السؤال

توجد آية تقول إن المشركين وما يعبدون سيكونون في النار ، فما بال الذين يعبدون المسيح وعليا ؟

الإجابة


الحمد لله
قال تعالى : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) سورة الأنبياء/98-102 .

فهذه الآية لا يؤخذ منها أن كل المعبودين من دون الله ، يشملهم ذلك الوعيد الوارد في الآيات السابقات ، وذلك لأمور :
1. أن الآية محمولة على الأصنام والأوثان ؛ ويدل على ذلك أنه جاء التعبير في الآية بـ " ما " الدالة على غير العاقل .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : " والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة ( مَا ) التي هي في الموضع العربي لغير العقلاء ؛ لأنه قال : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ) ، ولم يقل : " ومن " تعبدون ، وذلك صريح في أن المراد الأصنام ، وأنه لا يتناول عيسى ولا عزيرا ولا الملائكة ، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) .
وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة ، لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي ، الذي نزل به القرآن ، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلا ، إلا لأجل الجدل ، والخصومة بالباطل " انتهى من " أضواء البيان " (7/124) .

2. في الآيات ما يدل على أن هناك استثناء ، فعيسى ابن مريم والملائكة ، وكل من عبد وهو غير راض ، فإنه لا يشمله ذلك الوعيد ، وذلك في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) .

قال ابن كثير رحمه الله : " وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتِ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْمَعْبُودِينَ ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ عُزَيْرٌ وَالْمَسِيحُ ، كَمَا قَالَ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) ، ثُمَّ اسْتَثْنَى ، فَقَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) فَيُقَالُ : هُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَعِيسَى ... " انتهى من " تفسير ابن كثير " (5/ 379) .
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ما يؤيد القول بالاستثناء :
فعن ابن عباسٍ : لمَّا نزلت إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] قالَ عبدُ الله بنُ الزبعرى : أنا أخاصمُ لكُم محمدًا فقالَ : يا محمدُ ! أليسَ فيما أُنزل عليكَ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله الآية [الانبياء: 98]؟
قالَ : ( نعم ) . قال : فهذهِ النصارىَ تعبدُ عيسىَ ، وهذه اليهودُ تعبدُ عزيرًا ، وهذه بنو تميمٍ تعبدُ الملائكةَ ، فهؤلاءِ في النارِ ، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الانبياء:101] .
رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (985) ، وغيره ، وقال ابن كثير رحمه الله : " قول ابن الزبعرى هذا ، مشهور في كتب التفسير والسير والمغازي". انتهى من " تحفة الطالب" (288) .
وذكره الألباني في "صحيح السيرة" (197) ، والوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (135) ، وينظر أيضا : " الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور" ، د. حكمت بشير ياسين (3/397) .
وينظر للفائدة : "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (2/369) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله : " ودخول آلهة المشركين النار : إنما هو الأصنام ، أو من عبد ، وهو راض بعبادته .
وأما المسيح ، وعزير، والملائكة ونحوهم ، ممن عبد من الأولياء ، فإنهم لا يعذبون فيها ، ويدخلون في قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) أي : سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله ، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة ، ( أُولَئِكَ عَنْهَا ) أي : عن النار ، ( مُبْعَدُونَ ) فلا يدخلونها ، ولا يكونون قريبا منها ، بل يبعدون عنها ، غاية البعد ، حتى لا يسمعوا حسيسها ، ولا يروا شخصها " انتهى من " تفسير السعدي " (ص/531).
والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري