سورة البقرة | الآية ٧٠

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن الفرس
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمَسَرَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهَا مِنْ بَابِ اسْتِفَادَةِ التَّعْلِيلِ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالْمُشْتَقِّ.

[٧٠، ٧١]

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٧٠ الى ٧١]

قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ.
الْقَوْلُ فِي مَا هِيَ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ، فَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَكَى مُرَادِفَ كَلَامِهِمْ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فَالْجَوَاب لَهُم ب إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضُ بِهَا إِلَّا الْكَرَامَةُ وَالنَّفَاسَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمَحْكِيُّ فِي الْقُرْآنِ اخْتِصَارًا لِكَلَامِهِمْ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ. عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ مُرَادَهُمْ فَأَنْبَأَهُمْ بِهِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ إِعَادَتَهُمُ السُّؤَالَ تُوقِعُ فِي نَفْسِ مُوسَى تَسَاؤُلًا عَنْ سَبَبِ هَذَا التَّكْرِيرِ فِي السُّؤَالِ، وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اعْتِذَارٌ عَنْ إِعَادَةِ السُّؤَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَذِرُوا فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَاعْتَذَرُوا الْآنَ لِأَنَّ لِلثَّالِثَةِ فِي التَّكْرِيرِ وَقعا فِي النَّفْسِ فِي التَّأْكِيدِ وَالسَّآمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ كَثُرَ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ وَشَرَائِعِهِمُ التَّوْقِيتُ بِالثَّلَاثَةِ.
وَقَدْ جِيءَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ فِي خَبَرٍ لَا يَشُكُّ مُوسَى فِي صِدْقِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ ثُمَّ يُتَوَسَّلُ بِالِاهْتِمَامِ إِلَى إِفَادَةِ مَعْنَى التَّفْرِيعِ وَالتَّعْلِيلِ فَتُفِيدُ (إِنَّ) مَفَادَ فَاءِ التَّفْرِيعِ وَالتَّسَبُّبِ وَهُوَ مَا اعْتَنَى الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِ بِشَارٍ:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الْهَجِيرِإِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ
تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَة: ٣٢] فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً.
وَقَوْلُهُمْ: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ تَنْشِيطٌ لِمُوسَى وَوَعْدٌ لَهُ بِالِامْتِثَالِ لِيَنْشَطَ إِلَى دُعَاءِ رَبِّهِ بِالْبَيَانِ وَلِتَنْدَفِعَ عَنْهُ سَآمَةُ مُرَاجَعَتِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَوَارِقِهَا فِي قَوْلِهِ: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [الْبَقَرَة: ٦٨] وَلِإِظْهَارِ حُسْنِ الْمَقْصِدِ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَأَنْ لَيْسَ قَصْدُهُمُ الْإِعْنَاتَ.
تَفَادِيًا مِنْ غَضَبِ مُوسَى عَلَيْهِم.
وَالتَّعْلِيق ب إِنْ شاءَ اللَّهُ لِلتَّأَدُّبِ مَعَ اللَّهِ فِي رَدِّ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ حُصُولِ الْخَيْرِ.
وَالْقَوْلُ فِي وَجْهِ التَّأْكِيدِ فِي إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ الْأَوَّلِ.
— 554 —
وَالذَّلُولُ- بِفَتْحِ الذَّالِ- فَعُولٌ مِنْ ذَلَّ ذِلًّا- بِكَسْرِ الذَّالِ فِي الْمَصْدَرِ- بِمَعْنَى لَانَ وَسَهُلَ. وَأَمَّا الذُّلُّ- بِضَمِّ الذَّالِ- فَهُوَ ضِدُّ الْعِزِّ وَهُمَا مَصْدَرَانِ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ خَصَّ الِاسْتِعْمَالُ أَحَدَ الْمَصْدَرَيْنِ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ أَنْ يُحْرَثَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُسْقَى بِجَرِّهَا أَيْ هِيَ عِجْلَةٌ قَارَبَتْ هَذَا السِّنَّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا حُدِّدَ بِهِ سِنُّهَا فِي التَّوْرَاةِ.
