سورة الأنعام | الآية ٥٦

عرض السورة
التَّفسير

ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً أَوْ قَبْضَتَيْنِ، فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ خَلْقًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ».
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ فِي قَوْلِهِ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ عَطْفَتَيْنِ، أن الله خلق السموات وَالْأَرْضَ، وَخَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَوْ جَعَلَ مِائَةَ رَحْمَةٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَوَضَعَ بَيْنَهُمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، قَالَ: فَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَبَاذَلُونَ، وَبِهَا يَتَزَاوَرُونَ، وَبِهَا تَحِنُّ الناقة، وبها تبح البقرة، وبها تثغو الشاة، وبها تتتابع الطير، وبها تتتابع الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، جَمَعَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ إِلَى مَا عِنْدَهُ، وَرَحْمَتُهُ أَفْضَلُ وَأَوْسَعُ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُوَافِقَةِ لِهَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] ومما يناسب هذه الآية مِنَ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يُعَذِّبَهُمْ» وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : مِنْ طَرِيقِ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٥ الى ٥٩]

وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)
يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا بَيَّنَا مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ، عَلَى طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أَيِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُخَاطَبُونَ إِلَى بَيَانِهَا، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ أَيْ وَلِتَظْهَرَ طَرِيقُ المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ أي ولتستبين يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا مُخَاطَبُ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.
وَقَوْلُهُ قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي «٢» أَيْ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي أوحاها الله إِلَيَّ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أَيْ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَنِي من اللَّهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أَيْ مِنَ الْعَذَابِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَيْ إِنَّمَا يَرْجِعُ أَمْرُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمُوهُ مِنْ ذَلِكَ، وإن
(١) مسند أحمد ٢/ ٣٠٩.
(٢) سقط من تفسير ابن كثير تفسير الآية ٥٦ من هذه السورة، فلينظر في تفسير الطبري ٥/ ٢٠٨ أو في غيره.
— 235 —
شَاءَ أَنْظَرَكُمْ وَأَجَّلَكُمْ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ من الحكمة العظيمة، ولهذا قال يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أَيْ وَهُوَ خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بَيْنَ عِبَادِهِ.
وَقَوْلُهُ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي لو كان مرجع ذلك إلي، لأوقعت لكم مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بن عَبْدِ كِلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ «١»، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بسحابة قد ظللتني، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ، لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ، لِتَأْمُرَنِي بأمرك فيما شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ «٢»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ، مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» وَهَذَا لفظ مسلم «٣»، فقد عرض عليهم عَذَابَهُمْ وَاسْتِئْصَالَهُمْ، فَاسْتَأْنَى بِهِمْ، وَسَأَلَ لَهُمُ التَّأْخِيرَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فَالْجَوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَيْهِ وُقُوعُ الْعَذَابِ، الَّذِي يَطْلُبُونَهُ حَالَ طَلَبِهِمْ لَهُ، لَأَوْقَعَهُ بِهِمْ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْجِبَالِ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةَ اللَّذَانِ يَكْتَنِفَانِهَا جَنُوبًا وَشَمَالًا، فَلِهَذَا اسْتَأْنَى بِهِمْ وَسَأَلَ الرِّفْقَ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ قَالَ الْبُخَارِيُّ «٤» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ» إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي
(١) موضع يقال له أيضا قرن المنازل، بينه وبين مكة يوم وليلة. وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير.
(٢) الأخشبان هما جبلا مكة: أبو قبيس والجبل الذي يقابله.
(٣) صحيح مسلم (جهاد حديث ١١١) وصحيح البخاري (بدء الخلق باب ٧).
(٤) صحيح البخاري (تفسير سورة الأنعام باب ٢). [.....]
— 236 —
نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
وفي حديث عمر: أَنَّ جِبْرِيلَ حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَةِ أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما قاله لَهُ: «خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ» ثُمَّ قَرَأَ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أَيْ محيط عِلْمُهُ الْكَرِيمُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، بَرِّيِّهَا وَبَحْرِيِّهَا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَمَا أحسن ما قال الصرصري: [الوافر]
فَلا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ إمَّاتَرَاءَى لِلنَّوَاظِرِ أَوْ تَوَارَى
وَقَوْلُهُ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها أَيْ وَيَعْلَمُ الْحَرَكَاتِ حَتَّى مِنَ الْجَمَادَاتِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْحَيَوَانَاتِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُكَلَّفُونَ مِنْهُمْ مِنْ جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سعيد بن مسروق، حدثنا حَسَّانَ النَّمَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها قَالَ: مَا مِنْ شَجَرَةٍ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا، يَكْتُبُ مَا يُسْقُطُ منها، رواه ابن أبي حاتم.
وَقَوْلُهُ وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ من شجرة ولا مغرز إبرة، إلا وعليها مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، يَأْتِي اللَّهَ بِعِلْمِهَا، رُطُوبَتِهَا إِذَا رطبت، ويبوستها إِذَا يَبِسَتْ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «١» عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَّانِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ سُعَيْرٍ بِهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ، وَخَلَقَ الْأَلْوَاحَ، فَكَتَبَ فِيهَا أَمْرَ الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْقَضِيَ مَا كَانَ مِنْ خَلْقٍ مَخْلُوقٍ، أَوْ رِزْقِ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، أَوْ عَمَلِ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ النَّضْرِ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: إِنَّ تَحْتَ الْأَرْضِ الثَّالِثَةِ وَفَوْقَ الرَّابِعَةِ مِنَ الْجِنِّ، مَا لَوْ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا، يَعْنِي لَكُمْ، لَمْ تَرَوْا مَعَهُمْ نُورًا عَلَى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْأَرْضِ خَاتَمٌ مِنْ خَوَاتِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى كُلِّ خَاتَمِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَلَكًا من عنده أن احتفظ بما عندك.
(١) تفسير الطبري ٥/ ٢١١.
— 237 —

تفسير القرآن العظيم

ابن كثير

عرض الكتاب