سورة الأنعام | الآية ٨٤

عرض السورة
التَّفسير

ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

بيان المعاني
ملا حويش
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
معاني القرآن
الأخفش
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
يا قوم فتميزون بين القادر والعاجز وتعلمون أن الضار والنافع هو خالق السموات والأرض وما فيهما
«وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ» مع علمي أن الأمن والخوف من الله لا من أوثانكم «وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ» من لا يصلح للإلهية وإن الإشراك أعظم ذنب ارتكب على وجه الأرض، وإذا تدبرتم وتفكرتم علمتم أن هذا مما «لَمْ يُنَزِّلْ» الله تعالى «بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً» حجة ولا برهانا لأن الإشراك محض اختلاق وبهت خالص وكذب مفترى، وانكم تجرون الأمور معكوسة فتجعلون الأمن موضع الخوف والخوف موضع الأمن «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ» أنا أم أنتم نبئوني «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١» علما حقيقيا يعرف به الحق من الباطل، ولم يقل فأيّنا احترازا من تزكية النفس ومن المكابرة في الرّد عليه عتوا وعنادا، وهذه الآية على حد قوله تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الآية ٢٤ من سورة سبأ الآتية، على أني أقول لكم إن الأحق بالأمن من العذاب «الَّذِينَ آمَنُوا» إيمانا خالصا «وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» بشرك، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين وقالوا أيّنا لا يظلم نفسه، فقال صلّى الله عليه وسلم ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الآية ١٣ من سورة لقمان الآتية، تدل هذه الآية على أن من مات لا يشرك بالله شيئا كانت عاقبته الأمن من النار أي من الخلود فيها، لأن العصاة لا بد وأن يطهروا من درن عصيانهم فيها، لأن من أسلم ولم يعمل خيرا ما ثم مات فجدير أن يدخل الجنة، لأن الإيمان يجب ما قبله «أُولئِكَ» المؤمنون الموصوفون «لَهُمُ الْأَمْنُ» من مخاوف الدنيا والآخرة «وَهُمْ مُهْتَدُونَ ٨٢» بهداية الله إلى سبيل الرشد والسداد وهذا فضل من الله تعالى وقضاء بين إبراهيم وقومه، إذ بين فيه الذين يستحقون الأمن من الذين يستوجبون الخوف «وَتِلْكَ حُجَّتُنا» الإشارة إلى ما حاج به إبراهيم قومه بما صار له من الغلبة عليهم بحكم الله القائل «آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» بإلهام ووحي منا وهي حجة واضحة دامغة أفحمتهم وأخرستهم لأنهم تكلموا معه عن جهل، وهو
— 367 —
خاطبهم عن علم «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» من عبادنا بالعلم والنبوة والحكم والحكمة «إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ» برفعة من يشاء «عَلِيمٌ ٨٣» بمن يؤهله لهذه الرفعة، فهو جل شأنه لا يفضل أحدا على غيره ولا يعزّ ولا يذل ولا يغني ولا يفقر ولا يصح ولا يمرض ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع إلا لحكمة، وخلاصة القصة على ما ذكره الأخباريون أن نمرود بن كنعان أول من وضع تاج الملك على رأسه إذ لم يعرف قبله، وأول من دعا الناس إلى عبادته، ولم يعرف الناس قبله غير عبادة الله والأوثان، وكان له كهان ومنجمون أخبروه بأنه يولد ولد في بلده يكون هلاكه على يده وزوال ملكه، وكان هو رأى كوكبا طلع وقاد الشمس والقمر، فانتبه فزعا مرعوبا مما رأى، وقصها على السحرة والكهنة والمنجمين، فأولوها بما ذكروا له فأمر بعزل الرجال عن النساء وذبح كل من يولد ونصب حراسا على النساء والحبالى، وكانت أم إبراهيم صغيرة لا يظن فيها الحبل، ولما أتمت مدتها خافت على مولودها من الذبح فأخفت نفسها عن الحرس حتى إذا وضعته جعلته في نهر يابس خارج البلدة وخبأته بين الحلفاء وأخبرت زوجها بذلك، فذهب وحفر له سريا ووضعه فيه وسدّ بابه في حجرة خوفا عليه من السباع، وصارت أمه تتعاهده وتتردد عليه خلسة فترضعه وتنظفه وتتركه بمكانه وتعود لبيتها، وكانت تراه يمص إصبعيه فيخرج منها حليبا وعسلا وماء، وتراه يشب في اليوم ما لا يشبه غيره في الشهر، وهكذا جميع الأنبياء يكون نموهم واحدا وكلامهم مع أقوامهم واحدا وطريقهم مع ربهم واحدا، لأن إلههم واحد يرسلهم على نهج واحد ويلهمهم الحجج المتوانقة، كما أن رد أقوامهم عليهم متشابه، قالوا ولما كبر أخرجته أمه من الرب وجاءت به إلى المدينة وكان من يراه لا يظنه من المواليد الذين ولدوا بعد الأمر بذبح الأولاد لكبر جثته وحسن مخاطبته وفصاحة لسانه، وهذا من أسباب حفظ الله له ومن يحفظه لا خوف عليه من أحد البتة، وقد أمنت أمه وأبوه عليه لأن أحدا لا
يشك أنه ولد بعد الأمر بذبح الأولاد، وقالوا فقال لأمه ذات يوم يا أماه من ربي؟ قالت أنا، قال وأنت من ربك؟ قالت أبوك، قال ومن رب أبي؟ قالت له أسكت وأخبرت زوجها، وقالت لا شك
— 368 —
إن هذا المولود هو الذي أخبر عنه الكهنة بأنه يغير الدين ويسلب الملك من الملك، وهو المقصود في الرؤيا التي رآها الملك وعبرها له المنجمون والسحرة، فجاء إليه أبوه وقال له يا بني إن ربي الذي سألت عنه أمك هو النمروذ، قال ومن رب النمروذ؟
فاطمه وقال له أسكت، وصارا دائما يحذرانه من أن يتكلم بذلك لئلا يصاب بسوء من قبل الملك، وحذرا من أن يفسد دينهم وبسبب هلاك الملك وضياع الملك كما أخبر الكهنة، ثم صنع له أبوه أصناما من حجر وأعطاه إياها ليبيعها في السوق، فأخذها وصار ينادي من يشتري ما لا يضره ولا ينفعه، وصار يسخر ويستهزىء بها، فلما رآه أبواه كذلك أخذا منه الأصنام وحذراه من الطعن بها لئلا تمسه بسوء أي جنون، ووضعاه في بيت فيه صنم عظيم ليستأنس به ويتمرن على عبادته، ورغباه بذلك، ولما رأى إصرارهم عليه بملازمة الصنم ترك أمه وأباه وصار يتفكر في مخلوقات الله ويتدبر في تكوين السموات والأرض والطير والحوت والحيوان والجماد ويهزأ بما عليه أبواه وقومه من توغلهم في عبادة الأصنام والكواكب، ولم يزل يتحمل أبويه ويرفض عبادة الصنم الذي أمراه به ويعتبر بما في الكون من آيات وعظات حتى شرفه الله بالنبوة، فأراد أن يبين لهم أن هذه الكواكب والأصنام المنكبين على عبادتها ليست بشيء ولا تصلح للعبادة، لأن الكواكب من صنع الله الواحد والأصنام من صنع أيديهم وأنها لا تستحق العبادة، وكذلك الشمس والقمر والكوكب ليست بآلهة، فاجتمع بقومه ذات ليلة وخاطبهم بما قصه الله علينا من الآيات المارة، وكانت كلها في ليلة واحدة لأن القمر كان متأخرا عن أول الليل فاحتج عليهم بالزهراء إذ كانت مشرفة على المغيب، وبعد غيابها احتجّ عليهم بالقمر، ولما طلعت الشمس غطت نوره فاحتج عليهم بذلك على طريق التقريع والتوبيخ، فأراهم النقص الداخل على الزهراء بغيابها وعلى القمر بتغطية نوره بالشمس حتى صار كأن لم يكن، ولما قالوا له هذا الإله الأكبر يعنون الشمس قال مصيرها كذلك، وعلموا أنهم إذا أنكروا عليها الأفول وقت القول فإنها تغيب حتما بالمساء، فكتوا وبهتوا من قوة حجته، وقد أثبت خطأهم في اعتقادهم إلهيتها، وبين لهم عدم صلاحيتها للعبادة، وأن الذي يجب أن يعبد هو الذي لا يفنى ولا يغيب، وأن الكواكب والأوثان
— 369 —
عليها علائم النقص بادية والإله لا يكون إلا كاملا من كل وجه، وأنه عليه السلام لم يقل لهم (أهذا ربي) بحرف الاستفهام لأن العرب تكتفي بنغمة الصوت عن حرف الاستفهام، وأن الأنبياء كلهم يحسنون اللغة العربية، ولم ينزل وحي إلا بها، كما أشرنا إليه في المقدمة، وأنهم يسقطون حرف الاستفهام لهذه النكتة، ومثله في القرآن كثير منه (فَهُمُ الْخالِدُونَ) الآية ٣٤ من سورة الأنبياء الآتية، ومنه (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) الآية ١٠ من سورة البلد المارة في ج ١، ومنه (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) الآية ٨٧ من سورة هود المارة، ومنها (تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ) الآية ٣٢ من سورة الشعراء المارة في ج ١، وغيرها كثير، وفي أقوال العرب كثير أيضا فمنه قوله:
ثم قالوا تحبّها قلت بهرا ومنه: فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وستأتي تتمة هذه القصة في الآية ٨٣ فما بعدها من سورة الصافات الآتية إن شاء الله، وإنما فعلنا ذلك أي لم نأت ببعض القصص كاملة حذرا من التكرار لأنا إذا اكملنا كل قصة عند ذكرها يحصل تطويل وملال، وإذا أتينا بها تدريجا كنا قد أوفينا بوعدنا من عدم التكرار إلا لحاجة ماسة وأبقينا القارئ يتشوق لإكمالها وسيأتي في الآية ٢٨٨ من البقرة في ج ٣ ما يتعلق ببقية قصص إبراهيم مع قومه، ومع ربه، ومع النمروذ قبل إلقائه في النار، وبعد تكسير الأصنام، فراجعها.
قال تعالى بعد أن أظهره ونجاه وأهلك عدوه وأمره بالهجرة إلى الأرض المقدسة «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ» وهبنا لإسحق «يَعْقُوبَ» حفيدا لإبراهيم بحياته، وفي هذه الآية بشارة من الله بطول عمر إبراهيم بحيث يبقى حيا حتى يكبر ويزوج ابنه إسحق ويولد له ولدا ليراه «كُلًّا هَدَيْنا» إلى طريقنا المستقيم إذ جعل فيهم النبوة والكتاب «وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ» إبراهيم وولده وحفيده لأنه هو أبو البشر الثاني على القول بأن دعوته شملت كل من على وجه الأرض والغرق عمها كلها وهو القول المعتمد المناسب لظاهر القرآن والأولى من غيره راجع الآية ٢٥ فما بعدها من سورة هود المارة وما ترشدك إليه «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» ذرية نوح
— 370 —
إذ عد يونس ولوطا وهما ليسا من ذرية إبراهيم، أمّا «داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ» فكلهم من ذريته «وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٨٤» كما جزينا إبراهيم وآله «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى» من ذريته أيضا. ومن هنا استدل بجواز النسب للأم، ولما أنكر الحجاج كون أولاد فاطمة رضي الله عنها أولاد محمد صلّى الله عليه وسلم أفحم في هذه الآية، إذ ذكر عيسى في عداد الأنبياء المنسوبين إلى إبراهيم، لأن أمه منهم وألقمه الحجر وأنه سيلقمه في سقر إن لم تشمله الرحمة «وَإِلْياسَ» ابن سنا بن فتحاص بن العيزار بن هارون، وقد أخطأ من قال إنه إدريس جد نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام «كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ٨٥» لرسالتي وهداية الخلق «وَإِسْماعِيلَ» أخّره مع أنه أخو إسحق إذ ذكر إسحاق وأولاده وأحفاده على نسق واحد، ثم إسماعيل لأنه لم يأت منه ولد نبي غير محمد صلّى الله عليه وسلم فيكون أولى بالترتيب، وهؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم «وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً» من ذرية نوح وإبراهيم من ذريته أيضا، وإنما سمي إبراهيم أبا الأنبياء لأن الأنبياء الذين جاءوا بعده كلهم من ذريته أما لوط فكان معاصرا له وهو من ذرية نوح «وَكلًّا» من هؤلاء الصالحين «فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ٨٦» جمع عالم وهو اسم لكل موجود سوى الله.
واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثمانية عشر نبيا لا بحسب الزمان والفضل، لأن العطف جاء بالواو وهو لا يفيد ترتيبا ولا تعقيبا، بل ذكر أولا أصول الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثم أهل الملك والسلطان وهما داود وسليمان، ثم أهل الصبر أيوب وممن جمع بين الصبر والملك وهم يوسف وموسى وهرون، ثم أهل الزهد وهم زكريا وعيسى ويحيى وإلياس، ثم من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط، قال تعالى «وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ» من هنا للتبعيض إذ لم يكن كل آبائهم وأبنائهم أنبياء وصالحين، ولم يولد لكل منهم «وَإِخْوانِهِمْ» الذين على نهجهم القديم «وَاجْتَبَيْناهُمْ» للنبوة والرسالة «وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٨٧» هو الدين الحق الموصل لخير الدنيا والآخرة، وهذه الآية تدل على أن سعي الغير ينفع كما نوهنا به في الآية ٣٩ من
— 371 —
سورة والنجم في ج ١ ومثلها الآية ٢٠ من سورة الطور الآتية «ذلِكَ» الذي دان به هؤلاء الكرام هو «هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» الذين قدر لهم السعادة الأبدية في الأزل «وَلَوْ أَشْرَكُوا» على فرض المحال والتقدير الباطل «لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ٨٨» من الطاعات وبطل ثوابها، قال تعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الآية ٦٥ من الزمر الآتية، مع أن الإشراك مستحيل بحقه مقضى باستحالته أزلا، يعني أن الأنبياء على ما هم عليه من الفضل والقرب لو فرض أنهم حادوا عن طريق الصواب لأبطل عملهم وخسروا الدنيا والآخرة واستحقوا العذاب، فكيف بغيرهم ممن هم بعيدون عن الله بعيدون عن الخير «أُولئِكَ» المحسنون المهديون هم «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها» بالكتاب والحكم والنبوة أو بأحدها «هؤُلاءِ» المتلو عليهم وحينا هذا من قومك يا أكرم الرسل «فَقَدْ وَكَّلْنا بِها» الثلاثة المذكورة «قَوْماً» عظاما شرفاء وهم الأنبياء وأتباعهم الصادقون الذين قدرنا لهم في أزلنا أنهم «لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ٨٩» أبدا يدل على هذا قوله تعالى «أُولئِكَ» الموكلون هم «الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» ومن يهد الله فلا مضل له البتة «فَبِهُداهُمُ» يا سيد الرسل «اقْتَدِهْ» أثبت الهاء هنا استحسانا لإيثار الوقف، وقرأ حمزة وعلي بلا هاء، أمر الله جل أمره في هذه الآية رسوله محمد صلّى الله عليه وسلم أن يقتفي آثار الأنبياء بأصول الدين الثلاثة التوحيد والإيمان بالنبوة والبعث بعد الموت، فهؤلاء فيها الهدى والخير لكلل الأنبياء وأتباعهم، وليس القصد اتباع شرايعهم لأنها مختلفة في الفروع وشريعته صلّى الله عليه وسلم نسختها، وما قيل إن المراد بالموكلين هم الملائكة لا يصح، لأن لفظ قوم لا يطلق عليهم بل هو خاص ببني آدم، وفي هذه الآية دليل على أن الله تعالى ينصر نبيه محمدا ويقوّي دينه ويجعله غالبا على الأديان كلها، وقد جعله والله فتكون هذه الآية من الإخبار بالغيب، أما تأخر نفوذ هذا الدين في هذا العصر فبسبب تأخر أهله عن القيام به وأنهم إذا عادوا إليه وتمسكوا به كما كان فإن الله تعالى لا بد وأن يعيد لهم الشوكة والغلبة على سائر أهل الأديان، كيف وقد قالَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
الآية ٤٧ من سورة الروم الآتية،
— 372 —

بيان المعاني

ملا حويش

عرض الكتاب