وَلَا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ. وَجُمْلَةُ تُثِيرُ الْأَرْضَ حَالٌ مِنْ ذَلُولٌ.
وَإِثَارَةُ الْأَرْضِ حَرْثُهَا وَقَلْبُ دَاخِلِ تُرَابِهَا ظَاهِرًا وَظَاهِرِهِ بَاطِنًا، أُطْلِقَ عَلَى الْحَرْثِ فِعْلُ الإثارة تَشْبِيها لانقلال أَجْزَاءِ الْأَرْضِ بِثَوْرَةِ الشَّيْءِ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَتُثِيرُ سَحاباً [الرّوم: ٤٨] أَيْ تَبْعَثُهُ وَتَنْقُلُهُ وَنَظِيرُ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الرُّومِ [٩] : وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ.
وَإِقْحَامُ (لَا) بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مَعَ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ عَلَى الْمَنْفِيِّ بِهَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهَا إِنَّمَا هُوَ لِمُرَاعَاةِ الِاسْتِعْمَالِ الْفَصِيحِ فِي كُلِّ وَصْفٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ أُدْخِلَ فِيهِ حَرْفُ لَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ [الْبَقَرَة: ٦٨] فَإِنَّهُ لَمَّا قُيِّدَتْ صِفَةُ ذَلُولٍ بِجُمْلَةِ تَسْقِي الْحَرْثَ صَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّهَا بَقَرَةٌ لَا تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ فَجَرَتِ الْآيَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْفَصِيحِ مِنْ إِعَادَةِ (لَا) وَبِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّةٌ لِلْمُبَرِّدِ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.
وَاخْتِيرَ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ فِي (تثير) و (تَسْقِي) لِأَنَّهُ الْأَنْسَبُ بِذَلُولٍ إِذِ الْوَصْفُ شَبِيهٌ بِالْمُضَارِعِ وَلِأَنَّ الْمُضَارِعَ دَالٌّ عَلَى الْحَالِ.
وَ (مُسَلَّمَةٌ) أَيْ سَلِيمَةٌ مِنْ عُيُوبِ نَوْعِهَا فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ سُلِّمَتِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَكَثِيرًا مَا تُذْكَرُ الصِّفَاتُ الَّتِي تُعْرَضُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ بِصِيغَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي الْفِعْلِ وَالْوَصْفِ إِذْ لَا يخْطر على بَاب الْمُتَكَلِّمِ تَعْيِينُ فَاعِلِ ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا مُعْظَمُ الْأَفْعَالِ الَّتِي الْتُزِمَ فِيهَا الْبِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ.
وَقَوْلُهُ: لَا شِيَةَ فِيها صِفَةٌ أُخْرَى تُمَيِّزُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ عَنْ غَيْرِهَا. وَالشِّيَةُ الْعَلَامَةُ وَهِيَ بِزِنَةِ فِعْلَةٍ مِنْ وَشَى الثَّوْبَ إِذَا نَسَجَهُ أَلْوَانًا وَأَصْلُ شِيَةٍ وَشْيَةٌ وَيَقُولُ الْعَرَبُ ثَوْبٌ مُوَشًّى وَثَوْبٌ وَشِيٌّ، وَيَقُولُونَ: ثَوْرٌ مُوَشَّى الْأَكَارِعِ لِأَنَّ فِي أَكَارِعِ ثَوْرِ الْوَحْشِ سَوَادٌ يُخَالِطُ صُفْرَتَهُ فَهُوَ ثَوْرٌ أَشْيَهٌ وَنَظَائِرُهُ قَوْلُهُمْ فَرَسٌ أَبْلَقُ، وَكَبْشٌ أَدْرَعُ، وَتَيْسٌ أَزْرَقُ وَغُرَابٌ أَبْقَعُ، بِمَعْنَى مُخْتَلِطٍ لَوْنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أَرَادُوا بِالْحَقِّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ الَّذِي لَا احْتِمَالَ فِيهِ كَمَا تَقُولُ جَاءَ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يُرِيدُوا مِنَ الْحَقِّ ضِدَّ الْبَاطِلِ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ نَبِيَّهُمْ.
فَإِنْ
— 555 —
قُلْتَ: لِمَاذَا ذُكِرَ هُنَا بِلَفْظِ الْحَقِّ؟ وَهَلَّا قِيلَ قَالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْبَيَانِ أَوْ بِالثَّبْتِ؟
قُلْتُ: لَعَلَّ الْآيَةَ حَكَتْ مَعْنَى مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْيَهُودُ لِمُوسَى بِلَفْظٍ هُوَ فِي لُغَتِهِمْ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ فَحَكَى بِمَا يُرَادِفُهُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى قِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِانْتِقَاءِ الْأَلْفَاظِ النَّزِيهَةِ فِي مُخَاطَبَةِ أَنْبِيَائِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راعِنا، فَنُهِينَا نَحْنُ عَنْ أَنْ نَقُولَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا [الْبَقَرَة: ١٠٤] وَهُمْ لِقِلَّةِ جَدَارَتِهِمْ بِفَهْمِ الشَّرَائِعِ قَدْ تَوَهَّمُوا أَنَّ فِي الْأَمْرِ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ دُونَ بَيَانِ صِفَاتِهَا تَقْصِيرًا كَأَنَّهُمْ ظَنُّوا الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ كَالْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ فَجَعَلُوا يَسْتَوْصِفُونَهَا بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَاسْتَكْمَلُوا مُوسَى لَمَّا بَيَّنَ لَهُمُ الصِّفَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا أَغْرَاضُ النَّاسِ فِي الْكَسْبِ لِلْبَقَرِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ فِي عِلْمِ النَّبِيءِ بِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَمَالًا فِيهِ، فَلِذَا مَدَحُوهُ بَعْدَ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمُ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ كَمَا يَقُولُ الْمُمْتَحِنُ لِلتِّلْمِيذِ بَعْدَ جَمْعِ صُوَرِ السُّؤَالِ: الْآنَ أَصَبْتَ الْجَوَابَ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ وَغَيْرِهِ فِي التَّشْرِيعِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُسلمُونَ أَن يقعلوا فِي فَهْمِ الدِّينِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ وَذُمُّوا لِأَجْلِهِ.
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ.
عَطَفَتِ الْفَاءُ جُمْلَةَ فَذَبَحُوها عَلَى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ فَوَجَدُوهَا أَوْ فَظَفِرُوا بِهَا أَوْ
نَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ الِاقْتِصَارِيِّ، وَلَمَّا نَابَ الْمَعْطُوفُ فِي الْمَوْقِعِ عَنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ صَحَّ أَنْ نَقُولَ الْفَاءُ فِيهِ لِلْفَصِيحَةِ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ فِيهَا فَاءٌ لِلْفَصِيحَةِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ إِنَّ فَاءَ الْفَصِيحَةِ مَا أَفْصَحَتْ عَنْ مُقَدَّرٍ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِذِكْرِ حَالٍ مِنْ سُوءِ تَلَقِّيهِمُ الشَّرِيعَةَ، تَارَةً بِالْإِعْرَاضِ وَالتَّفْرِيطِ، وَتَارَةً بِكَثْرَةِ التَّوَقُّفِ وَالْإِفْرَاطِ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأُصُولِ التَّفَقُّهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْأَخْذُ بِالْأَوْصَافِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي مَعْنَى التَّشْرِيعِ دُونَ الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ذَبَحُوا أَيَّةَ بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْهُمْ وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِمْ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوِ اعْتَرَضُوا أدنى بقرة فدبحوها لَكَفَتْهُمْ وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»
وَفِي سَنَدِهِ عُبَادَةُ بْنُ مَنْصُورٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ
وَقَالَ: «فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»
وَبَيَّنَ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ مَا يَفْعَلُهُ فِي شَأْنِهَا
فَقَالَ
— 556 —
السَّائِلُ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ السَّائِلُ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ فَغَضِبَ رَسُولُ الله وَقَالَ مَالك وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَشْرَبُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا».
