السؤال

ما حكمُ من يضحك بغير أن يريد ذلك ؟ إنه يضحك بدون إدراك أو تفكير كلما تحدث شخص أو سخر بأمر إسلامي ، فهل هذا كفر ؟ كنت أتناقش مع أختي فقالت إنه يجب علينا قراءة القرآن وفهمه بأنفسنا دون الحاجة إلى الاستعانة بفهم شيخ من الشيوخ ، فخالفتها وقلت لها بعض الكلمات السيئة مثل " ماذا تقولين أيتها القردة " ، وفيما بعد بدأت بعض الأفكار ترد إلى ذهني من مثل : هل قلت شيئاً سيئاً عن القرآن..الخ . فما نصيحتكم ؟


الإجابة


الحمد لله

أولا :
الواجب على المسلم أن يكون الاستهزاء بالدين من دواعي غمه وغضبه ، وأن لا تفتر شفتاه لشيء من الاستهزاء به أبدا .
والواجب على السائل إنكار هذا المنكر ، والمبادرة بالانصراف عن هذا المجلس وأمثاله ، لأن الله يقول ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) النساء / 140

ولا شك أن من يجلس في هذه المجالس ، من غير أن ينكر المنكر فيها ، أو يغيره ، بقدر استطاعته : على خطر عظيم .
وأقل ما يقتضيه إنكار هذه المنكرات : أن يغضب لله فيها ، ويكره عملها ، ويتبرأ منها ، ويبرأ إلى الله منها .
فإذا قدر أنه جلس في مثل هذه المجالس : غافلا عما يدور فيها من المنكر ، أو غافلا عن حكم الله فيها ؛ فمثل هذا يرجى له أن يكون في مقام العفو من الله ، وعدم المؤاخذة عليها ؛ لكن الواجب عليه أن يبادر إلى هجر أماكن المنكر ، وأهله ، متى أفاق وتبين له ذلك ، خاصة المنكرات الكبيرة التي يكون فيها استهزاء بالدين ، أو ردة عنه ، وعدم تعظيم لحدوده وشعائره ؛ وقد قال الله تعالى : (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأنعام/68 .
قال ابن جرير رحمه الله :
" وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك ، فقم عنهم ، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوضُ فيه بما خاضوا به فيه. وذلك هو معنى" ظلمهم " في هذا الموضع ". انتهى من "تفسير الطبري" (11/436) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
ثُمَّ قَالَ: ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ) أَيْ : بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) أَيْ : حَتَّى يَأْخُذُوا فِي كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ التَّكْذِيب ِ، ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلُّ فَرْدٍ ، فَرْدٌ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ ، أَلَّا يَجْلِسَ مَعَ الْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ آيَاتِ اللَّهِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، فَإِنْ جَلَسَ أَحَدٌ مَعَهُمْ نَاسِيًا ( فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى ) بَعْدَ التَّذَكُّرِ ( مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ...
وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر فِي قَوْلِه : ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) قَالَ : إِنْ نَسِيتَ فَذَكَرْتَ ، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ . وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ " انتهى من " تفسير ابن كثير" (3/278) .
وقال السعدي رحمه الله :
" ( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) أي : بأن جلست معهم ، على وجه النسيان والغفلة . ( فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يشمل الخائضين بالباطل ، وكل متكلم بمحرم ، أو فاعل لمحرم ، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر ، الذي لا يقدر على إزالته .
هذا النهي والتحريم ، لمن جلس معهم ، ولم يستعمل تقوى الله ، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم ، أو يسكت عنهم ، وعن الإنكار ، فإن استعمل تقوى الله تعالى ، بأن كان يأمرهم بالخير ، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم ، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه ، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم ". انتهى من " تفسير السعدي" (260) .
فإن كان جلوسك في مكان هذه المنكرات ، أو تبسمك : عن غفلة ونسيان : أن هذا منكر ، لا يجوز استماعه ، ولا شهود مجلسه ، أو عن غفلة ونسيان لنهي الله عن الجلوس في هذه الأماكن ، وعن حكم الله في ذلك ، فالواجب عليك أن تهجر مكان المنكر عند تذكرك ، وألا تتمادى فيه ، وأن تظهر غضبك منه ، وكرهك لهذه المنكرات ، حتى لا يظن ظان أن تبسمك ، وجلوسك : هو من الرضا بها ، وعدم إنكارها .
وينظر جواب السؤال رقم : (191318) .
ثانيا :
خطؤك على أختك ، الذي ذكرته في سؤالك : لا يعد خطأ على القرآن كما هو واضح ، ويجب عليك الاستسماح منها ، وأن تبين لها الصواب باللين وبالتي هي أحسن ، وأن كلام أهل العلم يساعد في فهم القرآن ويوضح ما غمض علينا منه ، ويوضح وجه هذا الكلام في لغة العرب ، التي يغيب العلم بها عن كثير من الناس ، خاصة غير العرب العارفين بلسانها .
ثم إن يبين ما إذا كان للدليل مخصِّص أو مقيِّد أو ناسخ أو غير ذلك .
وقد روي عن أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنه ، أنه دخل يوماً مسجد الجامع بالكوفة فرأى فيه رجلاً يعرف بعبد الرحمن بن دأب ، وكان صاحباً لأبي موسى الأشعري وقد تحلق عليه الناس ، يسألونه ويخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر . فقال له علي رضي الله عنه : أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ ؟ قَالَ : لا . قال : هلكت وأهلكت ، أبو من أنت ؟ فقال : أبو يحيى ، فقال له علي رضي الله عنه أنت أبو إعرفوني ، وأخذ أذنه ففتلها ، فقال : لا تقصن في مسجدنا بعد ". انتهى من " الناسخ والمنسوخ " (ص18) .

وإن مما يؤسف له في هذا الزمان ، الجرأة على تفسير القرآن بما يخالف ما قاله أكابر العلماء من الصحابة والتابعين ؛ لأجل موافقة الواقع المهزوم الذي يعيشه المسلمون ، أو يتكلف له موافقة بعض المخترعات العصرية ، أو ليوافق هوى في الشخص ، أو حزبه ، أو مذهبه ..

قال ابن تيمية رحمه الله : " إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ، رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة ، فإنهم أدرى بذلك ؛ لما شاهدوه من القرآن ، والأحوال التي اختُصُّوا بها ، ولما لهم من الفهم التام ، والعلم الصحيح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم ". انتهى من " مجموع الفتاوى " (13/364)
وقال أيضا في " مجموع الفتاوى " (15/94) : " من تدبر القرآن وتدبر ما قبل الآية وما بعدها وعرف مقصود القرآن : تبين له المراد ، وعرف الهدى والرسالة..
وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه : فهذا منشأ الغلط من الغالطين ؛ لا سيما كثير ممن يتكلم فيه بالاحتمالات اللغوية.. وأعظم غلطا من هؤلاء.. من لا يكون قصده معرفة مراد الله ؛ بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها " انتهى.

وقال أيضا رحمه الله وغفر الله في " مجموع فتاوى " (13/243) " من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين : فهو مفتر على الله ، ملحد في آيات الله ، محرف للكلم عن مواضعه ، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام " انتهى .

والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري