الفتاوى

لا يلزم في العطف بـ " ثم " الترتيب الزمني على كل حال .
لنقرأ الآيتين 54 و55 في سورة البقرة : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) سورة البقرة/ 54 ، 55 . ومن دون حاجة للنقاش ، من الواضح أن حادثة اتخاذ العجل للعبادة ، قد سبقت حادثة أخذ الصاعقة لبني إسرائيل ، وبإمكانكم العودة للتفاسير ولأي مرجع تريدون ! لنقارن ذلك الآن مع ما ورد في الآية 153 ، سورة النساء : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ) ؟! فكيف يمكن توجيه ذلك ؟

الإجابة


الحمد لله
حرف العطف " ثم " : وإن كان يفيد الترتيب بين المتعاطفات ؛ فإنه لا يأتي دائما لإرادة الترتيب الزمني فقط ، حتى يقال - في كل موضع - إن ما قبله سابق في الزمن لما بعده ، لكنه يأتي أحيانا للترتيب الزمني ، ويأتي أحيانا للترتيب المعنوي، ويأتي أحيانا للترتيب الخبري ، بذكر الأهم من الأمور ، ثم ما يليه في الأهمية ، كما قال سيبويه رحمه الله :
" كأنّهم إنَّما يقدّمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعاً يُهِمّانِهم ويَعْنِيانهم ." انتهى من "الكتاب" لسيبويه (1/34) ، وينظر "بدائع الفوائد" (1/ 61).
وقال الرضيّ في "شرح الكافية" (4/390) :
" وقد تجئ (ثم) لمجرد الترتيب في الذكر، والتدرج في درج الارتقاء ، وذكر ما هو الأولى ، ثم الأولى ؛ من دون اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج ، ولا أن الثاني بعد الأول في الزمان، بل ربما يكون قبله ، كما في قوله:
إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده
فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح ، فابتدأ بسيادته ، ثم بسيادة أبيه ، ثم بسيادة جده ، لأن سيادة نفسه أخص ، ثم سيادة الأب ، ثم سيادة الجد، وإن كانت سيادة الأب مقدمة في الزمان على سيادة نفسه ، فثم، ههنا، كالفاء في قوله تعالى (فبئس مثوى المتكبرين) .
وقد تكون ثم، والفاء، أيضا، لمجرد التدرج في الارتقاء ، وإن لم يكن الثاني مترتبا في الذكر على الأول، وذلك أن تكرر الأول بلفظه ، نحو: بالله، فبالله أو: والله ثم والله، وقوله تعالى : ( وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين) ، وقوله : ( كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون ) " انتهى .
وينظر : "الكتاب" لسيبويه (3/501) .

قال الفراء رحمه الله في توجيه الإشكال المذكور في الآية :
" وقوله (ثم اتخذوا العجل) ليس بمردود [ أي: ليس بمعطوف ] ، على قوله ( فأخذتهم الصاعقة) ، ثُمَّ اتخذوا ؛ هَذَا مردود عَلَى فعلهم الأول .
وفيه وجه آخر: أن تجعل (ثم) خبرًا مستأنفًا، وقد تستأنف العرب بثم ، والفعل الَّذِي بعدها قد مضى قبل الفعل الأول؛ من ذَلِكَ : أن تَقُولُ للرجل: قد أعطيتك ألفًا ، ثُمَّ أعطيتك قبل ذَلِكَ مالا، فتكون (ثُمَّ) عطفًا عَلَى خبر المخبر ، كأنه قَالَ: أخبرك أني زرتك اليوم ، ثُمَّ أخبرك أني زرتك أمس " انتهى من "معاني القرآن" (1/ 396) .

ونظير ذلك : قول الله تعالى : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 198، 199 .
قال القرطبي رحمه الله :
" ثم" لَيْسَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْتِيبِ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلَامٍ هِيَ مِنْهَا مُنْقَطِعَةٌ " انتهى من " تفسير القرطبي" (2/ 427) .
وقال الشنقيطي رحمه الله :
" لَفْظَةُ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ، بِمَعْنَى عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ ، وَتَرْتِيبِهَا عَلَيْهَا فِي مُطْلَقِ الذِّكْرِ " انتهى من "أضواء البيان" (1/ 90) .

وقول الله تعالى أيضا :
( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) البلد/ 11 - 17 .
قال ابن جزي رحمه الله :
" ثم " هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان ، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام ، ولا يصح أن يكون للترتيب في الزمان ، لأنه لا يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق والإطعام ، ولا يقبل عمل إلا من مؤمن " .
انتهى من "تفسير ابن جزي" (2/ 485) .

والمقصود من ذلك كله : بيان أن العطف بحرف العطف " ثم " له أحوال ، وليس لمجرد الترتيب الزمني فقط .
وعلى ذلك ، ففي آيات سورة البقرة : يعدد الله تعالى عليهم فضائحهم واجتراءاتهم ومخازيهم .
أما في سورة النساء : فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، ذكر من حالهم السابق ما يناسب تعنتهم اللاحق ، بسؤالهم موسى عليه السلام أكبر من ذلك بقولهم : أرنا الله جهرة . فأخذتهم الصاعقة .
فذِكر سؤالهم هذا مناسب لما سألوا من نزول الكتاب عليهم ، فالعناية به أولى لهذه المناسبة ، لأن في ذلك بيانا لما هم عليه من إرادة الإشقاق والتعنت ، لا إرادة الهداية ، ولأن فيه سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم حين يعلم أنهم سألوا من قبله رسولهم ، أكبر من ذلك .
ثم أعقب ذلك بما يدل على ما هم عليه من العناد والشقاق فقال : ( ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) .
فجاءت " ثم " لترتيب الأحداث حسب الأهم فالأهم ، والأنسب فالأنسب ، لا لإرادة الترتيب الزمني .
راجع للفائدة جواب السؤال رقم : (1268) .
والله تعالى أعلم .

Icon