامَّة العرب غالطُونَ، وفي الجملة: فالناسُ قد رَدُّوا هذا المَذهبَ، أعني: جواز الرفع عطفاً على محلِّ اسم «إنَّ» مطلقاً، أعني قبل الخبر وبعده، خَفِيَ إعرابُ الاسم أو ظهر، ونقل بعضهم الإجماع على جوازِ الرفْعِ على المحلِّ بعد الخبر، وليس بَشْيء، وفي الجملة: ففي المسألةِ أربعةُ مذاهبَ: مذهبُ المحقِّقين: المنعُ مطلقاً، مذهبُ بعضهم: التفصيلُ قبل الخَبَر؛ فيمتنعُ، وبعده؛ فيجوز، ومذهب الفراء: إنْ خَفِيَ إعرابُ الاسمِ، جاز ذلك؛ لزوال الكراهية اللفظية، وحُكِيَ من كلامهم: «إنَّكَ وَزَيْد ذَاهِبَانِ»، الرابع: مذهب الكسائيِّ: وهو الجوازُ مطلقاً؛ ويستدلُّ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ﴾ الآية، وبقول ضَابِىءٍ البُرْجُمِيِّ: [الطويل]
٢٠١٤ - فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدينةِ رَحْلُهُفَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
وبقوله: [البسيط]
٢٠١٥ - يَا لَيْتَنَا وَهُمَا نَخْلُو بِمَنْزِلَةٍحَتَّى يَرَى بعْضُنَا بَعْضاً وَنَأتَلِفُ
وبقوله: [الوافر]
٢٠١٦ - وَإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْ......................
وبقوله: [الرجز]
٢٠١٧ - يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُ... وبقولهم: «إنَّكَ وَزَيْدٌ ذَاهِبَانِ»، وكلُّ هذه تَصْلُحُ أن تكونَ دليلاً للكسائيِّ والفراء معاً، وينبغي أن يُوردَ الكسائيُّ دليلاً على جوازِ ذلك مع ظهور إعراب الاسم؛ نحو: «إنَّ زَيْداً وعَمْرو قائِمَانِ»، وردَّ الزمخشريُّ الرفع على المحلِّ؛ فقال: «فإنْ قلتَ: هلاَّ زَعَمْتَ أن ارتفاعه للعطْفِ على محَلِّ» إنَّ «واسمها، قلتُ: لا يَصِحُّ ذلك قبل الفراغ من الخَبَرِ، لا تقول:» إنَّ زَيْداً وعمرٌو مُنْطَلِقَانِ «، فإنْ قلتَ: لِمَ لا يَصِحُّ والنيةُ به التأخيرُ، وكأنك قلتَ: إنَّ زَيْداً مُنْطلقٌ وعمرٌو؟ قلتُ: لأني إذا رفعته رفعتُه على محلِّ» إنَّ «واسمها، والعاملُ في محلِّهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العاملَ في الخَبَرِ؛ لأنَّ الابتداء
— 445 —
ينتظم الجزأيْنِ في عمله، كما تنتظِمُها» إنَّ «في عملها، فلو رَفَعْتَ» الصَّابِئُونَ «المنويَّ به التأخيرُ بالابتداء، وقد رفعت الخبر ب» إنَّ «، لأعْمَلْتَ فيهما رافعيْن مختلفين»، وهو واضحٌ فيما رَدَّ به، إلاَّ أنه يُفْهِمُ كلامُه أنه يُجيزُ ذلك بعد استكمال الخَبَر، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم نقل الاجماع على جوازه.
وضعَّف ابنُ الخطيب ما قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، قال: هذا الكلام ضَعِيفٌ وبَيَانُه من وجوه:
الأوَّل: أنَّ هذه الأشْيَاء التي يُسَمِّيها النَّحْويُّونَ: رَافِعَةً وناصبةً، ليس معناهُ أنَّهَا كذلك لذَوَاتها ولأعْيَانِها، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنَّهُمَا مُعَرَّفانِ بحسَبِ الوضْعِ والاصْطِلاَح لهذه الحركات، واجْتِمَاع المُعَرَّفَات الكَثيرَة على الشَّيْءِ والوَاحِدِ غير مُحَالٍ، ألا ترى أنَّ جَمِيع أجْزَاء المُحْدَثَاتِ دَالَّةٌ على وُجُودِ اللَّه تعالى؟
الثاني: أنَّ هذا الجواب بناءٌ على أنَّ كلمة «إنَّ» مُؤثِّرة في نَصْبِ الاسْم ورفْعِ الخبر، والكُوفِيُّونَ يُنْكِرون ذلك، ويقولون: لا تَأثِير لهذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ ألْبَتَّةً.
الثالث: أنَّ الأشْيَاء الكَثِيرة إذا عُطِفَتْ بَعْضُهَا على بَعْض، فالخَبَرُ الوَاحِدُ لا يكُونُ خَبَراً عنهم؛ لأنَّ الخبر عن الشَّيْءِ إخبارٌ عن تَعْريف حالِهِ وبيان صِفَتِهِ، ومن المُحَال أن يكون حالُ الشَّيء وَصِفَتُهُ عينُ حَالِ الآخَرِ وعيْنُ صفتِهِ، لامتناع قيام الصِّفة الواحدة للذَّوات المُخْتَلِفَة، وإذا ثَبَتَ هذا ظهر أنَّ الخَبَر، وإنْ كان في اللَّفْظِ واحِداً، لكنَّه في التقدير مُتَعَدِّدٌ، وإذا حصل التَّعَدُّدُ في الحقيقةِ، لم يمتنع كَوْنُ البَعْضِ مرتَفِعاً بالخَبَر، وبَعْض بالابْتِدَاء بهذا التَّقْدير، ولم يلزم اجْتِمَاعُ الرَّافِعَيْن على مَرْفُوعٍ واحدٍ.
والذي يُحَقِّقُ ذلك أنَّهُ سَلَّم أنَّ بعد ذَكْرِ الاسْمِ وخَبَرهِ جَازَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ في المَعْطُوفِ عليه، ولا شكَّ أنَّ هذا المَعْطُوفَ إنَّما جَازَ ذَلِكَ فيه؛ لأنَّا نُضْمِرُ له خَبَراً، وحَكَمْنَا بأنَّ ذلك الخَبَرَ المُضْمَر مُرْتَفِعٌ بالابْتِدَاء.
وإذا ثَبَت هذا فَنَقُول: إن قبل ذكر الخبر إذا عَطَفْنَا اسماً على اسم، حكم صَريح العَقْل، بأنَّهُ لا بُدَّ من الحُكْمِ بتقدير الخَبَرِ، وذلك إنَّما يحصل بإضمار الأخْبَار الكَثِيرَة، وعلى هذا التقديرِ يَسْقُطُ ما ذكر من الإلْزَام.
الوجه الخامس: قال الواحديُّ: «وفي الآية قولٌ رابعٌ لهشام بن معاوية: وهو أنْ تُضْمِرَ خبرَ» إنَّ «، وتبتدئ» الصَّابِئُونَ «، والتقدير:» إنَّ الذينَ آمَنُوا والذين هَادُوا يُرْحَمُونُ «على قولِ من يقولُ: إنَّهم مسْلِمُونَ، و» يُعَذِّبُونَ «على قولِ من يقول: إنهم كفَّار، فيُحْذَفُ الخبرُ؛ إذ عُرِف موضِعُه؛ كما حُذِف من قوله:
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر﴾ [فصلت: ٤١]، أي: يُعَاقَبُونَ «ثم قال الواحديُّ: وهذا القولُ قريبٌ من قولِ البصريِّينَ، غيرَ أنَّهم
— 446 —
يُضْمِرُون خبر الابتداءِ، ويجعلُونَ» مَنْ آمَنَ «خبرَ» إنَّ «، وهذا على العكْسِ من ذلك؛ لأنه جعل» مَنْ آمنَ «خبر الابتداء، وحذفَ خبرَ» إنَّ «، قال شهاب الدين: هو كما قال، وقد نَبَّهْت على ذلك في قَوْلِي أولاً: إنَّ مِنْهُم مَنْ يُقَدِّر الحذف من الأوَّلِ، ومنهم مَنْ يَعْكِسُ.
الوجه السادس: أنَّ»
الصَّابِئُونَ «مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ؛ كمذهب سيبويه والخليلِ، إلا أنه لا يُنْوى بهذا المبتدأ التأخيرُ، فالفرقُ بينه وبين مذهب سيبويه نيةُ التأخيرِ وعدمُها، قال أبو البقاء:» وهو ضعيفٌ أيضاً؛ لما فيه من لزومِ الحذْفِ والفصلِ «، أي: لِما يلزمُ من الجَمْع بين الحذفِ والفَصْلِ، ولا يَعْنِي بذلك؛ أنَّ المكان من مواضع الحذف اللازمِ؛ لأنَّ القرآن يلزمُ أنْ يُتْلَى على ما أُنْزِلَ، وإنْ كان ذلك المكان في غيره يجوزُ فيه الذكرُ والحذفُ.
الوجه السابع: أنَّ»
الصَّابِئُونَ «منصوبٌ، وإنما جاء على لغةِ بني الحرثِ وغيرهمُ الذين يَجْعَلون المثنَّى بالألفِ في كل حال؛ نحو:» رأيْتُ الزَّيْدَانِ، ومَرَرْتُ بالزَّيْدَانِ «نقل ذلك مكي بن أبي طالب وأبو البقاء، وكأنَّ شبهةَ هذا القائلِ على ضَعْفِها؛ أنه رأى الألف علامةَ رفعِ المثنَّى، وقد جُعِلَتْ في هذه اللغةِ نائبةً رفعاً ونصباً وجرًّا، وكذا الواو هي علامةُ رفعِ المجموعِ سلامةً، فيبقى في حالةِ النصْب والجرِّ؛ كما بَقِيت الألفُ، وهذا ضعيفٌ، بل فَاسدٌ.
الوجه الثامن: أنَّ علامةَ النصب في»
الصَّابِئُونَ «فتحةُ النون، والنونُ حرفُ الإعراب، كهي في» الزَّيْتُونِ «و» عُرْبُونٍ «، قال أبو البقاء:» فإنْ قيلَ: إنما أجاز أبو عليٍّ ذلك مع الياءِ، لا مع الواوِ، قيل: قد أجازه غيرُه، والقياسُ لا يدفعُهُ «، قال شهاب الدين: يشير إلى مسألة، وهو: أن الفارسيَّ أجازَ في بعضِ جموعِ السَّلامة، وهي ما جَرَتْ مجرى المكسَّرِ كَبنينَ وسِنينَ؛ أن يَحُلَّ الإعرابُ نونها؛ بشرطِ أن يكونَ ذلك مع الياءِ خاصَّةً دونَ الواوِ، فيقال:» جاءَ البَنِينُ «؛ قال: [الوافر]
٢٠١٨ - وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَلِيٌّأباً بَرًّا ونَحْنُ لَهُ بَنِينُ
وفي الحديث:»
اللَّهُمَّ، اجْعَلْهَا عَلَيهِمْ سِنيناً كَسِنين يُوسُفَ «؛ وقال: [الطويل]
٢٠١٩ - دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سنينَهُلَعِبْنَ بِنَا شِيباً وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَاً
— 447 —
فأثْبَتَ النونَ في الإضافةِ، فلمَّا جاءت هذه القراءةُ؛ ووجِّهتْ بأن علامة النصب فتحةُ النونِ، وكانَ المشْهُورُ بهذا القولِ إنما هو الفارسيُّ، سأل أبو البقاء هذه المسألة، وأجاب بأنَّ غيره يُجيزُهُ حتَّى مع الواو، وجعل أنَّ القياسَ لا يأباه، قال شهاب الدين: القياسُ يأباه، والفرقُ بين حال كونه بالياء وبين كونه بالواوِ ظاهرٌ قد حَقَّقْته في» شَرْحِ التَّسْهِيلِ «، نعم، إذا سُمِّي بجمعِ المذكرِ السالمِ، جاز فيه خمسةُ أوجه:
أحدها: أنْ يُعْرَبَ بالحركاتِ مع الواوِ، ويصيرَ نظيرَ»
الذون «، فيقال:» جَاءَ الزَّيْدُونُ ورَأيْتُ الزَّيْدُونَ ومَرَرْتُ بالزَّيْدُونِ «، ك» جَاءَ الذُونُ ورَأيْتُ الذونَ ومَرَرْتُ بالذونِ «، هذا إذا سُمِّيَ به، أمَّا ما دام جمعاً، فلا أحْفَظُ فيه ما ذكره أبو البقاءِ، ومن أثْبَتَ حجةٌ على مَنْ نَفَى، لا سيما مع تقدُّمِه في العلمِ والزمان.
الوجه التاسع: قال مكيٌّ: «وإنما رفع»
الصَّابِئُونَ «؛ لأن» إنَّ «لم يظهر لها عملٌ في» الَّذينَ «فبقي المعطوفُ على رفعه الأصليِّ قبل دخول» إنَّ «على الجملة»، قلت: وهذا هو بعينه مذهَبُ الفراء، أعني: أنه يجيز العطف على محلِّ اسم «إنَّ» إذا لم يظهر فيه إعرابٌ، إلا أن عبارة مَكيٍّ لا توافق هذا ظاهراً.
قال ابنُ الخطيبِ مُعَلِّلاً قول الفرَّاء: أن «إنَّ» ضعيفةٌ في العَمَلِ هاهنا، وبيانُهُ مِنْ وجوه:
الأوَّلُ: أنَّ كلمة «إنَّ» لم تَعْمَلْ إلاَّ لكوْنِهَا مُشابِهَة للفِعْل، ومعلُومٌ أنَّ المشابَهَة بين الفِعْلِ والحَرْفِ ضَعِيفَةٌ.
الثاني: أنَّها، وإن كانَت تَعْمَل في الاسمِ فقط، أمَّا الخَبَر، فإنَّه يبقى مَرْفُوعاً، لِكَوْنِه خَبَرَ المُبْتَدَأ، وليس لهذا الحرف في رَفْعٍ الخَبَرِ تَأثيرٌ، وهذا مَذْهَبُ الكُوفيِّين.
والثالث: أنَّهَا إنما يَظْهَرُ أثَرُهَا في تَغْيير الأسْمَاءِ أمَّا الأسماءُ الَّتِي لا تَتَغيَّرُ عند اختلافِ العوامل، فلا يظهر أثَرُ هذا الحرف فيها، والأمر هاهُنا كذلك؛ لأنَّ الاسمَ هاهُنَا هو قوله «الَّذِين» وهذه الكَلِمَةُ لا يظهر فيها أثَرُ النَّصْبِ والرَّفْعِ والخَفْضِ.
وَإذا ثبت هذا فَنَقُولُ: إذَا كان اسم «إنَّ» بحيث لا يَظْهَرُ فيه أثَرُ الإعراب، فالَّذِي يُعْطَفُ عليه يجُوز النَّصْبُ فيه على إعْمَال هذا الحَرْفِ، والرَّفْعُ على إسْقَاطِ عَمَلِه، فلا يَجُوز أن يُقَال: «إنَّ زيداً وعَمْراً قَائِمَان» لأنَّ زيْداً ظهر فِيهَا أثَرُ الإعراب، ويجُوزُ أن يُقَال: «إنَّ هؤلاءِ إخْوتكَ يُكْرِمُونَنَا، وإنَّ قَطَامَ وهِنْد عِنْدنَا» والسَّبَبُ في جَوَازِ ذلك أنَّ
— 448 —
كَلِمَة «إنَّ» كانَتْ في الأصْلِ ضعيفَةُ العَمَل، فإذَا صارت بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لَهَا أثَرٌ في اسمهَا صَارَتْ في غاية الضَّعفِ، فجاز الرَّفْعُ بِمُقْتَضَى الحُكْم الثَّابِتِ قبل دخول هذا الحَرْفِ عليه، وهو كَونُهُ مُبْتَدأ، فهذا تَقْرِير قول الفرَّاء، وهو مَذْهَبٌ حَسَنٌ، وأولى من مذهَبِ البصْرِيِّين؛ لأن الَّذي قالوه يَقْتَضِي أنَّ كلام الله على التَّرْتِيب الَّذِي وردَ عليه ليس بصحيح، وإنَّمَا تَحصُل الصِّحَّة عند تَفْكيكِ هذا النَّظْمِ، وعلى قوْلِ الفرَّاءِ فلا حاجَةَ إليه، فكَانَ ذلك أوْلَى.
وقرأ أبيُّ بن كعْبٍ، وعثمان بنُ عفان، وعائشةُ، والجحْدَرِيُّ وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وجماعة: «والصَّابئينَ» بالياء، ونقلها صاحب «الكَشَّاف» عن ابن كثيرٍ، وهذا غير مشهُور عنه، وهذه القراءةُ واضحةُ التخريج؛ عطفاً على لفظِ اسْم «إنَّ»، وإن كان فيها مخالفةٌ لسوادِ المصْحَفِ، فيه مخالفةٌ يسيرةٌ، ولها نظائرُ كقراءة قُنْبُلٍ عن ابن كثيرٍ: ﴿سراط﴾ [الفاتحة: ٥] وبابه بالسين، وكقراءة حمزة إيَّاهُ في روايةٍ بالزَّاي، وهو مرسومٌ بالصَّاد في سائر المصاحِف، ونحو قراءة الجميع: ﴿إيلافهم﴾ [قريش: ١] بالياء، والرسم بدونها في الجميعِ، وقرأ الحسن البصريُّ والزهريُّ: «والصَّابيُون» بكسر الباء بعدها ياءٌ خالصة، وهو تخفيف للهمزة، كقراءة من قرأ: ﴿«يستهزيون﴾ [الأنعام: ٥] بخلوص الياء، وقد تقدَّم قراءة نافعٍ في البقرة [الآية ٦٢].
وأما» النَّصَارى «، فهو منصوب عطْفاً على لفظ اسمِ» إنَّ «، ولا حاجة إلى ادِّعاء كونه مرفوعاً على ما رفع به» الصابئُونَ «؛ لكلفةِ ذلك.
قوله تعالى:» مَنْ آمَنَ «يجوز في» مَنْ «وجهان:
أحدهما: أنها شرطيةٌ، وقوله:»
فلا خَوْفٌ «إلى آخره جوابُ الشرط، وعلى هذا ف» آمَنَ «في محل جزمٍ بالشرط، و» فلا خَوْفٌ «في محلِّ جزمٍ بكونه جوابه، والفاءُ لازمةٌ.
والثاني: أن تكون موصولةً والخبر»
فلا خوفٌ «، ودخلت الفاءُ لشبهِ المبتدأ بالشرطِ، ف» آمَنَ «على هذا لا محلَّ له؛ لوقوعه صلةً، و» فَلا خَوفٌ «محلُّه الرفعُ لوقوعه خبراً، والفاءُ جائزةُ الدخولِ، لو كان في غير القرآن، وعلى هذين الوجهين، فمحلُّ» مَنْ «رفعٌ بالابتداء، ويجوز على كونها موصولةً: أن تكون في محلِّ نصب بدلاً من اسم» إنَّ «وما عُطِف عليه، أو تكون بدلاً من المعطوفِ فقط، وهذا على الخلافِ في» الَّذِينَ آمَنُوا «: هل المرادُ بهم المؤمنونَ حقيقةً، أو المؤمنونَ نِفَاقاً؟ وعلى كلِّ تقدير من التقادير المتقدِّمة، فالعائدُ من هذه الجملة على» مَنْ «محذوفٌ، تقديرُه:» مَنْ آمن مِنْهُمْ «؛ كما صَرَّح به في موضعٍ آخر، وتقدَّم إعرابُ باقي الجُمْلَةِ فيما مَضَى.
— 449 —

فصل في معنى الآية


معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾، أي: باللِّسَان وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بالقَلْبِ، وعلى هذا فالمُرَادُ بِهِم: المنافقون، وقيل: إنَّ الذين على حقيقةِ الإيمان ﴿مَنْ آمَنَ بالله﴾ أي: ثبتَ على الإيمان باللَّه واليومِ الآخر وعمل صالحاً فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُون.
ولهذا التكرير فائدتان:
الأولى: أن المُنَافِقِين كانوا يَزْعُمُون أنَّهُم مُؤمِنُون، فأخْرَجَهُمْ بهذا التكرير عن [وعد] عدمِ الخَوْف، وعدمِ الحزن.
والثاني: أنَّهُ تعالى ذكر لَفْظَ الإيمان، والإيمانُ يدخل تحته أقسامٌ: فأشرفُها: الإيمان باللَّهِ واليوم الآخر، فكرره تنبيهاً على أنَّ هذيْنِ القسمَيْن أشْرَف أقْسَام الإيمان.
وقد تقدَّمَ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٣٥] كلامٌ يناسب هذا الموضع.
واعلم أنَّه لما بَيَّنَ أن أهل الكِتاب ليسُوا على شَيء ما لم يُؤمِنُوا بيَّن أنَّ هذا الحُكْمَ عامٌّ في الكُلِّ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ لأحدٍ فضيلة إلاَّ إذا آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخَرِ، وعَمِلَ صَالِحاً.
قالت المُعَتزِلَة: إنَّه تعالى شرَطَ عدمَ الخَوْفِ والحُزْن بالإيمان والعَمَلِ الصَّالح، والمشروط بالشَّيء عدم عند عدمِ الشَّرْطِ، فإنْ لم يَأتِ مع الإيمان بالعملِ الصَّالِح، فإنَّه يحصل له الخَوْفُ والحزن، وذلكَ يَمْنَعُ من العَفْوِ عن صاحبِ الكَبيرَة.
والجواب: أنَّ صاحِبَ الكَبيرَةِ لا يقطعُ بأنَّ الله يَعْفُو عنه لا مَحَالَة، فكان الخَوْفُ والحزن حاصِلاً قبل إظهَارِ العَفْو والله أعلم.
— 450 —

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل الحنبلي

عرض الكتاب