السؤال

كيف يمكن التوفيق بين ما جاء في الآية 44 من سورة سبأ ، وغيرها من الآيات التي تدل على أنّ الرسول محمد صلى الله عليه و سلم قد أرسله الله لأمة لم يأت عليها رسول أو نذير من قبل ، وبين الآيات التي تذكر أنّ الله أرسل نذيراً لكل أمة , 10:47, 16:35, 35:24, 40:5, 22:34,67 ؟


الإجابة


الحمد لله
أولا :
من رحمة الله تعالى بخلقه أن أرسل لهم الرسل ، وأنزل إليهم الكتب ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وليقيم عليهم الحجة ، فليست أمة من الأمم إلا وقد أرسل الله إليهم رسولا ، وبعث فيهم نذيرا ، يدعوهم إلى عبادة ربهم ، وينذرهم عذاب يوم عظيم ، قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر /24 ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) النحل/ 36 .
انظر جواب السؤال رقم : (162923) .

ثانيا :
وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) القصص/ 46 .
وقوله تعالى : ( بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) السجدة/ 3 .
وقوله عز وجل : (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) سبأ/ 44 .
وجه الجمع بين هذه الآيات : أن قوله : ( مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) ، وقوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) يقصد به العرب خاصة ، أو قريشا خاصة ؛ فإن الله تعالى لم يرسل فيهم رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم .
وأما قوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) فاطر /24 ، ونحوه : فالمراد : كل الأمم ؛ فكل الأمم قد سبقت فيها النذر ، وجاءتها الرسل ، إلا هذه الأمة الأمية ، قريش ، أو العرب عامة ، لم يأتهم نذير قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ، كانوا كغيرهم من الأمم التي خلت فيها النذر .
قال قتادة : " يعني قريشا ، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم " انتهى من " الجامع لأحكام القرآن " (14 /84) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
" قَوْلُهُ تَعَالَى: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) يَعْنِي بِهِمُ : الْعَرَبَ ؛ فَإِنَّهُ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِهِ " انتهى من " تفسير ابن كثير" (6/ 563) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
ما معنى قوله تعالى: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ) وقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) وأيضاً الآية: ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ ) ؟
فأجاب:
" هذه الآيات لا تتعارض ؛ فإن الله تعالى بعث في كل أمة رسولاً ؛ كما قال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) ...
فلابد لكل أمة من رسول ، ولكل أمة من نذير ينذرها عذاب الله عز وجل ويبشرها برحمته لمن أطاع .
وأما قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) فالمراد : أن الله تعالى لم يرسل إلى العرب نذيراً قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا ليس من العرب رسول إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو دعوة إبراهيم وإسماعيل ، حيث قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
فلم يبعث الله عز وجل نذيراً إلى العرب إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ، بعثه الله تعالى نذيراً ، ولكافة الناس ، كما قال الله تعالى ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) " انتهى مختصرا من " فتاوى نور على الدرب للعثيمين " (5/ 2) بترقيم الشاملة .

وينظر : " زاد المسير" (6 /333) ، " فتح القدير" (4 /252) ، " تفسير السعدي " (ص 617) .

واختار ابن جزي رحمه الله : أن المراد بنفي النذارة عنه : هم الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، من العرب ، فلا ينفي ذلك أن يكون من سبق منهم : قد جاءتهم النذر .
قال ابن جزي رحمه الله :
" ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) معناه : أن الله قد بعث إلى كل أمة نبياً يقيم عليهم الحجة .
فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) ؟
فالجواب : أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم ، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم .
وأيضاً : فإن المراد بقوله : ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) : أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست ببدع فلا ينبغي أن تنكر ، لأن الله أرسله كما أرسل من قبله ، والمراد بقوله : ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ) أنهم محتاجون إلى الإنذار ، لكونهم لم يتقدم من ينذرهم ، فاختلف سياق الكلام ، فلا تعارض بينهما " .
انتهى من " التسهيل " ( ص 1635) .

والله تعالى أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر الجرجاني مسألة التقديم والتأخير في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) ما المقصود بالتقديم والتأخير؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

هل هناك خلق أفضل من بني أدم؟

محمد العبادي

هل يصح أن أدعو بهذا الدعاء في مسألة من مسائل الدنيا {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}؟

عبد الله العواجي

كيف أنال الإمامة في الدين؟ شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في (مجموع الفتاوى) يقول: ([الله -جل وعلا-] جعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: ٢٤])، فالصبر لا بد منه {إ...

عبد الكريم الخضير

ما عَوَائِق الزَّواج؟ ((فقال رجل: يا رسول الله زوِّجنيها إن لم يكن لكَ بها حاجة، فقال: هل عندكَ من شيء تُصدِقُها)) الصَّداق لا بُدَّ منهُ، عندك شيء؛ ولِذا صار قَيد، القُدرَة على مُؤَن النِّكاح قَيد ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فمن لم يستطع فعليه...

عبد الكريم الخضير

ما حكم تلبية المرأة؟ "والمَرْأَةُ تَرْفَعُ صَوْتَها بِحيثُ تُسْمِعُ رَفِيقَتها"، صَوْتُ المرأة والكلامُ فيهِ كثير لا سِيَّما عندَ المُتأخِّرين هل هُو عَوْرَة أو ليس بِعَوْرَة؟! خِلافِيَّة؛ لكنْ الذِّي يقول صَوْتُ المرأة عَوْرَة يَسْتَدِلُّ بمثل هذا،...

عبد الكريم الخضير

ما فَضْل يَوم عَرَفَة؟ قالت عائشة -رضي الله عنها-: إنَّ الرَّسُول -صلَّى الله عليهِ وسلَّم- قال: ((ما من يومٍ)) ما: نافية هذهِ، ومن زائدة لتأكيد النَّفي، ويوم نكرة في سياق النَّفي فَتَعُمّ جميع الأيَّام، ((ما من يومٍ أكثر منْ أنْ يُعتِقَ اللهُ فيهِ ع...

عبد الكريم الخضير

سائل من جدة ، أرجو أن تتفضلوا بتفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ؟ ج: هذه الآية الكريمة وجه الله فيها الصحابة رضي الله عنهم ألا يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء إن تب...

فتاوى نور على الدرب

تقول السائلة أ. ح. من مصر : أستفسر عن الآية الكريمة: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ كيف ذلك في حالة من أراد أن يتم الرضاعة بدون أن يحدث الحمل، أرجو الإفادة بذلك؛ لأن هذه المس...

فتاوى نور على الدرب

الاية 92 من سورة النساء

صلاح الصاوي