وَجُمْلَةُ: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ تَحْتَمِلُ الْحَالَ وَالِاسْتِئْنَافَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ رَبْطًا لِلْجُمْلَةِ وَذَلِكَ أَصْلُ الْجُمَلِ أَيْ ذَبَحُوهَا فِي حَالٍ تَقْرُبُ مِنْ حَالِ مَنْ لَا يَفْعَلُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ ذَبَحُوهَا مُكْرَهِينَ أَوْ كَالْمُكْرَهِينَ لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ الْمُمَاطَلَةِ وَبِذَلِكَ يَكُونُ وَقْتُ الذَّبْحِ وَوَقْتُ الِاتِّصَافِ بِمُقَارَبَةِ انْتِفَائِهِ وَقْتًا مُتَّحِدًا اتِّحَادًا عُرْفِيًّا بِحَسَبِ الْمَقَامَاتِ الْخِطَابِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مُمَاطَلَتَهُمْ قَارَنَتْ أَوَّلَ أَزْمِنَةِ الذَّبْحِ. وَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ يَصِحُّ اخْتِلَافُ الزَّمَنَيْنِ أَيْ فَذَبَحُوهَا عِنْدَ ذَلِكَ أَيْ عِنْدِ إِتْمَامِ الصِّفَاتِ، وَكَانَ شَأْنُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَأْنَ مَنْ لَمْ يُقَارِبْ أَنْ يَفْعَلَ.
ثُمَّ إِنَّ مَا كادُوا يَفْعَلُونَ يَقْتَضِي بِحَسَبِ الْوَضْعِ نَفْيَ مَدْلُولِ كَادَ فَإِنَّ مَدْلُولَهَا الْمُقَارَبَةُ وَنَفْيُ مُقَارَبَةِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ بِالْأَوْلَى فَيُقَالُ أَنَّى يَجْتَمِعُ ذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ ذَبْحِهَا بِقَوْلِهِ: فَذَبَحُوها؟ فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ فَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ نَفْيَ مُقَارَبَةِ الْفِعْلِ كَانَ قَبْلَ الذَّبْحِ حِينَ كَرَّرُوا السُّؤَالَ وَأَظْهَرُوا الْمِطَالَ ثُمَّ وَقَعَ الذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَجَابَ بِمِثْلِ هَذَا جَمَاعَةٌ يَعْنُونَ كَأَنَّ الْفِعْلَ وَقَعَ فَجْأَةً بَعْدَ أَنْ كَانُوا بِمَعْزِلٍ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الْوَاوِ اسْتِئْنَافًا وَقَدْ عَلِمْتُمْ بُعْدَهُ.
فَالْوَجْهُ الْقَالِعُ لِلْإِشْكَالِ هُوَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْعَرَبِيَّةِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَفَادِ كَادَ الْمَنْفِيَّةِ فِي نَحْوِ مَا كَادَ يَفْعَلُ فَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الزَّجَّاجِيُّ إِلَى أَنَّ نَفْيَهَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مُقَارَبَةِ الْفِعْلِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ وُقُوعِ الْفِعْلِ بِالْأَوْلَى فَيَكُونُ إِثْبَاتُ كَادَ نَفْيًا لِوُقُوعِ الْخَبَرِ الَّذِي فِي قَوْلِكَ كَادَ يَقُومُ أَيْ قَارَبَ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ إِلَّا إِذَا قَارَبَ وَلَمْ يَفْعَلْ وَنَفْيُهَا نَفْيًا لِلْفِعْلِ بِطَرِيقِ فَحْوَى الْخِطَابِ فَهُوَ كَالْمَنْطُوقِ وَأَنَّ مَا وَرَدَ مِمَّا يُوهِمُ خلاف ذَلِك مؤول بِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ وَقْتَيْنِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامَيْنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْ فَذَبَحُوهَا الْآنَ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ فِي الصُّورَةِ قَرِينَةً عَلَى قَصْدِ زَمَانَيْنِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ فِي «الْكَافِيَةِ» إِذْ قَالَ:
وَبِثُبُوتِ كَادَ يُنْفَى الْخَبَرُوَحِينَ يُنْفَى كَادَ ذَاكَ أَجْدَرُ
وَغَيْرُ ذَا عَلَى كَلَامَيْنِ يَرِدْكَوَلَدَتْ هِنْدٌ وَلَمْ تَكَدْ تَلِدْ
— 557 —
وَهَذَا الْمَذْهَبُ وُقُوفٌ مَعَ قِيَاسِ الْوَضْعِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ إِثْبَاتَ كَادَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْخَبَرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فِي تَقْرِيرِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ نَفْيَهَا يَصِيرُ إِثْبَاتًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْأَعْرَابِ حَتَّى أَلْغَزَ فِيهِ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ:
أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةأَنْت فِي لِسَانَيْ جُرْهُمٍ وَثَمُودَ
إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُورَةِ الْجَحْدِ أَثْبَتَتْوَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
وَقَدِ احْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ وَهَذَا مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِعْمَالِ الْجَارِي عَلَى خِلَافِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
وَقَدْ جَرَتْ فِي هَذَا نَادِرَةٌ أَدَبِيَّةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» وَهِيَ أَنَّ عَنْبَسَةَ الْعَنْسِيَّ الشَّاعِرَ قَالَ: قَدِمَ ذُو الرُّمَّةِ الْكُوفَةَ فَوَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ بِالْكُنَاسَةِ (١) يُنْشِدُ قَصِيدَتَهُ الْحَائِيَّةَ الَّتِي أَوَّلُهَا:
أَمَنْزِلَتَيْ ميّ سَلام عَلَيْكُمعَلَى النَّأْيِ وَالنَّائِي يَوَدُّ وَيَنْصَحُ
حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ فِيهَا:
إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْرَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
وَكَانَ فِي الْحَاضِرِينَ ابْنُ شُبْرُمَةَ فَنَادَاهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَا غَيْلَانُ أَرَاهُ قَدْ بَرِحَ قَالَ: فَشَنَقَ نَاقَتَهُ وَجَعَلَ يَتَأَخَّرُ بِهَا وَيَتَفَكَّرُ ثُمَّ قَالَ: «لَمْ أَجِدْ» عِوَضَ «لَمْ يَكَدْ» قَالَ عَنْبَسَةُ: فَلَمَّا انْصَرَفْتُ حَدَّثْتُ أَبِي فَقَالَ لِي: أَخْطَأَ ابْنُ شُبْرُمَةَ حِينَ أَنْكَرَ عَلَى ذِي الرُّمَّةِ، وَأَخْطَأَ ذُو الرُّمَّةِ حِينَ غَيَّرَ شِعْرَهُ لِقَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ: إِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [النُّور: ٤٠] وَإِنَّمَا هُوَ لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ- مِنْهُمْ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي وَعَبْدُ الْقَاهِرِ وَابْنُ مَالِكٍ فِي «التَّسْهِيلِ» - إِلَى أَنَّ أَصْلَ كَادَ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهَا لِنَفْيِ الْفِعْلِ بِالْأَوْلَى كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ إِلَّا أَنَّهَا قَدْ يُسْتَعْمَلُ نَفْيُهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ بَعْدَ بُطْءٍ وَجَهْدٍ وَبَعْدَ أَنْ كَانَ بَعِيدًا فِي الظَّنِّ أَنْ يَقَعَ وَأَشَارَ عَبْدُ الْقَاهِرِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ جَرَى فِي الْعُرْفِ وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا مَجَازٌ تَمْثِيلِيٌّ بِأَنْ تُشَبَّهَ حَالَةُ مَنْ فَعَلَ الْأَمْرَ بَعْدَ عَنَاءٍ بِحَالَةِ مَنْ بَعُدَ عَنِ الْفِعْلِ فَاسْتَعْمَلَ الْمُرَكَّبَ الدَّالَّ عَلَى حَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي حَالَةِ الْمُشَبَّهِ، وَلَعَلَّهُمْ يَجْعَلُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ فَذَبَحُوها قَرِينَةً عَلَى هَذَا الْقَصْدِ.
قَالَ فِي «التَّسْهِيلِ» :«وَتُنْفَى كَادَ إِعْلَامًاُُ
_________
(١) الكناسة: بِضَم الْكَاف أَصله اسْم لما يكنس، وَسمي بهَا ساحة بِالْكُوفَةِ مثل المربد بِالْبَصْرَةِ.
— 558 —

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

ابن عاشور

عرض الكتاب