سورة الأنعام | الآية ٩٣

عرض السورة
التَّفسير

ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

التفسير المنير
وهبة الزحيلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أجناس البشر والطوائف والأقوام، دون تفرقة ولا تمييز بين جنس وآخر، أو عنصر وآخر، أو زمن أو مكان دون غيره.
٧- الإيمان بالآخرة أصل الدين، ومن آمن بها آمن بالقرآن. والصلاة عماد الدين، ومن أقامها أقام الدين كله، ومن هدمها هدم الدين كله.
افتراء الكذب على الله وعقابه

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٣ الى ٩٤]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
الإعراب:
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الظالمين.
والهاء والميم في أَيْدِيهِمْ: تعود على الْمَلائِكَةُ.
وأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ: جملة فعلية في موضع نصب بفعل مقدر، تقديره: يقولون:
أخرجوا أنفسكم، فحذف يقولون وحذف القول في كلامهم كثير. والْيَوْمَ منصوب بأخرجوا، وقيل: بتجزون.
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى: فرادى: في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في جِئْتُمُونا ولا ينصرف لأن في آخره ألف التأنيث.
— 294 —
والكاف في كَما في موضع نصب لأنها وصف لمصدر محذوف، تقديره: ولقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة.
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ منصوب على الظرف، تقديره: لقد تقطع ما بينكم، على أن تكون «ما» نكرة موصوفة، ويكون بَيْنَكُمْ صفته، فحذف الموصوف، ولا تكون موصولة على مذهب البصريين، لأن الاسم الموصول لا يجوز حذفه، وأجازه الكوفيون.
البلاغة:
فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ: استعارة حيث شبه ما يعتورهم من كرب الموت وغصصه بالذين تتقاذفهم غمرات الموت ولججه.
المفردات اللغوية:
وَمَنْ أَظْلَمُ لا أحد أظلم افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً اختلق الكذب وحكى عنه ما لم يقله، بادعاء النبوة مثلا ولم ينبأ، أو اتخاذ الأنداد والشركاء. وَمَنْ قالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وهم المستهزئون قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا وَلَوْ تَرى يا محمد فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ سكرات الموت، جمع غمرة وهي الشدة. وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ إليهم بالضرب والتعذيب، يقولون لهم تعنيفا: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ إلينا لنقبضها الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ المراد به هنا: يوم القيامة الذي يبعث فيه الناس للحساب والجزاء. وأصل اليوم: الزمن المحدود المعروف (٢٤ ساعة) عَذابَ الْهُونِ الهوان وهو الذل، ومنه قوله تعالى: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ [النحل ١٦/ ٥٩] والهون بالفتح: اللين والرفق، ومنه قوله تعالى: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان ٢٥/ ٦٣]. تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ بادعاء النبوة والإيحاء كذبا تَسْتَكْبِرُونَ تتكبرون عن الإيمان بها. وجواب وَلَوْ تَرى: لرأيت أمرا فظيعا.
فُرادى جمع فرد، أي منفردين عن الأهل والمال والولد كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي حفاة عراة غرلا خَوَّلْناكُمْ أعطيناكم ومنحناكم من الأموال، والخول: الخدم والحشم. وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم: يراد به عدم الانتفاع بالشيء، وتركه في الدنيا بغير اختياركم ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ أي الأصنام، يقال لهم ذلك توبيخا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ أي استحقاق عبادتكم لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بالضم أي وصلكم، أي تشتت جمعكم، وفي قراءة النصب: ظرف، أي وصلكم بينكم. والبين: الصلة، والمسافة بين شيئين أو أشياء، ويضاف إلى المثنى مثل: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات ٤٩/ ١٠] وإلى الجمع مثل: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء ٤/ ١١٤] ولا يضاف إلى المفرد إلا إذا كرر نحو: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف ١٨/ ٧٨].
— 295 —
وَضَلَّ عَنْكُمْ أي غاب عنكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا من شفاعتها.
سبب النزول:
نزول الآية (٩٣) :
وَمَنْ أَظْلَمُ: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً قال: نزلت في مسيلمة. ومن قال: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب للنّبي صلّى الله عليه وسلّم فيملي عليه: عزيز حكيم فيكتب: غفور رحيم ثم يقرأ عليه، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
وأخرج الطبري عن السدي نحوه، وزاد «قال: إن كان محمد يوحى إليه، فقد أوحي إلى، وإن كان الله ينزله، فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد:
سميعا عليما، فقلت أنا: عليما حكيما.
نزول الآية (٩٤) :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى: أخرج ابن جرير وغيره عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع إليّ اللات والعزى، فنزلت هذه الآية: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى إلى قوله: شُرَكاءُ.
المناسبة:
الآيات استمرار في إثبات النبوة، فلما بيّن الله تعالى أن القرآن كتاب نازل من عند الله على محمد، وأنه مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى، وكل من النبيين بشر، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة، على سبيل الكذب والافتراء، فقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً الآية، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النّبي صلّى الله عليه وسلّم لأن نفي النبوة عن مدعيها
— 296 —
إثبات لمن أعطيها حقا لأن محمدا عليه السلام مؤمن بالله واليوم الآخر، والمؤمن بذلك لا يعرّض نفسه للظلم الذي يوجب أشد العذاب، ففي ذلك شهادة ضمنية للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، حيث بيّن عاقبة الكذب على الله.
التفسير والبيان:
لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شريكا أو ولدا، أو ادعى النبوة والرسالة، ولم يرسله الله إلى الناس.
أو قال: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، والفرق بين هذا القول وبين ما قبله: أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه، وأما في هذا القول فقد أثبت الوحي لنفسه، ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام، ففيه جمع بين كذبين: وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود.
أو قال: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل الله على رسوله، كمن قال من المشركين: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال ٨/ ٣١].
هذا وعيد من صدر عنه أحد الأشياء الثلاثة، أما القولان الأولان (افتراء الكذب على الله، وادعاء الوحي) فالمراد بهما: من ادعى النبوة، مثل مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، والأسود العنسي في صنعاء باليمن، وطليحة الأسدي في بني أسد ونحوهم، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة.
والقول الثالث أريد به ما قاله النضر بن الحارث الذي قال: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا وكان يقول في القرآن: إنه من أساطير الأولين، وإنه شعر، لو نشاء لقلنا مثله.
ثم ذكر تعالى نوع وعيد الظالمين أمثال هؤلاء فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ
— 297 —
الظَّالِمُونَ..
أي ولو تبصر أيها الرسول وكل سامع وقارئ حين يكون الظالمون في سكرات الموت وغمراته وكرباته أو شدائده وآلامه، لرأيت أمرا عجبا عظيما فظيعا لا سبيل إلى وصفه، والحال أن الملائكة قد بسطت أيديها إليهم لقبض أرواحهم بالضرب ومنتهى الشدة والعنف، كما قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [محمد ٤٧/ ٢٧].
وتقول لهم الملائكة توبيخا وتأنيبا وتهكما حين قبض أرواحهم: أخرجوا أنفسكم وأرواحكم إلينا من أجسادكم، وهذا دليل العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير إمهال. وسبب ذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والجحيم وغضب الله، فتتفرق روحه في جسده وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ...
أي اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله، فلا تؤمنون بالآيات والرسل، وتفترون على الله غير الحق. والمراد باليوم: وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، ويجوز أن يراد به: الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة. والهون: الهوان الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء، يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه.
قال الزمخشري في قوله: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ: هذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم (الدائن) المسلّط، يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخرج مالي عليك الساعة، ولا أريم (أبرح) مكاني حتى أنزعه من أحداقك «١».
(١) الكشاف: ١/ ٥١٧
— 298 —
ثم يقول الله تعالى لهم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى... أي ولقد أتيتمونا منفردين عن الأنداد والشركاء والأولياء والشفعاء، وعن الخدم والأملاك والأموال، كما خلقناكم أولا من بطون أمهاتكم حفاة عراة غرلا (غير مختونين)، وتركتم ما أعطيناكم من مال وولد وخدم وأثاث وقصور وغيرها من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدنيا وراء ظهوركم، ولم تنتفعوا بها هنا، إذ أنها لم تغن عنكم شيئا.
ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [البقرة ٢/ ١٧٤] لأن المراد: لا يكلمهم تكليم تكريم ورضا. وتتمة الكلام تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، فقال: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ...
أي وما نبصر معكم شفعاءكم من الأصنام الذين زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله.
لقد تقطع بينكم، أي لقد تقطع يوم القيامة ما كان بينكم من صلة الولاء والتعاطف والأسباب والوسائل، والصلات والصدقات، أي وقع التقطع بينكم، وانزاح الضلال، وغاب وذهب عنكم ما كنتم تفترونه من شفاعة الشفعاء، ونداء الأوثان والشركاء، ورجاء الأصنام، ويناديهم الرب جل جلاله على رؤوس الخلائق: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ [القصص ٢٨/ ٦٢] ويقال لهم:
أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ؟ [الشعراء ٢٦/ ٩٢- ٩٣].
والمراد بقوله: أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ أي في استعبادكم، واستحقاق عبادتكم، والعبادة لهم فيكم لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم.
والمقصود من الكلام في الجملة: إن آمالكم خابت في كل ما تزعمون
— 299 —
وتتوهمون، فلا فداء ولا شفاعة، ولا سبيل لدفع عذاب الله عنكم: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار ٨٢/ ١٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن أعظم الفرى أن تجعل لله ندّا وهو خلقك، أو تفتري على الله كذبا فتدعي النبوة والوحي، أو تنفي النبوة عن النبي، كمحمد صلّى الله عليه وسلّم، أو تزعم القدرة على إنزال مثل ما أنزل الله.
قال القرطبي: ومن هذا النمط: من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن، فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار، وخلوّها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامّة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص.
وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ويستدلون على هذا بالخضر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب فإنه يلزم منه هدّ الأحكام، وإثبات أنبياء بعد نبينا صلّى الله عليه وسلّم «١».
ومما نحمد الله عليه أن أسطورة المتنبئين قد انتهت في بطون التاريخ، ولم يكتب لها البقاء إذ ليس لها مقومات الحياة.
ودلت الآية على أن قبض روح الكافر في منتهى الشدة والعنف، وأما قبض
(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٩
— 300 —
روح المؤمن فيكون في يسر وسهولة، كما دلت الأحاديث المتواترة عن أبي هريرة وغيره لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء الله، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه، كما
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي موسى الأشعري: «من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه».
ولا تنفع الأملاك والأموال ونعم الدنيا يوم الآخرة، ثبت
في الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، وما سوى ذلك فذاهب، وتاركة للناس».
فالأموال التي اكتسبها، وأفنى عمره في تحصيلها تبقى وراء ظهره، وما يبقى وراء الظهر لا ينتفع به: وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ.
كذلك لا نفع في الشركاء والأصنام المعبودين من دون الله، فكلها لا أثر لها في القيامة بين يدي الله والحساب: وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي ذهب ما تكذبون به في الدنيا. روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث.
وروى مسلم أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فقالت: يا رسول الله، ووا سوأتاه! إن الرجال والنساء يحشرون جميعا، ينظر بعضهم إلى سوءة بعض؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس ٨٠/ ٣٧] لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض».
— 301 —

التفسير المنير

وهبة الزحيلي

عرض الكتاب