السؤال

هل هذه القصة صحيحة ؟ سمعت أحدهم على المنبر يقول قصة عن حواء : "إنها لما أكلت من شجرة التين ، قال الله تعالى وعزتي : لأدمينك في كل شهر مرة ، يقصد الحيض " .


الإجابة

الحمد لله 

لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ يدل على أن الله عاقب حواء بسبب أكلها من الشجرة.

ولكن ثبت من قول ابن عباس رضي الله عنه أن الله عاقبها بالحيض بسبب أكلها من الشجرة وتزيين ذلك الفعل لآدم عليه السلام.

فروى الطبري في "تفسيره" (12/356) ، وابن المنذر في "الأوسط" (2/201) ، والحاكم في "المستدرك" (3437) ، والبيهقي في "الشعب" (5407)، والخرائطي في "اعتلال القلوب" (216)، وابن أبي الدنيا في "العقوبات" (118) كلهم من طريق سفيان بن حسينٍ، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال:

" لَمَّا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ عَصَيْتَنِي؟) قَالَ: رَبِّ زَيَّنَتْ لِي حَوَّاءُ.

قَالَ: (فَإِنِّي أَعْقَبْتُهَا أَنْ لَا تَحْمِلَ إِلَّا كَرْهًا، وَلَا تَضَعَ إِلَّا كَرْهًا، وَدَميْتُهَا فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ).

فَلَمَّا سَمِعَتْ حَوَّاءُ ذَلِكَ رَنَّتْ، فَقَالَ لَهَا: (عَلَيْكِ الرَّنَّةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ) " .

وهذا الأثر صححه الحاكم في المستدرك.

وقال الحافظ في "المطالب العالية" (2/515): "هذا موقوفٌ صحيح الإسناد".

وقال في "فتح الباري" (1/400) : "روى الحاكم وابن المنذر - بإسنادٍ صحيحٍ -، عن ابن عبَّاس: أنَّ ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهبطت من الجنة".

وهذا القول الثابت عن ابن عباس، مما يغلب على الظن أنه أخذه واستفاده من أهل الكتاب، ولذا فلا يظهر أن يكون حجةً ، مع ذلك الاحتمال الظاهر، أو غلبة الظن به ؛ وليس هو بقول المعصوم ، صلى الله عليه وسلم.

ولعله مما يقوي احتمال تلقي ابن عباس له عن أهل الكتاب، أنا نجد قريبا من معناه في التوراة، كما في سفر التكوين، الإصحاح (3/16).

ورواية ابن عباس لهذا الأثر لا يلزم منها قبوله وتصديقه، فهو رضي الله عنه يرويه بناء على الإذن النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم:  حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ  ، رواه البخاري في صحيحه (3274).

وقوله صلى الله عليه وسلم:  لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ، وَلا تُكَذِّبُوهُمْ  رواه البخاري (4215).

والذي جاء في شرعنا أن الله تاب على آدم وحواء، وغفر لهم هذه الخطيئة:   قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  الأعراف/23 .

قال السعدي رحمه الله: " أي: قد فعلنا الذنب، الذي نهيتنا عنه، وأضررنا أنفسنا باقتراف الذنب، وقد فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا، بمحو أثر الذنب وعقوبته، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا، فغفر الله لهما ذلك " انتهى من "تفسير السعدي" (ص: 285)

وأما الحيض ، فشيء كتبه الله على بنات آدم عليه السلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :   إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ   رواه البخاري (294) ، ومسلم (1211).

وهو يفيد بظاهره: أنه مما قدر الله بحكمته وعلمه، وليس هو من جنس العقوبات، كتلك التي كتبها على بني إسرائيل من الإصر والتشديد عقوبة لهم على بغيهم وظلمهم.

قال ابن بطَّال: "هذا الحديث يدُلُّ على أنَّ الحيض مكتوب على بنات آدم فمَن بعدهنَّ من البنات، كما قال ﷺ، وهو من أصل خلقتهنَّ الذي فيه صلاحهنَّ" انتهى من "شرح صحيح البخاري". (1/411).

وينظر للفائدة السؤال رقم : (222132)، (183994).

والخلاصة :

لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يدل على هذا، وثبت من قول ابن عباس رضي الله عنه ، وهو من الإسرائيليات التي لا نصدقها ولا نكذبها.

والله أعلم

فتاوى مشابهة

لماذا لم تذكر (الدنيا) قبل (لعنة)في الموضع الثاني من سورة هود؟

عبد الله العواجي

في سورة آل عمران في قصة زكريا - عليه السلام - قوله تعالى : « و قد بلغني الكبر و امرأتي عاقر ... » و في سورة مريم : قوله تعالى : « و كانت امرأتي عاقرا و قد بلغت من الكبر عتيا » فما المراد بهذا التقديم و التأخير؟

عبد الله العواجي

لماذا قال الله في موضع واحد من سورة الكهف (فأراد ربك ) في قصة الجدار بينما قال (فخشينا) (فأردنا) في خبر الغلام وفي خبر السفية (فأردنا)؟

محسن المطيرى

في قصة موسى ، قوله تعالى ( إنني معكما أسمع و أرى) لِم قدم السمع على البصر ، مع ان البصر أقوى من السمع؟

عبد الله العواجي

في قوله تعالى "لولّيت منهم فراراً ولملئت منهم رُعبا" لِم تقدم الفرار على الخوف والوجل، مع أن الحال في العادة يقتضي عكس ذلك؟

محمد العبادي

(ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) في قصة سيدنا نوح لم يستثنى من أهله ولده الذي غرق في الطوفان؟

محمد العبادي

ما الفرق بين (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) و(الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) ؟

نمشة بنت عبد الله الطوالة

في قول موسى ومحمد عليهما السلام في القصص: (ربي أعلم بمن جاء بالهدى) (ربي أعلم من جاء بالهدى) ما الغرض من زيادة الباء؟

عبد الله العواجي

في سوره القصص آية(٣٢) قال موسى للفتاتين (ما خطبكما). ما الحكمة من اختيار كلمة (الخَطب دون غيرها) وهل هذا ملمح لاستنكار موسى لرعيهما؟

تركي بن سليمان النشوان

قال تعالى في قصة بني إسرائيل ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما...) هل هما موسى وهارون عليهما السلام أو غيرهما؟ وإن كان غيرهما فلماذا لم يذهبا مع موسى فقد قال تعالى في الآية الأخرى (قال رب إني لا أملك إلا نفس وأخي...)؟

عبد الله العواجي