السؤال

هل يجوز تسمية مسجد بالأنوار الإلهية ؟ علما بأن الله قال : ( ليخرجهم من الظلمات إلى النور ) فجعل الظلام جمع ، والنور مفرد ، فهل يجوز جمع النور الإلهي إلى الأنوار الالهية ؟


الإجابة


الحمد لله
قال تعالى : (اللهُ وَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) البقرة/ 257 .
وقال تعالى : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) إبراهيم/ 1 .
وقال عز وجل : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) الأحزاب/ 43 .
فجمع الظلمات وأفرد النور في هذه الآيات وغيرها ؛ لأن طريق الحق واحد لا تعدد فيه ، بخلاف الباطل الذي تتعدد طرائقه ، وتكثر أسبابه .
قال ابن القيم رحمه الله :
" الطريق إلى الله فى الحقيقة واحد لا تعدد فيه ، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إليه ، قال الله تعالى: ( وأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل) الأنعام/ 153 ، فَوَحَّد سبيله لأنه فى نفسه واحد لا تعدد فيه ، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة ، كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا ثم قال: (هذا سبيل الله) ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره ثم قال: (هذا سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) ثم قرأ: (وَأَنَّ هذا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سبِيلِهِ) الأنعام/153.
ومن هذا قوله تعالى: (اللهُ وَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) ، فوحّد النور الذى هو سبيله، وجمع الظلمات التي هي سبيل الشيطان " .
انتهى من "طريق الهجرتين" (ص 177) .
وقال الزركشي رحمه الله :
" طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا الْبَاطِلُ فَطُرُقُهُ مُتَشَعِّبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَلَمَّا كَانَتِ الظُّلَمُ بِمَنْزِلَةِ طَرِيقِ الْبَاطِلِ ، وَالنُّورُ بِمَنْزِلَةِ طريق الجنة ، بَلْ هُمَا ، هُمَا: أَفْرَدَ النُّورَ وَجَمَعَ الظُّلُمَاتِ ، وَلِهَذَا وَحَّدَ الْوَلِيَّ فَقَالَ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمنوا) لِأَنَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ ، وَجَمَعَ أَوْلِيَاءَ الْكُفَّارِ لِتَعَدُّدِهِمْ ، وَجَمَعَ الظُّلُمَاتِ وَهِيَ طُرُقُ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ ، لِكَثْرَتِهَا وَاخْتِلَافِهَا ، وَوَحَّدَ النُّورَ وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ " انتهى من "البرهان في علوم القرآن" (4/12) .
ولكن هذا لا يمنع من التعبير بالجمع فيقال : "الأنوار" وذلك لتعدد الطاعات وتنوعها ، وتنوع سبل الخيرات .
ولمقابلة تلك الأنوار للظلمات ، فيُذهب كلُّ نورٍ الظلمةَ التي تقابله .
وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا)
رواه البخاري (6316) ، ومسلم (763) .
قال القاري رحمه الله :
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: " ... التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهُ: أَنَّ النُّورَ يُظْهِرُ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ، فَنُورُ السَّمْعِ مُظْهِرٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ، وَنُورُ الْبَصَرِ كَاشِفٌ لِلْمُبْصَرَاتِ، وَنُورُ الْقَلْبِ كَاشِفٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ، وَنُورُ الْجَوَارِحِ مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى طَلَبِ النُّورِ لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا: أَنْ يَتَحَلَّى كُلُّ عُضْوٍ بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَةِ، وَيَتَعَرَّى عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَإِنَّ ظُلُمَاتِ الْجُمْلَةِ مُحِيطَةٌ بِالْإِنْسَانِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَالشَّيْطَانُ يَأْتِيهِ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ بِالْوَسَاوِسِ وَالشُّبُهَاتِ، أَيِ: الْمُشَبَّهَاتُ بِالظُّلُمَاتِ فَرَفْعُ كُلِّ ظُلْمَةٍ بِنُورٍ، قَالَ: وَلَا مُخَلِّصَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْوَارٍ تَسْتَأْصِلُ شَأْفَةَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ " انتهى من "مرقاة المفاتيح" (3/ 905) .
فقول بعضهم : " الأنوار الإلهية " لا محظور فيه من حيث الأصل ؛ فإن أنوار أنواع الهداية الربانية متعددة بتعددها .
إلا أنه اصطلاح لا يعرف عن السلف والأئمة إطلاقه على المساجد أو غيرها ، فلا نرى تسمية المسجد به .
وينظر جواب السؤال رقم : (145607) .
والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري