السؤال

هل كل ما ذكر في القرآن يعتبر معلوما من الدين بالضرورة؟ وهل إذا قلت على شخص في شيء ما إنه يعذر فيه بالجهل ثم اتضح أنه لا يعذر فيه بالجهل وأنه شيء معلوم. هل يعتبر هذا شكا في كفر الكافر فأكون كافرا حيث إني قرأت في فتوى لكم أن الحجاب لم يعد من المعلوم من الدين بالضرورة هل يعني ذلك أن من استحل كشف الشعر قد يعذر بجهل وكيف ذلك والأمر مذكور في القرآن؟


الإجابة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

فالمعلوم من الدين بالضرورة هو ما استفاض علمه وانتشر في الناس حتى استوى فيه العالم والجاهل والخاص والعام، ولا شك في أن ذكر أمر ما في القرآن لا يقتضي كونه معلوما من الدين بالضرورة، فكثير من الناس لا يقرأ القرآن، وكثير منهم لا يفهم كثيرا من آياته، وقد تعرض الشبهة في الفهم والتأويل لبعض الآيات فيكون المتأول الجاهل بمعنى الآية معذورا بما عرض له من التأويل، وقد نص الفقهاء على أن من أنكر وجوب الصلاة -وناهيك بالعلم بها شهرة واستفاضة في الناس وقد ذكرت في عشرات المواضع في القرآن- لا يكفر بمجرد ذلك إن كان جاهلا بالوجوب وكان ممن يعذر بالجهل كمن نشأ في بادية بعيدة أو كان حديث عهد بإسلام. قال النووي عليه الرحمة: إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ جَحَدَ وُجُوبَهَا وَلَمْ يَتْرُكْ فِعْلَهَا فِي الصُّورَةِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قَتْلُهُ بِالرِّدَّةِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْجَاحِدُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً هَذَا إذَا كَانَ قَدْ نَشَأَ بَيْنَ المسلين، فَأَمَّا مَنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ وُجُوبُهَا فَلَا يُكَفَّرُ بِمُجَرَّدِ الْجَحْدِ، بَلْ نُعَرِّفُهُ وُجُوبَهَا فَإِنْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُرْتَدًّا. انتهى.

وقال ابن قدامة رحمه الله: تارك الصلاة لا يخلو إما أن يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا يَخْفَى وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ، فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وإجماع الأمة وهذا يصير مرتدا عن الإسلام. انتهى.

فإذا كان هذا الشأن في الصلاة فما دونها من باب أولى، فلو وجد من يجهل وجوب ستر المرأة رأسها وكان مثله يجهل ذلك كان معذورا مع كون هذا الحكم مذكورا في القرآن لما عرفناك.

واعلم أن تكفير الشخص المعين من الأمور الخطيرة التي ينبغي ألا يتصدى لها إلا أهل العلم، والخطأ في الحكم على شخص بالكفر أو عدمه لا يعد شكا في كفر الكافر، لأن الشك في كفر الكافر إنما يكون كفرا إذا كان هذا الشخص مقطوعا بكفره كمن يشك في كفر فرعون وأبي لهب مثلا.

وننصحك ألا تشتغل بالحكم على الشخص المعين هل هو كافر أو لا وهل يعذر بالجهل أو لا يعذر، ولا تخض في هذه المسالك الوعرة إذا كانت بضاعتك من العلم مزجاة، ولا يكون ذلك شكا في كفر الكافر حاشا وكلا، بل هو رد للأمر إلى أهله الذين أمر الله بالرد إليهم، وهم العلماء، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة على أصحابه ألا ينازعوا الأمر أهله. فدخل في هذا منازعة أهل العلم فيما هو من شأنهم. قال تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  {النساء:83}.

والله أعلم.

موقع إسلام ويب موقع إسلام ويب
فتاوى مشابهة

‏قال الله تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ }. ‏لماذا خُصت "البقرة" دون غيرها من سائر الحيوانات ؟

أتمنى أن أتخلص من ذنب الغيبة ولكن لا استطيع؟

مشاري الخراز

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ (الرعد: ٢٨) فإن قال قائل: أليس الله تعالى قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُ...

أبو المظفر السمعاني

(يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) ما السر في ذكر اسم الله (الرحمن) هنا بعد ذكر العذاب؟

عبد الله العواجي

في قوله تعالى : (وغرهم بالله الغرور ) ما غرهم بالله ؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحيٌّ يوحى) هل هذا منطبق على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أم للقرآن فقط؟

عبد الرحمن الأهدل

ما الحكمة في ورود (ومن قتل مؤمنا خطأ) بالفعل الماضي (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) بالفعل المضارع؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

يقول تعالى (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) فكيف يكون المؤمن فتنة للكافر؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

قوله تعالى "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس"هل كان إبليس ملك؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

قال الله تعالى (وَإِذَا رأيت ثَمَّ رأيت نعيماً وملكاً كبيرا) هل ثَمَّ تفيد الترتيب ولماذا جاءت بالفتح ؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري