السؤال

سمعت كثيرا من الدعاة يتحدثون عن أسرار استجابة الدعاء ، وأن أهمها هو اليقين باستجابة الله عز وجل ، والإلحاح في الدعاء ، والالتزام بآداب الدعاء، لكنني بالأمس سمعت أحد الدعاة يقول : إن من أسرار استجابة الدعاء هو اليأس مستشهدا بقوله تعالى : (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) ، وإن العبد إذا يأس نصره الله بنصره ، واستجاب له . سؤالي : كيف يجتمع اليقين بالإجابة مع اليأس ؟ وكيف يكون الإنسان يائسا ، وفي نفس الوقت يلح بالدعاء ؟ لقد أوقعتني هذه المسألة في حيرة كبيرة جدا ، وأحتاج إلى توضيح متكامل في هذا الموضوع .


الإجابة

الحمد لله

أولا:

الواجب على المسلم أن يرجو رحمة الله تعالى ويطمع فيها ومن ذلك إجابة الدعاء؛ ولا يجوز أن ييأس ويقنط منها؛ فاليأس من رحمة الله تعالى هو من صفات أهل الكفر؛ كما في قول الله تعالى:  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ   يوسف/87.

وقال الله تعالى:  قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ   الحجر/56.

ولذا عدّ اليأس والقنوط من كبائر الذنوب.

عن فَضَالَة بْن عُبَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:   وَثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللهَ رِدَاءَهُ، فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ  رواه الإمام أحمد (39 / 368)، وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2 / 81).

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: " أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ " رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (9 / 171)، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (5 / 79).

ثانيا :

اليأس سبب لعدم إجابة الدعاء ، وليس سببا للدعاء ، بل هذا مناقض لآدب الداعي ، من التعلق بالله ، والرغبة فيما عنده ، والإلحاح عليه ، وحسن الظن به ، ونحو ذلك من الآداب التي لا تناقض اليأس .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:   يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي  رواه البخاري (6340) ، ومسلم (2735).

فالحاصل؛ أن المأمور به في الدعاء أن يكون على وجه الرجاء فيرجو رحمة الله تعالى، ويكون خائفا من التقصير ؛ وأما اليأس فلا مدخل له في إجابة الدعاء ، ولا أثر له في ذلك بوجه . بل هو إلى موانع الإجابة ، وأسباب الحرمان ، أقرب منه إلى أسباب الإجابة والعطاء .

قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ   الأعراف/55 – 56.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه ، ونزل نفسه فوق منزلته ، أو دعاء من هو غافل لاهٍ. " انتهى من "تفسير السعدي" (ص 292).

ثالثا:

وأما قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ  يوسف/110.

فالمشهور : أنه ليس المقصود بذلك أنهم استيأسوا من وعد الله تعالى؛ وإنما استيأسوا من أقوامهم.

عن عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ: " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ )، قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟

قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا.

قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ.

فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ؟

قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا.

قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الآيَةُ؟

قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَصَدَّقُوهُمْ فَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلاَءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ " رواه البخاري (4695).

وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ).

قَالَ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ" رواه سعيد بن منصور في "السنن - التفسير" (5 / 412)، والطبري في "تفسيره" (13 / 386).

فالحاصل؛ أن يأس الرسل ليس من وعد الله تعالى؛ وإنما من إيمان أقوامهم؛ ويكون هذا من باب اشتداد البلاء والمحن، واشتدادها على المتقين إيذان بقرب الفرج.

ثم على كل تقدير ، وبفرض أن المراد أنهم ضاق بهم الحال ، ولم يعودوا على رجاء من نصر الله لهم ؛ فلا مدخل لهذا اليأس في النصر أيضا ، وليس هو سببا لمجيء الفرج من الله ؛ بل المراد على كل وجه : أن الله يبتليهم ، ويمتحنهم ، حتى إذا بلغوا هذا المبلغ ، وانقطعت بهم الحيل والأسباب : أتاهم نصر الله جل جلاله ، تفضلا منه ، وكرما ، وتفريجا لكربتهم ، ورفعة لشأنهم .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" قول الله تعالى: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ).

يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك " .

انتهى من "تفسير ابن كثير" (4 / 424).

كما في قول الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ   البقرة /214.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" ( وَزُلْزِلُوا ) بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.

ولكن لشدة الأمر وضيقه قال ( الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ) .

فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: ( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب ٌ) فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.

فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه ، انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء " انتهى من"تفسير السعدي" (ص 96).

والله أعلم.

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري