السؤال

ورد عند ابن كثير رحمه الله أن إسماعيل يكبر إسحاق ب ١٣ سنة ، وفي حديث ابن عباس أن إبراهيم وضع إسماعيل وهو رضيع مع أمنا هاجر عند الكعبة المشرفة ، ثم دعا قائلا ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) إبراهيم /37. سؤالي : هو ما توجيه كلمة "من" في الآية السابقة ؟ فأغلب من قرأت له من المفسرين قال : إنها تبعيضية ، أي بعض ذريتي ، فتساءلت كيف قال إبراهيم عليه السلام بعض ذريته على الرغم أن إسماعيل هو وحيد أبيه حين وضعه عند البيت الحرام ولم يقل ذريتي؟

الإجابة

الحمد لله  

أولا:

في كلمة (من) في الآية المذكورة، قولان للعلماء:

الأولى: أنها تبعيضية:

وعلى ذلك: يكون مقصود إبراهيم عليه السلام: أنه أسكن بعض ذريته، وهم: إسماعيل، ومن ولد منه عند بيته المحرم .

فإن قال قائل : كيف يذكر إبراهيم أنه أسكن بعض ولده، ولم يكن له غير إسماعيل ؟

قيل: على هذا أجوبة:

الأول: أن إبراهيم عليه السلام دعا بهذا الدعاء، بعد زمان من بناء الكعبة، كما دل عليه قوله في دعائه هذا الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق [سورة إبراهيم: 39]، فذكر إسحاق - عليه السلام -، انظر: "التحرير والتنوير" (13/ 241).

لكن الظاهر خلاف ذلك، ففي الحديث:   فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم  إبراهيم/37- حتى بلغ -  يشكرون  إبراهيم/37  ، رواه البخاري: (4/ 142).

الثاني: أنه لم يهاجر بهم إلا بعد ميلاد إسحاق .

ويرد عليه ما رواه الطبري عن ابن عباس: " قال: وكان بين قوله: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم [إبراهيم: 37] وبين قوله: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق : كذا وكذا عاما  " انتهى من  "التفسير"  (13/ 629).

الثالث: أن المفعول محذوف، تقديره: ناسًا، أو: ولدًا، والمراد بهم إسماعيل، فالمعنى: إني أسكنت إسماعيل، فهو بعض ذريته، ولم يذكر بعد قوله ( مِن ذريتي ) ، أيَّ هذه الذرية هو الذي سيكنه، لأن (من) تؤدي عن هذا البعض المبهم، كما سيأتي نقله.

ويمكن أن يكون المراد: إسماعيل، ومن سيولد لإسماعيل بعد ذلك؛ فإن إسكانه متضمن إسكانهم.

انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 322).

وعلى القول الأخير، فإن التبعيض لا يتنافى مع عدم وجود ذرية أخرى لإبراهيم عليه السلام .

والقول الثاني: أن (من) في الآية : زائدة للتوكيد؛ وأن المعنى: أسكنت ذريتي .

قال الإمام الواحدي رحمه الله:

" قوله تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي قال الفراء: ولم يأت منهم بشيء يقع عليه الفعل، وهو جائز أن يقول: قد أصبنا من بنى فلان، وقتلنا من بني فلان، وإن لم يقل رجالاً؛ لأن (من) تؤدّي عن بعض القوم؛ كقولك: قد أصبنا من الطعام وشربنا من الماء، ومثله: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ [الأعراف: 50] .

قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن (من) دخلت لتوكيد الكلام، والتقدير: ربنا إني أسكنت ذريتي، كما قال ذو الرُّمّة:

تَبَسَّمْن عن نَوْرِ الأقَاحيِّ في الضُّحَى ... وفَتَّرْنَ من أبْصَارِ مضْرُوجةٍ نُجْلِ

وعلى ما ذكر الفراء (من) دخلت للتبعيض، والتأويل: إني أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيلَ، بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي يريد: إسماعيل" انتهى من "البسيط" (12/487-488). وانظر: "زاد المسير" (2/ 515).

وقال الزمخشري، رحمه الله: "(مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعض أولادي، وهم إسماعيل ومن ولد منه". انتهى، من "الكشاف" (2/558).

وقال الشيخ عبد الخالق عضيمة، رحمه الله: "(من) للتبعيض، لأنه أُعلم أن من ذريته من يكون كافرًا، أو من يُهمل إقامتها، وهو مؤمن. البحر 5: 434، الجمل 2: 523." انتهى  من  "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" عضيمة (3/335).

والحاصل:

أن (من) في قوله تعالى : ( من ذريتي ) إما أن تكون للتوكيد ، فلا إشكال على ما ذكر في التاريخ.

أو تكون (من) للتبعيض، والمراد: بعض ذريتي، ثم لا يلزم أن تكون ذريته جميعها حاضرة، عند ذلك القول، بل يكفي أن يكون قد علم ، أو رجا أن يكون له ذرية أخرى سوى إسماعيل ، وأن يكون الذي أسكنه (إسماعيل) حاضرا ، ثم أولاده بعد ذلك تبع له.

مع مراعاة أن هذه الأخبار المذكورة عن عمر إسماعيل، أو إسحاق ، أو غير ذلك : ليست في شيء من صحيح الحديث والخبر الذي تقوم به الحجة القاطعة للنزاع ، فليس من البين الاستشكال بها ، أو الوقوف عند حرفيتها كثيرا، مع أن توجيه الآيات مع هذه الأخبار، لو صحت: بين ظاهر في العربية، كما نقلناه عن أهل العلم ، والله أعلم 

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري