سورة الأنعام | الآية ٩٥

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تلك المذاهب من العذاب الشديد والعذاب الدَّائِمِ حَصَلَتْ فِيهِ جِهَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعَذَابِ. مِنْهَا عَذَابُ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي تَحَمُّلِ الْعَنَاءِ الشَّدِيدِ وَالْبَلَاءِ الْعَظِيمِ فِي تَحْصِيلِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ إِلَّا الْعَذَابُ وَالْعَنَاءُ، وَمِنْهَا عَذَابُ الْخَجَلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَانَ مَحْضَ الْجَهَالَةِ وَصَرِيحَ الضَّلَالَةِ، وَمِنْهَا حُصُولُ الْيَأْسِ الشَّدِيدِ مَعَ الطَّمَعِ الْعَظِيمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يُوجِبُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ وَالْآلَامَ الْعَظِيمَةَ الرُّوحَانِيَّةَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَمَّا بَدَا لَهُ أَنَّهُ فَاتَهُ الْأَمْرُ الَّذِي بِهِ يَقْدِرُ عَلَى اكْتِسَابِ الْخَيْرَاتِ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ الْأَمْرُ الَّذِي يُوجِبُ حُصُولَ الْمَضَرَّاتِ، فَإِذَنْ بَقِيَ لَهُ رَجَاءٌ فِي التَّدَارُكِ مِنْ بعض الوجوه فههنا يَحُفُّ ذَلِكَ الْأَلَمُ وَيَضْعُفُ ذَلِكَ الْحُزْنُ. أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْجَزْمُ وَالْيَقِينُ بِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْتَنِعٌ، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يَعْظُمُ الْحُزْنُ وَيَقْوَى الْبَلَاءُ جِدًّا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَصْلَةَ الْحَاصِلَةَ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ قَدْ تَقَطَّعَتْ وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحْصِيلِهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَعِنْدَ الْوُقُوفِ عَلَى حَقَائِقِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بَيَانَ فَوْقَ هَذَا الْبَيَانِ فِي شَرْحِ أحوال هؤلاء الضالين.

[سورة الأنعام (٦) : آية ٩٥]

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ فِي التَّوْحِيدِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِتَقْرِيرِ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي بَعْضِ تَفَارِيعِ هَذَا الْأَصْلِ، عَادَ هَاهُنَا إِلَى ذِكْرِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَكَمَالِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ جَمِيعِ الْمَبَاحِثِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ، وَكُلِّ الْمَطَالِبِ الْحِكْمِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّه بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى أَيْ خَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: ذَهَبُوا بِفَالِقٍ مَذْهَبَ فَاطِرٍ، وَأَقُولُ: الْفِطْرُ هُوَ الشَّقُّ، / وَكَذَلِكَ الْفَلْقُ، فَالشَّيْءُ قَبْلَ أَنْ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ كَانَ مَعْدُومًا مَحْضًا وَنَفْيًا صِرْفًا، وَالْعَقْلُ يَتَصَوَّرُ مِنَ الْعَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لَا انْفِرَاجَ فِيهَا وَلَا انْفِلَاقَ وَلَا انْشِقَاقَ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُبْدِعُ الْمُوجِدُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَكَأَنَّهُ بِحَسْبِ التَّخَيُّلِ وَالتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ الْعَدَمَ وَفَلَقَهُ. وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْمُحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ الشَّقِّ. فَبِهَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَبْعُدُ حَمْلُ الْفَالِقِ عَلَى الْمُوجِدِ وَالْمُحْدِثِ وَالْمُبْدِعِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْفَلْقَ هُوَ الشَّقُّ، وَالْحَبَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَقْصُودًا بِذَاتِهِ مِثْلَ حَبَّةِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَالنَّوَى هُوَ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ فِي دَاخِلِ الثَّمَرَةِ مِثْلَ نَوَى الْخَوْخِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْحَبَّةُ أَوِ النَّوَاةُ فِي الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ قَدْرٌ مِنَ الْمُدَّةِ أَظْهَرَ اللَّه تَعَالَى فِي تِلْكَ الْحَبَّةِ وَالنَّوَاةِ مِنْ أَعْلَاهَا شَقًّا وَمِنْ أَسْفَلِهَا شَقًّا آخَرَ. أَمَّا الشَّقُّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي أَعْلَى الْحَبَّةِ وَالنَّوَاةِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهُ الشَّجَرَةَ الصَّاعِدَةَ إِلَى الْهَوَاءِ، وَأَمَّا الشَّقُّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي أَسْفَلِ تِلْكَ الْحَبَّةِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهُ الشَّجَرَةَ الْهَابِطَةَ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِعُرُوقِ الشَّجَرَةِ، وَتَصِيرُ تِلْكَ الْحَبَّةُ وَالنَّوَاةُ سَبَبًا لِاتِّصَالِ الشَّجَرَةِ الصَّاعِدَةِ فِي الْهَوَاءِ بِالشَّجَرَةِ الْهَابِطَةِ فِي الْأَرْضِ.
— 71 —
ثُمَّ إِنَّ هَاهُنَا عَجَائِبَ: فَإِحْدَاهَا: أَنَّ طَبِيعَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الْهَوَى فِي عُمْقِ الْأَرْضِ فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنْهَا الشَّجَرَةُ الصَّاعِدَةُ فِي الْهَوَاءِ؟ وَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الصُّعُودَ فِي الْهَوَاءِ، فَكَيْفَ تَوَلَّدَتْ مِنْهَا الشَّجَرَةُ الْهَابِطَةُ فِي الْأَرْضِ؟ فَلَمَّا تُوُلِّدَ مِنْهَا هَاتَانِ الشَّجَرَتَانِ مَعَ أَنَّ الْحِسَّ وَالْعَقْلَ يَشْهَدُ بِكَوْنِ طَبِيعَةِ إِحْدَى الشَّجَرَتَيْنِ مُضَادَّةً لِطَبِيعَةِ الشَّجَرَةِ الْأُخْرَى، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الطَّبْعِ وَالْخَاصِّيَّةِ، بَلْ بِمُقْتَضَى الْإِيجَادِ وَالْإِبْدَاعِ وَالتَّكْوِينِ وَالِاخْتِرَاعِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ بَاطِنَ الْأَرْضِ جِرْمٌ كَثِيفٌ صُلْبٌ لَا تَنْفُذُ الْمِسَلَّةُ الْقَوِيَّةُ فِيهِ وَلَا يَغُوصُ السِّكِّينُ الْحَادُّ الْقَوِيُّ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّا نُشَاهِدُ أَطْرَافَ تِلْكَ الْعُرُوقِ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ بِحَيْثُ لَوْ دَلَّكَهَا الْإِنْسَانُ بِأُصْبُعِهِ بِأَدْنَى قُوَّةٍ لَصَارَتْ كَالْمَاءِ، ثُمَّ إِنَّهَا مَعَ غَايَةِ اللَّطَافَةِ تَقْوَى عَلَى النُّفُوذِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ وَالْغَوْصِ فِي بَوَاطِنِ تِلْكَ الْأَجْرَامِ الْكَثِيفَةِ، فَحُصُولُ هَذِهِ الْقُوَى الشَّدِيدَةِ لِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ تِلْكَ النَّوَاةِ شَجَرَةٌ وَيَحْصُلُ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ طَبَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّ قِشْرَ الْخَشَبَةِ لَهُ طَبِيعَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَفِي دَاخِلِ ذَلِكَ الْقِشْرِ جِرْمُ الْخَشَبَةِ وَفِي وَسَطِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ جِسْمٌ رَخْوٌ ضَعِيفٌ يُشْبِهُ الْعِهْنَ الْمَنْفُوشَ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ سَاقِ الشَّجَرَةِ أَغْصَانُهَا وَيَتَوَلَّدُ عَلَى الْأَغْصَانِ الْأَوْرَاقُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْأَزْهَارُ وَالْأَنْوَارُ ثَانِيًا، ثُمَّ الْفَاكِهَةُ ثَالِثًا، ثُمَّ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفَاكِهَةِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْقِشْرِ: مثل الجوز، فإن قشره الْأَعْلَى هُوَ ذَلِكَ الْأَخْضَرُ، وَتَحْتَ ذَلِكَ الْقِشْرِ الَّذِي/ يُشْبِهُ الْخَشَبَ، وَتَحْتَهُ ذَلِكَ الْقِشْرُ الَّذِي هُوَ كَالْغِشَاءِ الرَّقِيقِ الْمُحِيطِ بِاللُّبِّ، وَتَحْتَهُ ذَلِكَ اللُّبُّ، وَذَلِكَ اللُّبُّ مُشْتَمِلٌ عَلَى جِرْمٍ كَثِيفٍ هُوَ أَيْضًا كَالْقِشْرِ، وَعَلَى جِرْمٍ لَطِيفٍ وَهُوَ الدُّهْنُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ، فَتَوَلُّدُ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي طَبَائِعِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا وَطَعُومِهَا مَعَ تَسَاوِي تَأْثِيرَاتِ الطَّبَائِعِ وَالنُّجُومِ وَالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَالطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إِنَّمَا حَدَثَتْ بِتَدْبِيرِ الْحَكِيمِ الرَّحِيمِ الْمُخْتَارِ الْقَادِرِ لَا بِتَدْبِيرِ الطَّبَائِعِ وَالْعَنَاصِرِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّكَ قَدْ تَجِدُ الطَّبَائِعَ الْأَرْبَعَ حَاصِلَةٌ فِي الْفَاكِهَةِ الْوَاحِدَةِ، فَالْأُتْرُنْجُ قِشْرُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، وَلَحْمُهُ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَحِمَاضُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ، وَبِذْرُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ قِشْرُهُ وَعَجَمُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ، وَمَاؤُهُ وَلَحْمُهُ حَارٌّ رَطْبٌ، فَتَوَلَّدُ هَذِهِ الطَّبَائِعُ الْمُضَادَّةُ وَالْخَوَاصُّ الْمُتَنَافِرَةُ عَنِ الْحَبَّةِ الْوَاحِدَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِإِيجَادِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّكَ تَجِدُ أَحْوَالَ الْفَوَاكِهِ مُخْتَلِفَةً فَبَعْضُهَا يَكُونُ اللُّبُّ فِي الدَّاخِلِ وَالْقِشْرُ فِي الْخَارِجِ كَمَا فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَبَعْضُهَا يَكُونُ الْفَاكِهَةُ الْمَطْلُوبَةُ فِي الْخَارِجِ، وَتَكُونُ الْخَشَبَةُ فِي الدَّاخِلِ كَالْخَوْخِ وَالْمِشْمِشِ، وَبَعْضُهَا يَكُونُ النَّوَاةُ لَهَا لُبٌّ كَمَا فِي نَوَى الْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ، وَبَعْضُهَا لَا لُبَّ لَهُ، كَمَا فِي نَوَى التَّمْرِ وَبَعْضُ الْفَوَاكِهِ لَا يَكُونُ لَهُ مِنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ قِشْرٌ، بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ مَطْلُوبًا كَالتِّينِ، فَهَذِهِ أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي هَذِهِ الْفَوَاكِهِ وَأَيْضًا هَذِهِ الْحُبُوبُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَشْكَالِ وَالصُّوَرِ فَشَكْلُ الْحِنْطَةِ كَأَنَّهُ نِصْفُ دَائِرَةٍ، وَشَكْلُ الشَّعِيرِ كَأَنَّهُ مَخْرُوطَانِ اتَّصَلَا بِقَاعِدَتَيْهِمَا، وَشَكْلُ الْعَدَسِ كَأَنَّهُ دَائِرَةٌ، وَشَكْلُ الْحِمَّصِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَهَذِهِ الْأَشْكَالُ الْمُخْتَلِفَةُ، لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ لِأَسْرَارٍ وَحِكَمٍ عَلِمَ الْخَالِقُ أَنَّ تَرْكِيبَهَا لَا يَكْمُلُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الشَّكْلِ، وَأَيْضًا فَقَدْ أَوْدَعَ الْخَالِقُ تَعَالَى فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ خَاصِّيَّةً أُخْرَى وَمَنْفَعَةً أُخْرَى وَأَيْضًا فَقَدْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ الْوَاحِدَةُ غِذَاءً لِحَيَوَانٍ وَسُمًّا لِحَيَوَانٍ آخَرَ، فَاخْتِلَافُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَحْوَالِ مَعَ اتِّحَادِ الطَّبَائِعِ وَتَأْثِيرَاتِ الْكَوَاكِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّهَا إِنَّمَا حَصَلَتْ بِتَخْلِيقِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الْحَكِيمِ.
وَسَادِسُهَا: أَنَّكَ إِذَا أَخَذْتَ وَرَقَةً وَاحِدَةً مِنْ أَوْرَاقِ الشَّجَرَةِ وَجَدْتَ خَطًّا وَاحِدًا مُسْتَقِيمًا فِي وَسَطِهَا، كَأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الْوَرَقَةِ كَالنُّخَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَكَمَا أَنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنَ النُّخَاعِ أَعْصَابٌ كَثِيرَةٌ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي بدن
— 72 —
الْإِنْسَانِ. ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْفَصِلُ عَنْ كُلِّ شُعْبَةٍ شُعَبٌ أُخَرُ، وَلَا تَزَالُ تَسْتَدِقُّ حَتَّى تَخْرُجَ عَنِ الْحِسِّ وَالْأَبْصَارِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ، فَكَذَلِكَ فِي تِلْكَ الْوَرَقَةِ قَدْ يَنْفَصِلُ عَنْ ذَلِكَ الْخَطِّ الْكَبِيرِ الْوَسَطَانِيِّ خُطُوطٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا خُطُوطٌ مُخْتَلِفَةٌ أُخْرَى أَدَقُّ مِنَ الْأُولَى، وَلَا يَزَالُ يَبْقَى عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ حَتَّى تَخْرُجَ تِلْكَ الْخُطُوطُ عَنِ الْحِسِّ وَالْبَصَرِ وَالْخَالِقُ تَعَالَى إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ الْقُوَى الْجَاذِبَةَ الْمَرْكُوزَةَ فِي جِرْمِ تِلْكَ الْوَرَقَةِ تَقْوَى عَلَى جَذْبِ الْأَجْزَاءِ اللَّطِيفَةِ الْأَرْضِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَجَارِي الضَّيِّقَةِ، فَلَمَّا وَقَفْتُ عَلَى عِنَايَةِ الْخَالِقِ فِي إِيجَادِ تِلْكَ/ الْوَرَقَةِ الْوَاحِدَةِ عَلِمْتَ أَنَّ عِنَايَتَهُ فِي تَخْلِيقِ جُمْلَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أَكْمَلُ، وَعَرَفْتَ أَنَّ عِنَايَتَهُ فِي تَكْوِينِ جُمْلَةِ النَّبَاتِ أَكْمَلُ.
ثُمَّ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ جُمْلَةَ النَّبَاتِ لِمَصْلَحَةِ الْحَيَوَانِ عَلِمْتَ أَنَّ عِنَايَتَهُ بِتَخْلِيقِ الْحَيَوَانِ أَكْمَلُ، وَلَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَخْلِيقِ جُمْلَةِ الْحَيَوَانَاتِ هُوَ الْإِنْسَانُ عَلِمْتَ أَنَّ عِنَايَتَهُ فِي تَخْلِيقِ الْإِنْسَانِ أَكْمَلُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ النَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ فِي هَذَا الْعَالَمِ لِيَكُونَ غِذَاءً وَدَوَاءً لِلْإِنْسَانِ بِحَسَبِ جَسَدِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ تَخْلِيقِ الْإِنْسَانِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْخِدْمَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
[الذَّارِيَاتِ: ٥٦] فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ بِعَيْنِ رَأْسِكَ فِي تِلْكَ الْوَرَقَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَاعْرِفْ كَيْفِيَّةَ خِلْقَةِ تِلْكَ الْعُرُوقَ وَالْأَوْتَارَ فِيهَا، ثُمَّ انْتَقِلْ مِنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا حَتَّى تَعْرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَخِيرَ مِنْهَا حُصُولُ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ فِي الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ عَلَيْكَ بَابٌ مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ لَا آخِرَ لَهَا، وَيَظْهَرُ لَكَ أَنَّ أَنْوَاعَ نِعَمِ اللَّه فِي حَقِّكَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، كَمَا قَالَ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] وَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا ظَهَرَ مِنْ كَيْفِيَّةِ خِلْقَةِ تِلْكَ الْوَرَقَةِ مِنَ الْحَبَّةِ وَالنَّوَاةِ، فَهَذَا كَلَامٌ مُخْتَصَرٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى وَمَتَّى وَقَفَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ أَمْكَنَهُ تَفْرِيقُهَا وَتَشْعِيبُهَا إِلَى مَا لَا آخِرَ لَهُ، وَنَسْأَلُ اللَّه التَّوْفِيقَ وَالْهِدَايَةَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ فَفِيهِ مَبَاحِثُ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَيَّ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ موصوفا بالحياة، والْمَيِّتِ اسْمٌ لِمَا كَانَ خَالِيًا عَنْ صِفَةِ الْحَيَاةِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: النَّبَاتُ لَا يَكُونُ حَيًّا.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَلِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِ هذا الْحَيَّ والْمَيِّتِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: حَمْلُ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُخْرِجُ مِنَ النُّطْفَةِ بَشَرًا حَيًّا، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ الْبَشَرِ الْحَيِّ نُطْفَةً مَيِّتَةً، وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ مِنَ الْبَيْضَةِ فَرَوْجَةً حَيَّةً، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ الدَّجَاجَةِ بَيْضَةً مَيِّتَةً، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ مُتَضَادَّانِ مُتَنَافِيَانِ، فَحُصُولُ الْمَثَلِ عَنِ الْمَثَلِ يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ الطَّبِيعَةِ وَالْخَاصِّيَّةِ. أَمَّا حُصُولُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ الطَّبِيعَةِ وَالْخَاصِّيَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ الْمُقَدِّرِ الْحَكِيمِ، وَالْمُدَبِّرِ الْعَلِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ الْحَيَّ والْمَيِّتِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَلَى الْوُجُوهِ الْمَجَازِيَّةِ أَيْضًا، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: قَالَ الزَّجَّاجُ: يُخْرِجُ النَّبَاتَ الْغَضَّ الطَّرِيَّ الْخَضِرَ مِنَ الْحَبِّ الْيَابِسِ وَيُخْرِجُ الْيَابِسَ مِنَ النَّبَاتِ الْحَيِّ النَّامِي. الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، كَمَا فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ/ كَمَا فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ، وَالْعَاصِيَ مِنَ الْمُطِيعِ، وَبِالْعَكْسِ. الثَّالِثُ: قَدْ يَصِيرُ بَعْضُ مَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَضَرَّةَ سَبَبًا لِلنَّفْعِ الْعَظِيمِ، وَبِالْعَكْسِ. ذَكَرُوا فِي الطِّبِّ أَنَّ إِنْسَانًا سَقَوْهُ الْأَفْيُونَ الْكَثِيرَ فِي الشَّرَابِ لِأَجْلِ أَنْ
— 73 —
يَمُوتَ، فَلَمَّا تَنَاوَلَهُ وَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فِي الْحَالِ رَفَعُوهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَوَضَعُوهُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَلَدَغَتْهُ فَصَارَتْ تِلْكَ اللَّدْغَةُ سَبَبًا لِانْدِفَاعِ ضَرَرِ ذَلِكَ الْأَفْيُونِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْأَفْيُونَ يُقْتَلُ بِقُوَّةِ بَرْدِهِ، وَسُمَّ الْأَفْعَى يَقْتُلُ بِقُوَّةِ حَرِّهِ فَصَارَتْ تِلْكَ اللَّدْغَةُ سببا لاندفاع ضرر الأفيون، فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْعَالَمِ مُدَبِّرًا حَكِيمًا مَا أَهْمَلَ مَصَالِحَ الْخَلْقِ وَمَا تَرَكَهُمْ سُدًى، وَتَحْتَ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ مَبَاحِثُ عَالِيَةٌ شَرِيفَةٌ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: مِنْ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْآيَةِ قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ الْمَيِّتِ مُشَدَّدَةً فِي الْكَلِمَتَيْنِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ فِي الْكَلِمَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ هَذَا الْجِنْسِ فِي الْقُرْآنِ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ثُمَّ قَالَ: وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ وَعَطْفُ الِاسْمِ عَلَى الْفِعْلِ قَبِيحٌ، فَمَا السَّبَبُ فِي اخْتِيَارِ ذَلِكَ؟
قُلْنَا: قَوْلُهُ: وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى وَقَوْلُهُ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كَالْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى لِأَنَّ فَلْقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى بِالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ النَّامِي مِنْ جِنْسِ إِخْرَاجِ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ، لِأَنَّ النَّامِيَ فِي حُكْمِ الْحَيَوَانِ. أَلَا تَرَى إلى قوله وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفَاعِلَ يَعْتَنِي بِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ.
وَأَمَّا لَفْظُ الِاسْمِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالِاعْتِنَاءَ بِهِ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَضَرَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ لِهَذَا مَثَلًا فِي كِتَابِ «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» فَقَالَ: قَوْلُهُ: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ إِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: يَرْزُقُكُمْ لِأَنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ تُفِيدُ أَنَّهُ تَعَالَى يَرْزُقُهُمْ حَالًا فَحَالًا وَسَاعَةً فَسَاعَةً. وَأَمَّا الِاسْمُ فَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الْكَهْفِ: ١٨] فَقَوْلُهُ: باسِطٌ يُفِيدُ الْبَقَاءَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْحَيُّ أَشْرَفُ مِنَ الْمَيِّتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِنَاءُ بِإِخْرَاجِ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ أَكْثَرَ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِإِخْرَاجِ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ، وَعَنِ الثَّانِي بِصِيغَةِ الِاسْمِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِإِيجَادِ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِإِيجَادِ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. واللَّه أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: ذَلِكُمُ اللَّه الْمُدَبِّرُ الْخَالِقُ النَّافِعُ الضَّارُّ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فِي إِثْبَاتِ الْقَوْلِ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّكُمْ لَمَّا شَاهَدْتُمْ أَنَّهُ تَعَالَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، ثُمَّ شَاهَدْتُمْ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْبَدَنَ الْحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ الْمَيِّتَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَيْفَ تَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يُخْرِجَ الْبَدَنُ الْحَيَّ مِنْ مَيِّتِ التُّرَابِ الرَّمِيمِ مَرَّةً أُخْرَى؟ وَالْمَقْصُودُ الْإِنْكَارُ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَأَيْضًا الضِّدَّانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي النِّسْبَةِ فَكَمَا لَا يَمْتَنِعُ الِانْقِلَابُ مِنْ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ إِلَى الْآخَرِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ الِانْقِلَابُ مِنَ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ، فَكَمَا لَا يَمْتَنِعُ حُصُولُ الْمَوْتِ بَعْدَ الْحَيَاةِ. وَجَبَ أَيْضًا أَنْ لَا يَمْتَنِعَ حُصُولُ الْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ جَوَازُ الْقَوْلِ بِالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ.
— 74 —

مفاتيح الغيب

فخر الدين الرازي

عرض الكتاب