السؤال

نزلت الآية الرابعة من سورة المائدة :" اليوم أُحل لكم الطيبات..." الآية يوم عرفة عام حجة الوداع ، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام " تفسير الجلالين ؛ هذه الآية حسب التفسير توضح أن المحللات بالوطء بشرط الإحصان ، أي : الزواج ، هن المؤمنات عموما ًوالمحصنات الكتابيات الحرائر ، وليس هنالك ذكر لملك اليمين ! ألا يعنى ذلك ضمنياً نسخ إباحة التسري بملك اليمين دون عقد نكاح ؟ أرجو الإفادة ، وجزاكم الله خيراً .


الإجابة


الحمد لله
تقدم في إجابة السؤال رقم (10382) بيان إباحة التسري ووطء الإماء بالكتاب والسنة والإجماع ، وأن ذلك معروف من فعل الأنبياء والصالحين ، وأنه لا يجوز لأحد أن يخالف في ذلك أو أن يطعن فيه بوجه بعد الإطباق على ثبوته وإقراره في دين الله .
ثانيا :
يقول الله عز وجل في سور المائدة : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) المائدة/ 5 .
فقوله تعالى : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
أي : أحل لكم نكاح المحصنات ، وهن الحرائر العفيفات من المؤمنات ، والحرائر العفيفات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي: من اليهود والنصارى .
"تفسير السعدي" (ص 221) .
والاستدلال بهذه الآية على نسخ إباحة التسري بدعوى أنها آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها إلا إباحة وطء المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بالزواج ، قول باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة .
ويمكن تلخيص بيان أن الآية لا تدل على ذلك فيما يلي :
أولا :
أن الآية إنما تتكلم عن النكاح الذي هو الزواج ، ولم تتعرض للتسري بوجه ، وإنما يستفاد حكمه من الأدلة الأخرى ، وهي معروفة في موضعها.
فقول السائل : ليس هناك ذكر لملك اليمين ، هو عين ما نحتج به على أن ملك اليمين باق على الأصل ، لأن الآية إنما تتكلم عن الزواج ، فالمرأة إنما توطأ بالزواج أو بملك اليمين ، وأحكام النكاح ليست كأحكام التسري كما هو معلوم .
ثانيا :
أن هذا القول مخالف لإجماع الأمة وفعل خيارها من الصحابة والتابعين فمن بعدهم دون مخالف واحد منهم ، فلم يزل الصحابة والتابعون يجاهدون في سبيل الله ويتسرون بالإماء ، ولا نعلم عن واحد منهم أنه توقف في ذلك .
ثالثا :
سميت سورة النساء بهذا الاسم لكثرة ما ورد بها من أحكام النساء ؛ وقد جاء فيها ذكر ملك اليمين في عدة آيات بذكر بعض الأحكام التي تخص ملك اليمين ، فلو كان لهذا الكلام أصل لورد ذكره في هذه السورة التي اعتنت بذكر أحكام النساء أكثر من غيرها من سور الكتاب المجيد . قال تعالى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) النساء/ 3، وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) النساء/ 25 ، إلى قوله : ( فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ) النساء/ 25 ، وقال سبحانه : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ) النساء/ 36 .
رابعا :
قال الله عز جل مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الأحزاب/ 50؛ أفيعقل أن يأتي النص الصريح في حل ملك اليمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتعداد ما أحل الله له على التفصيل ، ثم لا يذكر الله عز وجل له في كتابه أنه نسخ حل ذلك له ولغيره من المؤمنين ولا في آية واحدة ، مع كثرة ما ورد في القرآن من ذكر ملك اليمين وذكر ما يخصهن من الأحكام ؟!

والواقع أن النصوص في ذلك كثيرة جدا ، وفيما مضى إشارة إلى ما يكفي منها ، وقد تواترت الأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، إجماعا علميا وعمليا ، على أن ذلك تشريع محكم ، لم ينسخ منه شيء .

والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري