السؤال

قال الله تعالى في سورة البقرة "مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...الآية". فإلى ماذا يشير المثال في الآية ؟ ، وماذا ينبغي على من ضُرب المثل في شأنهم أن يفعلوا ؟ ، هل يستمروا في إيقاد النار، أم يمشوا في الظلام ؟

الإجابة


الحمد لله
أولا :
يضرب الله الأمثال في القرآن للناس لعلهم يعقلون ويفقهون ؛ فإن المثل يقرب المعنى ، وتقام به الحجة ، ويزول به اللبس ، وترتفع به الغشاوة عن القلوب ، فينتفع به أهل العلم ، وتقام به الحجة على الذين لا يعلمون .
انظر إجابة السؤال رقم : (1341).
ثانيا :
قال الله تعالى عن المنافقين :
( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) البقرة/ 17، 18 .
فشَبَّهَهُمْ في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلَى الْعَمَى، بِمَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَتَأَنَّسَ بِهَا فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طُفِئَتْ نَارُهُ وَصَارَ فِي ظَلَامٍ شَدِيدٍ لَا يُبْصِرُ وَلَا يَهْتَدِي، وَهُوَ مَعَ هذا أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ أَبْكَمُ لَا يَنْطِقُ أَعْمَى ، لو كان ضياء لما أَبْصَرَ، فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلَالَةَ عِوَضًا عَنِ الْهُدَى وَاسْتِحْبَابِهِمُ الْغَيَّ عَلَى الرُّشْدِ. وَفِي هَذَا الْمَثَلِ دلَالَةٌ عَلَى أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
فاكْتَسَبُوا أَوَّلًا بِإِيمَانِهِمُ نُورًا ، ثُمَّ بِنِفَاقِهِمْ ثَانِيًا أَبْطَلُوا ذلك النور ، فَوَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ .
انظر : "تفسير ابن كثير" (1/ 96-97) .
وقال السعدي رحمه الله :
" أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا ، أي: كان في ظلمة عظيمة ، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره ، ولم تكن عنده معدَّة ، بل هي خارجة عنه ، فلما أضاءت النار ما حوله ، ونظر المحل الذي هو فيه ، وما فيه من المخاوف وأمنها ، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه ، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك ، إذ ذهب الله بنوره ، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة ، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون ، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين ، ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم ، وسلمت أموالهم ، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت ، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب ، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر ، وظلمة النفاق، وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها ، وبعد ذلك ظلمة النار وبئس القرار " .
انتهى من "تفسير السعدي" (ص 44) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
" شَبَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْدَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْمٍ أَوْقَدُوا نَارًا لِتُضِيءَ لَهُمْ وَيَنْتَفِعُوا بِهَا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُمُ النَّارُ فَأَبْصَرُوا فِي ضَوْئِهَا مَا يَنْفَعُهُمْ وَيَضُرُّهُمْ وَأَبْصَرُوا الطَّرِيقَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا حَيَارَى تَائِهِينَ ، فَهُمْ كَقَوْمٍ سَفْرٍ ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَأَوْقَدُوا النَّارَ لِتُضِيءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ ; فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُمْ فَأَبْصَرُوا وَعَرَفُوا طُفِئَتْ تِلْكَ النَّارُ وَبَقُوا فِي الظُّلُمَاتِ لَا يُبْصِرُونَ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْهُدَى الثَّلَاثُ ، فَإِنَّ الْهُدَى يَدْخُلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، مِمَّا يَسْمَعُهُ بِأُذُنِهِ وَيَرَاهُ بِعَيْنِهِ وَيَعْقِلُهُ بِقَلْبِهِ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْهُدَى فَلَا تَسْمَعُ قُلُوبُهُمْ شَيْئًا وَلَا تُبْصِرُهُ وَلَا تَعْقِلُ مَا يَنْفَعُهَا.
وَقِيلَ: لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ نَزَلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ وَلَا عَقْلَ ، وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ، وَقَالَ فِي صِفَتِهِمْ: (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ); لِأَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا فِي ضَوْءِ النَّارِ وَأَبْصَرُوا الْهُدَى ، فَلَمَّا طُفِئَتْ عَنْهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى مَا رَأَوْا وَأَبْصَرُوا " .
انتهى من "اجتماع الجيوش الإسلامية" (2/ 63) .
ثالثا :
الحكمة من هذا المثال : أن يتعظ الناس فلا يفعلوا فعل هؤلاء المنافقين ، وإنما عليهم أن يثبتوا على الإيمان الذي منّ الله به عليهم ودلهم عليه بالفطر السليمة وبرهن لهم عليه بالبراهين الواضحة وأقام الحجة عليه بالدلائل البينة .
فمن منّ الله عليه بالإيمان فعليه بالثبات واليقين ، وألا يتذبذب ويتردد .
ومن نظر في آيات الله البينة الدالة على وحدانيته فعليه أن يؤمن وألا يتراجع عن الأخذ بما دلت عليه الآيات .
بل على كل من أنعم الله عليه بنعمة في دينه أو دنياه أن يقوم بما يجب عليه تجاهها من الشكر وعدم النكران لئلا تزول عنه ، فإن النعمة تثبت بالشكر وتزول بالكفر .
فأشار هذا المثل إلى حال المنافقين وما هم عليه من الحيرة والتذبذب ، وما هم فيه من الضلالة وظلمة الكفر ؛ تحذيرا لهم من مغبة حالهم وعاقبة أمرهم ، وتنبيها لغيرهم ألا يفعلوا فعلهم ويصنعوا صنيعهم .
وكان على هؤلاء المنافقين - الذين ضرب الله هذا المثل في شأنهم - أن يتوبوا إلى ربهم فيعودوا إلى نور الهداية الذي سلب منهم بكفرهم ، فإن من تاب تاب الله عليه ، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) الأحزاب/ 60 .
فعليهم أن ينتهوا عما هم عليه ويتوبوا إلى الله ويرجعوا إليه ؛ فإنهم إن عادوا إلى الله بالتوبة عاد عليهم بالنور والهداية . وإن استمروا على ما هم عليه من الكفر والشك والنفاق فلن يخرجوا من تلك الظلمات أبدا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .
وانظر للفائدة إجابة السؤال رقم : (1673) .
والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري