السؤال
فصل في أن الحسنات يضاعفها الله تبارك وتعالى
الإجابة
فصــل:
الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله وينميها، ويثيب على الهم بها، والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها. فيعطى صاحب الحسنة من الحسنات فوق ما عمل، وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله، قال تعالى:{مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام:160].
الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إليه؛ لأنه أحسن بها من كل وجه كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضى الإضافة إليه.
وأما السيئة فهو إنما يخلقها بحكمة، وهى باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى دعاء الاستفتاح ، فإنه لا يخلق شراً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلى، أو شر مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه.
وأما الشر الجزئي الإضافي، فهو خير باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قط، بل إما أن يدخل فى عموم المخلوقات، كقوله:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام:101] وإما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى:{مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق:2 ] وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10].
وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين فى القدر بالباطل: فرقة كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كل ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد القبيح.
وفرقة لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة، بل قالت: إذا كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كل شر، ولا يخلق شيئاً لحكمة، وما ثم فعل تنزه عنه بل كل ما كان ممكناً جاز أن يفعله.
وجوزوا أن يأمر بكل كفر ومعصية، وينهى عن كل إيمان وطاعة، وصدق وعدل، وأن يعذب الأنبياء، وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول.
وهذا منكر من القول وزور، كالأول، قال تعالى:{أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21]، وقال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35- 36]، وقال تعالى:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] ونحو ذلك مما يوجب أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن والمسيء، وأن من جوز عليه التسوية بينهما، فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر عليه.
وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل فيه من الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم، مما لا يقدر قدره إلا الله.
وليس إذا وقع فى المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شراً كلياً عاما، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً ومصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام.
وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذاباً عليه بالمعجزات التي أيد بها أنبياءه الصادقين؛ فإن هذا شر عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم.
وليس هذا كالملك الظالم، والعدو؛ فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه.
وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم، خير من ليلة واحدة بلا إمام.
وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك ضرر في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو.
وأما من يكذب على الله، ويقول أي يدعى: إنه نبي، فلو أيده الله تأييد الصادق، للزم أن يسوى بينه وبين الصادق.
فيستوي الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار، ويرتفع التمييز بين هذا وهذا، وهذا مما يوجب الفساد العام للناس فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج، وأمر بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم والخروج عليهم؛ ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة.
وأما المتنبئون الكذابون، فلا يطيل تمكينهم، بل لابد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 ـ 46]، وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا فَإِن يَشَأِ الله يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى:24]، فأخبر أنه بتقدير الافتراء لابد أن يعاقب من افترى عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.
الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله وينميها، ويثيب على الهم بها، والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها. فيعطى صاحب الحسنة من الحسنات فوق ما عمل، وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله، قال تعالى:{مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام:160].
الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إليه؛ لأنه أحسن بها من كل وجه كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضى الإضافة إليه.
وأما السيئة فهو إنما يخلقها بحكمة، وهى باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى دعاء الاستفتاح ، فإنه لا يخلق شراً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلى، أو شر مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه.
وأما الشر الجزئي الإضافي، فهو خير باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قط، بل إما أن يدخل فى عموم المخلوقات، كقوله:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام:101] وإما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى:{مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق:2 ] وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10].
وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين فى القدر بالباطل: فرقة كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كل ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد القبيح.
وفرقة لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة، بل قالت: إذا كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كل شر، ولا يخلق شيئاً لحكمة، وما ثم فعل تنزه عنه بل كل ما كان ممكناً جاز أن يفعله.
وجوزوا أن يأمر بكل كفر ومعصية، وينهى عن كل إيمان وطاعة، وصدق وعدل، وأن يعذب الأنبياء، وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول.
وهذا منكر من القول وزور، كالأول، قال تعالى:{أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21]، وقال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35- 36]، وقال تعالى:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] ونحو ذلك مما يوجب أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن والمسيء، وأن من جوز عليه التسوية بينهما، فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر عليه.
وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل فيه من الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم، مما لا يقدر قدره إلا الله.
وليس إذا وقع فى المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شراً كلياً عاما، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً ومصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام.
وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذاباً عليه بالمعجزات التي أيد بها أنبياءه الصادقين؛ فإن هذا شر عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم.
وليس هذا كالملك الظالم، والعدو؛ فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه.
وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم، خير من ليلة واحدة بلا إمام.
وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك ضرر في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو.
وأما من يكذب على الله، ويقول أي يدعى: إنه نبي، فلو أيده الله تأييد الصادق، للزم أن يسوى بينه وبين الصادق.
فيستوي الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار، ويرتفع التمييز بين هذا وهذا، وهذا مما يوجب الفساد العام للناس فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج، وأمر بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم والخروج عليهم؛ ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة.
وأما المتنبئون الكذابون، فلا يطيل تمكينهم، بل لابد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 ـ 46]، وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا فَإِن يَشَأِ الله يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى:24]، فأخبر أنه بتقدير الافتراء لابد أن يعاقب من افترى عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.
فتاوى مشابهة
(وكانوا لنا خاشعين) هل الخشوع من أسباب إجابة الدعاء؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
لماذا قال نوح رب اغفر لي وللمؤمنين و(المؤمنات )..مع أن النساء لا يذكرن عادة لأنهن داخلات في صيغة المذكر؟
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
في قوله تعالى: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء﴾ لِمَ لم يقل رب اجعلني مقيم الصلاة وذريتي، ليدعو لجميع الذرية؟
محمد الربيعة
محمد الربيعة
هل يجوز الدعاء للأبناء بقول اللهم اصنعهم على عينك اهتداء بقول الله (ولتصنع على عيني)(فإنك بأعيننا)؟ ج: يجوز؛ لأن المعنى: اللهم اجعلهم تحت رعايتك وحفظك. وهل يجوز قول اللهم احفظهم بعينك التي لاتنام؟
عبد الرحمن الأهدل
عبد الرحمن الأهدل
في الآيتين ١٢ و ١٣ من سورة المجادلة لم قال في الأولى (صدقة) وفي الثانية (صدقات)؟
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
في سورة البقرة، آيات الصوم من ١٨٣ إلى ١٨٥، وأتت بعدها "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب" هل أفهم أن الله أقرب للعبد عندما يسأله في شهر الصيام من غيره من الشهور، وأنه يجب على العبد إكثار الدعاء في الشهر الفضيل؟
تركي بن سليمان النشوان
تركي بن سليمان النشوان
ما أَسْبَابُ السَّعادة؟
عبد الكريم الخضير
عبد الكريم الخضير
يقول السائل: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)) فما هو العلاج الناجع لضعف اليقين والقطع بالإجابة حال الدعاء؟! المسلم مأمور بالدعاء، والدعاء سبب قد يقترن به ما يحقق الإجابة، وقد يقترن به المانع من قبول الدعوة والإجا...
عبد الكريم الخضير
عبد الكريم الخضير
ما أسباب إجابة الدعاء؟
أيمن الشعبان
أيمن الشعبان