الفتاوى

قراءة القرآن على الترتيب الموجود الآن في المصاحف
تعلمون أن بعض العلماء فضّل قراءة القرآن على الترتيب الموجود الآن في المصاحف. ولكن؛ ألم يَرِد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة والنساء وآل عمران، وكذلك الصحابي الذي كان يختم كل ركعة بسورة الإخلاص؛ فإنه قرأ في الركعة الأولى الإخلاص، ثم يقرأ في الركعة الثانية بسورة هي تسبقها من ناحية الترتيب؟

الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومن والاه، أمَّا بعدُ:

فالأولى لقارئ القرآن أن يراعي في قراءته ترتيب السور في المصحف الشريف؛ فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا؛ لأن ترتيب المصحف إنما جُعِل لحكمة؛ فينبغي على القارئ أن يراعيها، ولكن هذا هو الأولى فقط وليس شرطًا ولا واجبًا، فلو خالف القارئ ترتيب المُصحَف لجاز؛ لما رواه مسلم في صحيحه، عن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة... ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها).

ولحديث أنس رضي الله عنه كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قبَاء، وكان كُلَّمَا افتتح سورةً يقرأ بها لهم في الصَّلاة، مما يقرأ به افتتح بـ "قل هو الله أحد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة... فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال: "يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟" فقال: إني أحبُّها. فقال: "حبك إياها أدخلك الجنة" (رواه البخاري).

وروى البخاري أيضاً عن يوسف بن مَاهَكٍ قال: "إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عِرَاقِيٌّ فقال: يا أم المؤمنين أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قالت: لِمَ؟ قال: لعلي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ، فإنه يُقْرَأُ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من الْمُفَصَّلِ فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا! ولو نزل: لا تزنوا. لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا! لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده".

قَالَ اِبْن بَطَّال في "شرح البخاري": "ولا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفى قراءة القرآن ودرسه وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى قول عائشة للذي سألها أن تُريه مصحفها ليكتب مصحفًا على تأليفه: لا يضرك أيه قرأت قبل؟! وأن ما رُوي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يُقرأ القرآن منكوسًا، وقالا: ذلك منكوس القلب. فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك، ويقتدر على الحفظ وهذا مما حظره الله ومنعه في قراءة القرآن؛ لأنه إفسادٌ لسوره، ومخالفة لما قصد بها".

وقال النووي رحمه الله في "التبيان": "قال العلماء رحمهم الله: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة ثم آل عمران، ثم النساء إلى أن يختم بـ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} سواء قرأ في الصلاة أم خارجاً عنها.

ويُستَحَب أيضًا إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها السورة التي تليها، ولو قرأ في الركعة الأولى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} يقرأ في الثانية من البقرة. ودليل هذا: أن ترتيب المصحف لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها... ولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها، أو خالف الموالاة فقرأ قبلها ما لا يليها جاز وكان تاركًا للأفضل، وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفقٌ على منعه وذمِّه؛ فإنه يُذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حِكمة الترتيب". اهـ.

وعلى هذا؛ فيجوز قراءة السور من غير ترتيب المصحف، وإن كان خلاف الأَوْلى،، والله أعلم.

Icon