الفتاوى

إذا حكى الله تعالى في كتابه قولا عن أحد من خلقه ولم يردّه ، هل يجوز أن يُنسب هذا القول إلى الله ؟
عندما يروي الله تعالی كلام أحد في القرآن ، هل ننسب القول لله أم للقائل ؟ فكثيراً ما نجد من يقول إن الله قال : " إن كيدكن عظيم" ، مع أن هذا قول العزيز ، ويقول : إن الله استنكر صوت الحمير ، بالرغم أن الذي استنكره لقمان . فهل يجوز القول بأن الله قال هذا الكلام ؟ أم ننسبه لصاحبه ؟

الإجابة


الحمد لله
أولا :
إذا حكى الله تعالى في كتابه قولا عن أحد من خلقه ، فإن رده دل ذلك على بطلانه ، وإن لم يرده دل ذلك على صحته وقبوله .
قال الشاطبي رحمه الله :
" كل حكاية وقعت في القرآن ؛ فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - رد لها ، أو لا ، فإن وقع رد ؛ فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه .
وإن لم يقع معها رد ؛ فذلك دليل صحة المحكي وصدقه .
أما الأول فظاهر ، ولا يحتاج إلى برهان ، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : ( إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) الأنعام/ 91 ، فأعقب بقوله : ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) الآية الأنعام/ 91 .
وأما الثاني ؛ فظاهر أيضا ، ولكن الدليل على صحته : من نفس الحكاية وإقرارها ، فإن القرآن سمي فرقانا ، وهدى ، وبرهانا ، وبيانا ، وتبيانا لكل شيء ، وهو حجة الله على الخلق ، على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم ، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ، ثم لا ينبه عليه .
ومن أمثلة هذا القسم : جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا ؛ كحكايته عن الأنبياء والأولياء ، ومنه قصة ذي القرنين ، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام ، وقصة أصحاب الكهف ، وأشباه ذلك" . انتهى باختصار من " الموافقات " (4/158-161).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" هنا قاعدة وهي : إذا جاء في النصوص ذكر أشياء ، فأنكر بعضها ، وسكت عن بعض ؛ دل على أن ما لم ينكر فهو حق ، مثال ذلك قوله تعالى : ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) الأعراف/ 28 ، فأنكر قولهم : ( وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ) ، وسكت عن قولهم: ( وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا ) ؛ فدل على أنها حق ، ومثلها عدد أصحاب الكهف ، حيث قال عن قول : ( ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) قال : (رَجْمًا بِالْغَيْبِ)، وسكت عن قول : ( سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) الكهف/22 " .
انتهى باختصار من " مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (10/ 1099) .

ثانيا :
الكلام المحكي في القرآن الكريم على ألسنة المتكلمين إنما هو بالمعنى وليس باللفظ ، فإن القرآن كلام الله ، وليس كلام أحد من المخلوقين ، ولما كان كذلك كانت الأقوال المحكية على ألسنة المتكلمين بها ، هي من كلام الله ، يقص به أخبار الأولين ، وينقل كلامهم ، ولكنها تنسب إليهم باعتبار مضمون الكلام ومعناه .
وقد سبق بيان ذلك في الفتوى رقم : (1232) .

وبناء على هذا ، فكل ما في القرآن من الأقوال المحكية عن أحد من الخلق هو كلام الله تعالى.
ولكن من حيث صحة الاستدلال به ، فينظر فيها : إن لم يردها الله على قائلها ، ويبطلها عليه: فإنه يستدل بها على ما فيها من معانٍ ، ويقال فيها : قال الله تعالى .
وأما إن ردها الله تعالى ، وأبطلها على قائلها : فإنه يقال فيها أيضا : قال الله تعالى ، باعتبار أنه حكاها عن قائلها .
ولكن لا يستدل بها على ما فيها من معان ٍ، بل يبين أن الله تعالى أبطل هذا الكلام ، وبين أنه غير صحيح .
وبناء على هذا : فقول الله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لقمان/ 19 هذا الكلام كلام الله ، ويستدل به على ما فيه من معنى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) " .
انتهى من "مجموع الفتاوى" (11/ 599) .
وقال أيضا :
" أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ بِالسَّكِينَةِ وَالْقَصْدِ فِي الْحَرَكَةِ وَالْمَشْيِ مُطْلَقًا فَقَالَ: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) " انتهى من "مجموع الفتاوى" (22/ 565) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
" هَذِهِ وَصَايَا نَافِعَةٌ ، قَدْ حَكَاهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ ؛ لِيَمْتَثِلَهَا النَّاسُ وَيَقْتَدُوا بِهَا ".
انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/ 337) .
وكذلك قوله تعالى : ( فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) يوسف/ 28 ، هو من كلام العزيز ، أو من كلام الشاهد ، ولكن الله تعالى ذكره ولم يرده ، فهو إقرار له .
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في رده على بعض الكتاب :
" ... وكذلك ، مِن غَلطه في حق القرآن : ما قاله حول قوله سبحانه في حق المرأة ، في سورة يوسف : (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) ؛ قال: ليس هو حكم الله تعالى على المرأة ، يعني فلا توصف المرأة بأن كيدها عظيم ، يقول: لأن هذا الكلام صدر عن الملك .
ونقول له: أليس الله سبحانه قد ساقه مقررا له ، لا منكرا له ، بل مؤيدا له أيضاً ، بما حكاه الله عن يوسف عليه السلام أيضا من قوله: ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ )؟! " انتهى .
http://www.alfawzan.af.org.sa/node/2297
على أنه ينبغي مراعاة أن هذه الآية جاءت في سياق أحداث معينة ، فلا يجوز إخراجها عن هذه الأحداث والسياق لتكون عامة شاملة لكل ما تكيد به النساء .
وقد سبق بيان هذا في الفتوى رقم : () .

والله أعلم .

Icon