السؤال

ندرس حالياً في مادة العلوم عن الثقوب السوداء ( في الفضاء )، فهل يوجد لهذه الثقوب أي ذكر أو معلومات عنها في القرآن أو في السنة . فأنا أريد أن أشارك هذه المعلومات مع الطلاب في صفي ؟

الإجابة


الحمد لله
أولا :
من الضروري في هذا الإطار التنبيه على أن القرآن الكريم نزل كتاب هداية للبشرية ، يدلهم على طريق الصلاح ، ويحذرهم من الفساد والغواية ، ويدعوهم إلى كل خير ، وينهاهم عن كل شر ، ولذلك فإن الإشارات الكونية في آيات القرآن الكريم لم تسق ليكون كتاب معلومات فضائية أو كونية ، وإنما سيقت لغرض الدلالة على الغاية الأولى ، وهي الهداية ، فلا ينبغي للمسلم أن ينسى المقصد ، ويركز على الوسيلة ، فيظن أن هذا الكتاب العظيم إنما نزل وصفا دقيقا لمظاهر الكون وأجرام السماء ، وهذا ظن خاطئ أوقع كثيرا من الناس في المبالغة ، وجر إلى كثير من الجدال العقيم الذي سببه التكلف والتنطع في فهم آيات الله سبحانه .

ثانيا :
ومع ذلك ، نحن لا نرى أنه يجوز لأحد أن ينفي اشتمال القرآن الكريم على أوصاف دقيقة لمظاهر الكون وآيات السماء ، بل فيه من ذلك الكثير الطيب ، الذي يبهر العقول ، ويحير الألباب ، ولا يزال يتكشف للناس منه ما يدل على أنه كلام العليم الخبير ، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وأن مثل هذا الكلام ، لا يقدر على أن يأتي به أحد من البشر ، كائنا من كان .
ولكن يبقى السؤال عن مدى انطباق الآية ، أو النص القرآني ، مع اسم محدد من تلك المظاهر ، كالثقوب السوداء مثلا ، ومن الذي يملك حق الجزم بأن دلالة الآية تنطبق عليها .

ثالثا :
وهنا نقول : إن الآية التي يشير إليها كثير من الباحثين المعاصرين أن المقصود بها " الثقوب السوداء " هي قول الله عز وجل : ( فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) التكوير/15-16 ، فقد ذهب جمهور المفسرين من السلف وأصحاب المصنفات إلى أن المقصود بها ( النجوم ) ، وأن المقصود بالخنس والكنس : هو ظهورها بالليل ، وغيابها بالنهار .

فقد روى ذلك الإمام الطبري عن علي بن أبي طالب ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، وبكر بن زيد ، كما في " جامع البيان " (24/251-252) على اختلاف طويل في شأن الخنس والكنس ، وهل بينهما فرق ، أم هما مترادفان ، يدلان على شيء واحد ، مع اختلاف وصفه فقط .
وذكر أقوالا أخرى عن مدرسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، يقول فيها إن المقصود : بقر الوحش ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما تفسيرها بالظباء .
ثم قال الطبري رحمه الله :
" أولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله تعالى أقسم بأشياء تخنس أحيانا : أي تغيب وتجري أحيانا ، وتكنس أخرى ، وكنوسها : أن تأوي في مكانسها ، والمكانس عند العرب : هي المواضع التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء ، واحدها : مَكْنِس وكِناس .
فالكناس في كلام العرب ما وصفت ، وغير مُنكر أن يستعار ذلك في المواضع التي تكون بها النجوم من السماء ، فإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر ، ولا البقر دون الظباء ، فالصواب : أن يُعَمّ بذلك كلّ ما كانت صفته الخنوس أحيانا والجري أخرى ، والكنوس بآنات ، على ما وصف جلّ ثناؤه من صفتها " انتهى من " جامع البيان " (24/254) .

رابعا :
أخذ بعض الباحثين المعاصرين بالقول الأول ، وأن المراد بالآية وصف النجوم التي تسير في هذا الكون الفسيح ، لكن قالوا : إن وصفها بأنها خنس ، وجوار كنس ، ينطبق ، أكثر ما ينطبق ، على نوع خاص من هذه النجوم ، تسمى " الثقوب السوداء " .
قالوا :
" سميت بالثقوب لقدرتها الفائقة على ابتلاع كل ما تمر به ، أو يدخل في نطاق جاذبيتها ، من مختلف صور المادة والطاقة ، من مثل الغبار الكوني ، والغازات ، والأجرام السماوية المختلفة .‏ ووصفت بالسواد لأنها معتمة تماما ، لعدم قدرة الضوء علي الإفلات من مجال جاذبيتها ، على الرغم من سرعته الفائقة المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية ‏(299792,458‏ كم‏/‏ ث‏)‏ وقد اعتبرت الثقوب السود مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم ، وهي المرحلة التي قد تسبق انفجارها وعودة مادتها إلى دخان السدم ، دون أن يستطيع العلماء حتى هذه اللحظة معرفة كيفية حدوث ذلك‏ " انتهى من مقال للدكتور زغلول النجار .

ونحن لا نرى مانعا من أن يكون ذلك القول محتملا ، وأن يكون الآية تدل عليه ، إما على وجه العموم لها ولغيرها ، مما يصح أن ينطبق عليه هذا الوصف ، كما هي طريقة الإمام الطبري السابق ذكرها ، وأصله في الآية ، وهو جار على مذهب من يصحح دلالة المشترك على أكثر من معنى في السياق الواحد ، وهو اختيار الشافعي وغيره من الأصوليين .
وإما على أن يكون المراد من هذا اللفظ العام : بعض أفراده ، كما هي طريقة من يرى أن الآية تدل على شيء واحد من الأقوال السابقة ، والباحثون في إعجاز القرآن ، لم يخرجوا هنا عن ذلك الأصل ، ولم يأتوا بقول جديد كل الجدة ، بل ذهبوا إلى أن المراد بهذا اللفظ العام : بعض أفراده فقط ، وليس كل ما ينطبق عليه هذا الوصف .
ثم أضافوا فردا جديدا ، ليس بخارج ، كلية ، عن الأقوال السابقة .
ثم إن هذا القول ، لم يخرج أيضا عن مقتضى لغة العرب في معنى " الخنس" و" الكنس " ، كما سبق ذكره ، وإن كان قد أضاف تحديدا جديدا ، أو دلل على دخول " فرد " جديد ، في ضمن " أفراد " اللفظ " العام " : الخنس ، والكنس .
يقول ابن فارس رحمه الله :
" ( كنس ) الكاف والنون والسين أصلان صحيحان :
أحدهما : يدل على سفر شيء عن وجه شيء ، وهو كشفه .
والأصل الآخر : يدل على استخفاء .
فالأول : كَنس البيت ، وهو سفر التراب عن وجه أرضه . والمِكنسة : آلة الكنس . والكُناسة : ما يكنس .
والأصل الآخر : الكناس : بيت الظبي . والكانس : الظبي يدخل كناسه . والكنس : الكواكب تكنس في بروجها كما تدخل الظباء في كناسها . قال أبو عبيدة : تكنس في المغيب " انتهى من " معجم مقاييس اللغة " (5/141) .

فقالوا : يمكن تفسير ( الكُنَّس ) على أنها جمع ( كانس ) على صيغة المبالغة ، بمعنى كأنها آلة للكنس ، تسفر وتزيل الشيء عن وجه شيء آخر وتكشفه .

وهذا كله على فرض ثبوت وجود هذا النوع من النجوم ( الثقوب السوداء )، وإلا فدلالة الآية لا تتوقف على نتائج العلوم الكونية وعلوم الفضاء ، بل هي دلالة كاملة واضحة بحمد الله ، كما ثبت نقله عن أئمة التفسير ، ولو ثبتت يقينا حقيقة تلك ( الثقوب السوداء ) فغايتها أنها تفصيل لأنواع النجوم التي تنطبق عليها الآية الكريمة ، أو ذكر لقول محتمل ، ليس من الصواب في شيء : القطع بأنه الآية تدل عليه ، ولا تدل على شيء سواه .

والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري