السؤال

قال الله تعالى: ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) المؤمنون/14 . في هذه الآية ( فخلقنا المضغة عظاما) ، لكن المضغة لا تتحول بالكلية إلى عظام ، فقط جزء منها. ألا يعتبر ذلك خطأ ؟ ثانيا : قد يجيب البعض على هذا بإعطاء هذه الترجمة للآية ( فخلقنا المضغة عظاما) " أن الكلمة العربية (من) لا وجود لها هنا " ، أي لا يوجد من قبل كلمة المضغة ، فهذا يعني أن الله لم يقل ذلك ، بل وضعها المترجم ، كيف تفسر هذا الأمر؟


الإجابة

الحمد لله 

أولًا:

إن القرآن المجيد أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، وهو عليم بعباده، وهو الذي أنشأهم أول مرة .

ثانيًا:

إن الآية الكريمة تبين مراحل خلق الإنسان، فقد "ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه (مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك.

 ثُمَّ جَعَلْنَاهُ أي: جنس الآدميين (نُطْفَةً) تخرج من بين الصلب والترائب، فتستقر (فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) وهو الرحم، محفوظة من الفساد والريح وغير ذلك.

(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ) التي قد استقرت قبل (عَلَقَةً) أي: دما أحمر، بعد مضي أربعين يوما من النطفة، (فخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ) بعد أربعين يوما (مُضْغَةً) أي: قطعة لحم صغيرة، بقدر ما يمضغ من صغرها.

(فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ) اللينة عِظَامًا صلبة، قد تخللت اللحم، بحسب حاجة البدن إليها، (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) أي: جعلنا اللحم، كسوة للعظام، كما جعلنا العظام، عمادا للحم، وذلك في الأربعين الثالثة، (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) نفخ فيه الروح، فانتقل من كونه جمادا، إلى أن صار حيوانا، (فَتَبَارَكَ اللَّهُ) أي: تعالى وتعاظم وكثر خيره (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) فخلقه كله حسن، والإنسان من أحسن مخلوقاته، بل هو أحسنها على الإطلاق، كما قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها" "تفسير السعدي"(548).

ثالثًا:

والفاء المذكورة، وإن كانت للتعقيب إلا أن تعقيب كل شيء بحسبه، قال ابن كثير: "الفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب كل شيء بحسبه" انتهى من "تفسير ابن كثير"(5/ 222).

فالله تعالى لم يذكر كل مراحل تطور الجنين بصورة مفصلة، وإنما ذكرها بصورة مجملة، وهي هنا: أن المضغة تتحول عظامًا بطريقة لم يذكرها الله في القرآن مفصلة، وإنما ذكرها مجملة، فالفاء هنا: للمهلة، وهي بمعنى ثم .

انظر: "البرهان في علوم القرآن" (4/ 295).

قال الفيروز آبادي: " وترد الفاءُ عاطفة، وتفيد الترتيب، وهو نوعان: معنويّ ، كقام زيد فعمرو، وذِكْرىّ ، وهو عطف مفصّل على مُجمَل، نحو: فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ. وتفيد التعقيب، وهو في كلّ شيءٍ بحسبه؛ كتزوّجَ فوُلد له، وبينهما مدّة الحمل.

وتكون بمعنى ثُمَّ (ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً) "انتهى من "بصائر ذوي التمييز"(4/ 158).

ثم اعلم أن القرآن عربي، ومن عربيته أنه يطلق الكل ويريد البعض، كما قال تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم)، والمراد بعضها، وهي: الأنامل .

فكذلك الآية التي معنا، فإنه أطلق المضغة ، وأراد بعضها ، وهو ما يتصلب منها حتى يصير عظمًا .

فتحصل مما سبق: أن عربية القرآن تفرض علينا أن نفهمه في ضوء لغة العرب، ولغة العرب ربما يطلق فيها الجزء ، يطلَق فيها الكل ويراد الجزء، والسياق يدل على ذلك ويوضحه .

والأمر هنا كذلك: فقد أطلق الله تعالى المضغة، وأراد بعضها، وهي ما يتحول منها إلى عظام، ويحيط بهذا العظام اللحم . 

ويتبين بذلك أن ما ورد في السؤال : من أن إضافة "من" ، زيادة من المترجم ، أقحمها في النص القرآني ، والله لم يقل ذلك هذا الكلام غير محرر ، بل غير صحيح ؛ فإن المترجم لم يزد "من" ، على نص القرآن ، ولم يقحمها في النص العربي ، والمترجم أيضا لا ينقل "لفظ" القرآن ، أو "نصه" للغة التي يترجم إليها ، بل ينقل معنى الآية ، ويفسرها بهذه اللغة التي يكتب بها ، وينقل إليها ؛ وليست الترجمة "قرآنا" ، بل هي "تفسير" للقرآن ، و"بيان" لمعانيه ، بهذه اللغة الأخرى ، وأما القرآن نفسه : فهو العربي ، المكتوب في المصاحف ، المتلو بالألسنة .

وحينئذ ، فلا حرج على المترجم ، أو المفسر ، إذا وضع حرف "من" لبيان أن ما يتحول "عظاما" ، هو "بعض" هذه النطف التي في الأرحام ، وليس "كل" النطفة ، تكون عظاما .

والله أعلم .

آية ذات علاقة

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ

سورة المؤمنون — الآية 14

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) مانوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الآرآئك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري