سورة المائدة | الآية ٦٩

عرض السورة
التَّفسير

ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ مَا يَعْتَرِضُهُمْ مِنَ الشَّجَا فِي حُلُوقِهِمْ بِهَذَا الدِّينِ طُغْياناً لِأَنَّ الطُّغْيَانَ هُوَ الْغُلُوُّ فِي الظُّلْمِ وَاقْتِحَامُ الْمُكَابَرَةِ مَعَ عَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِلَوْمِ اللَّائِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ.
وَسَلَّى الله رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فَالْفَاءُ لِلْفَصِيحَةِ لِتَتِمَّ التَّسْلِيَةُ، لِأَنَّ رَحْمَةَ الرَّسُولِ بِالْخَلْقِ تُحْزِنُهُ مِمَّا بَلَغَ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ الطُّغْيَانِ وَالْكُفْرِ، فَنَبَّهَتْ
فَاءُ الْفَصِيحَةِ عَلَى أَنَّهُمْ مَا بَلَغُوا إِلَّا مِنْ جَرَّاءِ الْحَسَدِ لِلرَّسُولِ فَحَقِيقٌ أَنْ لَا يَحْزَنَ لَهُمْ. وَالْأَسَى الْحُزْنُ وَالْأَسَفُ، وَفِعْلُهُ كَفَرِحَ.
وَذُكِرَ لَفْظُ الْقَوْمِ وَأُتْبِعَ بِوَصْفِ الْكافِرِينَ لِيَدُلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَافِرِينَ هُمُ الَّذِينَ صَارَ الْكُفْرُ لَهُمْ سَجِيَّةً وَصِفَةً تَتَقَوَّمُ بِهَا قَوْمِيَّتُهُمْ. وَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الْقَوْمَ وَقَالَ: (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْكَافِرِينَ) لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اللَّقَبِ لَهُمْ فَلَا يُشْعِرُ بِالتَّوْصِيفِ، فَكَانَ صَادِقًا بِمَنْ كَانَ الْكُفْرُ غَيْرَ رَاسِخٍ فِيهِ بَلْ هُوَ فِي حَيْرَةٍ وَتَرَدُّدٍ، فَذَلِكَ مرجّو إيمَانه.
[٦٩]

[سُورَة الْمَائِدَة (٥) : آيَة ٦٩]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ دَقِيقٌ، وَمَعْنَاهَا أَدَقُّ، وَإِعْرَابُهَا تَابِعٌ لِدِقَّةِ الْأَمْرَيْنِ. فَمَوْقِعُهَا أَدَقُّ مِنْ مَوْقِعِ نَظِيرَتِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٢]، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ فِي نَظِيرَتِهَا بِمُغْنٍ عَنْ بَيَانِ مَا يَخْتَصُّ بِمَوْقِعِ هَذِهِ. وَمَعْنَاهَا يَزِيدُ دِقَّةً عَلَى مَعْنَى نَظِيرَتِهَا تَبَعًا لِدِقَّةِ مَوْقِعِ هَذِهِ.
وَإِعْرَابُهَا يَتَعَقَّدُ إِشْكَالُهُ بِوُقُوع قَوْله: وَالصَّابِئُونَ بِحَالَةِ رَفْعٍ بِالْوَاوِ فِي حِينِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ إِنَّ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ.
— 267 —
فَحَقٌّ عَلَيْنَا أَنْ نَخُصَّهَا مِنَ الْبَيَانِ بِمَا لَمْ يَسْبِقْ لَنَا مِثْلُهُ فِي نَظِيرَتِهَا وَلِنَبْدَأَ بِمَوْقِعِهَا فَإِنَّهُ مَعْقَدُ مَعْنَاهَا:
فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالٍ يَخْطُرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ لِقَوْلِهِ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [الْمَائِدَة: ٦٨] فَيَسْأَلُ سَائِلٌ عَنْ حَالِ مَنِ انْقَرَضُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ: هَلْ هُمْ عَلَى شَيْءٍ أَوْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهَلْ نَفَعَهُمُ اتِّبَاعُ دِينِهِمْ أَيَّامَئِذٍ فَوَقَعَ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الْآيَةَ جَوَابًا لِهَذَا السُّؤَالِ المقدّر. وَالْمرَاد بالّذين آمَنُوا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّه وبمحمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنِ الْإِخْبَارِ الَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابُونَ وَالنَّصَارَى، وَأَمَّا التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا فَلِاهْتِمَامٍ بِهِمْ سَنُبَيِّنُهُ قَرِيبًا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةً لِجُمْلَةِ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا [الْمَائِدَة: ٦٥] إِلَخْ، فَبَعْدَ أَنْ أُتْبِعَتْ تِلْكَ الْجُمْلَةُ بِمَا أُتْبِعَتْ بِهِ مِنَ الْجُمَلِ عَادَ الْكَلَامُ بِمَا يُفِيدُ مَعْنَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ، وَوَصْلًا لِرَبْطِ الْكَلَامِ، وَلِيُلْحَقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الصَّابِئُونَ، وَلِيَظْهَرَ الِاهْتِمَامُ بِذِكْرِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
فَالتَّصْدِيرُ بِذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا فِي طَالِعَةِ الْمَعْدُودِينَ إِدْمَاجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمِثَالُ الصَّالِحُ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْغُرُورِ وَعَنْ تَسَرُّبِ مَسَارِبِ الشِّرْكِ إِلَى عَقَائِدِهِمْ (كَمَا بَشَّرَ بذلك النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ»
) فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ، لِأَنَّهُمُ الْأَوْحَدُونَ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، أَوَّلِينَ فِي هَذَا الْفَضْلِ.
وَأَمَّا مَعْنَى الْآيَةِ فَافْتِتَاحُهَا بِحَرْفِ إِنْ هُنَا لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِعِرِوِّ الْمَقَامِ عَنْ إِرَادَةِ رَدِّ إِنْكَارٍ أَوْ تَرَدُّدٍ فِي الْحُكْمِ أَوْ تَنْزِيلِ غَيْرِ الْمُتَرَدِّدِ مَنْزِلَةَ الْمُتَرَدِّدِ.
— 268 —
وَقَدْ تَحَيَّرَ النَّاظِرُونَ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ جَمِيعِ الْمَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، إِذْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَذْكُورِينَ الْمُؤْمِنُونَ، وَهَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ وَذَهَبَ النَّاظِرُونَ فِي تَأْوِيلِهِ مَذَاهِبَ: فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا مَنْ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِمَنْ آمَنَ مَنْ دَامَ عَلَى إِيمَانِهِ وَلَمْ يَرْتَدَّ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ عِنْدِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أَصْحَابُ الْوَصْفِ الْمَعْرُوفِ بِالْإِيمَانِ وَاشْتَهَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَعْدٌ بِجَزَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ وَالْمُتَظَاهِرَ بِالْإِيمَانِ نِفَاقًا.
فَالَّذِي أَرَاهُ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرُ (إِنَّ) مَحْذُوفًا. وَحَذْفُ خَبَرِ (إِنَّ) وَارِدٌ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ غَيْرُ قَلِيلٍ، كَمَا ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ فِي «كِتَابِهِ». وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْخَبَرِ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ من قَوْله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ «١» إِلَخْ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ هادُوا عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، فَيُجْعَلُ الَّذِينَ هادُوا مُبْتَدَأً، وَلِذَلِكَ حَقَّ رَفْعُ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَالصَّابِئُونَ. وَهَذَا أَوْلَى من جعل وَالصَّابِئُونَ مَبْدَأَ الْجُمْلَةِ وَتَقْدِيرِ خَبَرٍ لَهُ، أَيْ وَالصَّابُونَ كَذَلِكَ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَافِ الْمُتَعَاطِفَاتِ فِي الْحُكْمِ وَتَشْتِيتِهَا مَعَ إِمْكَان التفصّي عَنْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مُبْتَدَأً ثَانِيًا، وَتَكُونُ (مَنْ) مَوْصُولَةً، وَالرَّابِطُ لِلْجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَهَا مَحْذُوفًا، أَيْ مَنْ آمَنَ مِنْهُم، وَجُمْلَة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ «٢» خَبَرًا عَنْ (مَنْ) الْمَوْصُولَةِ، وَاقْتِرَانُهَا بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ شَبِيهٌ بِالشَّرْطِ. وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] الْآيَةَ، وَوُجُودُ الْفَاءِ فِيهِ يُعَيِّنُ كَوْنَهُ خَبَرًا عَنْ (مَنْ) الْمَوْصُولَةِ وَلَيْسَ خَبَرُ- إِنَّ-
عَلَى عَكْسِ قَوْلِ ضَابِي بْنِ الْحَارِثِ:
وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُفَإِنِّيَ وَقَبَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
فَإِنَّ وُجُودَ لَامِ الِابْتِدَاءِ فِي قَوْلِهِ: «لَغَرِيبُ» عَيَّنَ أَنَّهُ خَبَرُ (إِنَّ) وَتَقْدِيرُ خَبَرٍ عَنْ قَبَّارٍ، فَلَا يُنَظَّرُ بِهِ قَوْله تَعَالَى: وَالصَّابِئُونَ.
(١، ٢) فِي المطبوعة [التونسية] فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الْمُوَافقَة لـ[الْبَقَرَة: ٦٢] والمثبت هُوَ الْمَقْصُود وَالله أعلم.
— 269 —
وَمَعْنَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْ آمَنَ وَدَامَ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُغَيِّرُوا أَدْيَانَهُمْ بِالْإِشْرَاكِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ خَلَطُوا أُمُورَ الشِّرْكِ بِأَدْيَانِهِمْ وَعَبَدُوا الْآلِهَةَ كَمَا تَقُولُ التَّوْرَاةُ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ عُزَيْرًا ابْنًا لِلَّهِ، وَإِنَّ النَّصَارَى أَلَّهُوا عِيسَى وَعَبَدُوهُ، وَالصَّابِئَةُ عَبَدُوا الْكَوَاكِبَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَلَى دِينٍ لَهُ كِتَابٌ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُ دِينِهِمْ فِي تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٢].
ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَدْ أَحْدَثُوا فِي عَقِيدَتِهِمْ مِنَ الْغُرُورِ فِي نَجَاتِهِمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [الْمَائِدَة: ١٨] وَقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَة: ٨٠]، وَقَوْلِ النَّصَارَى: إِنَّ عِيسَى قَدْ كَفَّرَ خَطَايَا الْبَشَرِ بِمَا تَحَمَّلَهُ مِنْ عَذَابِ الطَّعْنِ وَالْإِهَانَةِ وَالصَّلْبِ وَالْقَتْلِ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، لِأَنَّهُمْ عَطَّلُوا الْجَزَاءَ وَهُوَ الْحِكْمَةُ الَّتِي قُدِّرَ الْبَعْثُ لِتَحْقِيقِهَا.
وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ جعلُوا قَوْله وَالصَّابِئُونَ مُبْتَدَأً وَجَعَلُوهُ مُقَدَّمًا مِنْ وَتَأْخِير وَقَدَّرُوا لَهُ خَبَرًا مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ خَبَرِ (إِنَّ) عَلَيْهِ، وَأَنَّ أَصْلَ النَّظْمِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى لَهُمْ أَجْرُهُمْ إِلَخْ، وَالصَّابُونَ كَذَلِكَ، جَعَلُوهُ كَقَوْلِ ضَابِي بْنِ الْحَارِث:
فإنّي وقبّار بِهَا لَغَرِيبُ وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ قَدَّرُوا تَقَادِيرَ أُخْرَى أَنْهَاهَا الْأَلُوسِيُّ إِلَى خَمْسَةٍ. وَالَّذِي سَلَكْنَاهُ أَوْضَحُ وَأَجْرَى عَلَى أُسْلُوبِ النَّظْمِ وَأَلْيَقُ بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ.
وَبَعْدُ فَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوقَنَ بِهِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَذَلِكَ نَزَلَ، وَكَذَلِكَ نَطَقَ بِهِ النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ تَلَقَّاهُ الْمُسلمُونَ مِنْهُ وقرؤوه، وَكُتِبَ فِي الْمَصَاحِفَ، وَهُمْ عَرَبٌ خُلَّصٌ، فَكَانَ لَنَا أَصْلًا نَتَعَرَّفُ مِنْهُ أُسْلُوبًا مِنْ أَسَالِيبِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ فِي الْعَطْفِ وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالًا غَيْرَ شَائِعٍ لَكِنَّهُ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْإِيجَازِ بِمَكَانٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ أَنَّهُ إِذَا أُتِي بِكَلَام موكّد بِحَرْفِ (إِنَّ) وَأُتِيَ بِاسْمِ إِنَّ وَخَبَرِهَا وَأُرِيدَ أَنْ يَعْطِفُوا عَلَى اسْمِهَا مَعْطُوفًا هُوَ
— 270 —
غَرِيبٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ جِيءَ بِالْمَعْطُوفِ الْغَرِيبِ مَرْفُوعًا لِيَدُلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا
عَطْفَ الْجُمَلِ لَا عَطْفَ الْمُفْرَدَاتِ، فَيُقَدِّرَ السَّامِعُ خَبَرًا يُقَدِّرُهُ بِحَسَبِ سِيَاقِ الْكَلَامِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التَّوْبَة: ٣]، أَيْ وَرَسُولُهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَرَاءَتَهُ مِنْهُمْ فِي حَالِ كَوْنِهِ مِنْ ذِي نَسَبِهِمْ وَصِهْرِهِمْ أَمْرٌ كَالْغَرِيبِ لِيَظْهَرَ مِنْهُ أَنَّ آصِرَةَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَوَاصِرِ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْمَعْطُوفُ هُنَا لَمَّا كَانَ الصَّابُونُ أَبْعَدَ عَنِ الْهُدَى مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُمُ الْتَزَمُوا عِبَادَةَ الْكَوَاكِبِ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ تَحِقُّ لَهُمُ النَّجَاةُ إِنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلُوا صَالِحًا، كَانَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهِمْ مَرْفُوعًا تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ. لَكِنْ كَانَ الْجَرْيُ عَلَى الْغَالِبِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُؤْتَى بِهَذَا الْمَعْطُوفِ مَرْفُوعًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ (إِنَّ) خَبَرَهَا، إِنَّمَا كَانَ الْغَالِبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُؤْتَى بِالِاسْمِ الْمَقْصُودِ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ مُؤَخَّرًا، فَأَمَّا تَقْدِيمُهُ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فقد يتَرَاءَى للنّاصر أَنَّهُ يُنَافِي الْمَقْصِدَ الَّذِي لِأَجْلِهِ خُولِفَ حُكْمُ إِعْرَابِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا أَيْضًا اسْتِعْمَالٌ عَزِيزٌ، وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مُقْتَضَيَيْ حَالين، وهما للدّلالة عَلَى غَرَابَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ. وَالتَّنْبِيهُ عَلَى تَعْجِيلِ الْإِعْلَامِ بِهَذَا الْخَبَرِ فَإِنَّ الصَّابِئِينَ يَكَادُونَ يَيْأَسُونَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ يَيْأَسُ مِنْهُمْ مَنْ يَسْمَعُ الْحُكْمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ. فَنَبَّهَ الْكُلَّ عَلَى أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَظِيمٌ لَا يَضِيقُ عَنْ شُمُولِهِمْ، فَهَذَا مُوجِبُ التَّقْدِيمِ مَعَ الرَّفْعِ، وَلَوْ لَمْ يُقَدَّمْ مَا حَصَلَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرْفَعْ لَصَارَ مَعْطُوفًا عَلَى اسْمِ (إِنَّ) فَلَمْ يَكُنْ عَطْفُهُ عَطْفَ جُمْلَةٍ.
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الصَّابِينَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ مُقَدَّمًا عَلَى النَّصَارَى وَمَنْصُوبًا، فَحَصَلَ هُنَاكَ مُقْتَضَى حَالٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْمُبَادَرَةُ بِتَعْجِيلِ الْإِعْلَامِ بِشُمُولِ فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ وَأَنَّهُمْ أَمَامَ عَدْلِ اللَّهِ يُسَاوُونَ غَيْرَهُمْ.
ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: وَعَمِلَ صالِحاً، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْ رَبْطِ السَّلَامَةِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ، بِهِ، فَهُوَ قَيْدٌ فِي الْمَذْكُورِينَ كُلِّهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَوَّلُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ يَأْتِي
— 271 —

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

ابن عاشور

عرض الكتاب