السؤال

هل هناك تناقض في القرآن بين الآية 6:14 ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) و 7:143 ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)


الإجابة

الحمد لله

أولًا:

ليس في القرآن تناقض، وقد يقع التناقض في ذهن القارئ، وبالبحث وسؤال أهل العلم ، يزول الإشكال ، إن شاء الله تعالى .

وقد قال تعالى:  أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا  النساء / 82 .

ثانيًا:

المقصود بالأولية في الآيتين الكريمتين : الأولية النسبية ؛ والمراد بها السبق إلى الإيمان، وقد يكون مرادا بذلك السبق في زمانه وأمته ، أو بلاده ، أو نحو ذلك .

ولا شك أن كل نبي سابقٌ لأمته إلى الإيمان، فموسى عليه السلام سبق قومه إلى الإسلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم سبق أمته إلى الإسلام، فصح بذلك أن يقولا عن نفسيهما : إنهما أول من أسلم ، أو يخبر عنهما بذلك .

ولا يفهم من الآية : الأولية المطلقة ، وهذا بين لا يمكن أن يقع في مثله الغلط ولا التعارض أصلا ؛ فمن المعلوم بالاضطرار أن محمدا وموسى عليهما صلوات الله وسلامه : كانا مسبوقين بمن قبلهما من أنبياء الله ، المسلمين ، المؤمنين ، من آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وغيرهم ممن سبقهم من أنبياء الله ، صلوات الله وسلامه عليهم جميعها . وهذا واضح بين في كتاب الله عز وجل .

يقول الطبري في الآية الأولى: " وقل لهم أيضا: إني أمرني ربي أن أكون أول من أسلم، يقول: أول من خضع له بالعبودية ، وتذلل لأمره ونهيه ، وانقاد له ، من أهل دهري وزماني " انتهى، من جامع البيان: (9/ 177).

وقال الطبري أيضا ، في آية موسى عليه السلام : " وأنا أول المؤمنين [الأعراف: 143] : بك ، من قومي ؛ أن لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك "انتهى، من "التفسير" (10/ 432).

وقد ذكر أهل العلم في تفسير الآيتين هذا، وقرروا وجه هذه الأولية ، بأولية أهل الزمان ، كما سبق ، أو بأولية الإسلام الخاص الذي جاء به النبي ، والإيمان بشرعه الخاص الذي أوحاه الله إليه ، ولا يخفى وجه الأولية هنا ، فهو أول من تلقى الوحي بذلك من ربه ، وأول من صدقه ، وأول من اتبعه .

قال الغرناطي: " وإذ تقرر هذا ، فقوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) أمر خاص به، ولا يَشْرَكُه فيه غيره، ونظير هذا قوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) (الأنعام: 14) . والمعنى يحرز ذلك، بل لا يمكن خلافه ؛ وذلك أن الحكم ، من الأمر والنهي، إذا جاء به المَلَك، وتلقى منه صلى الله عليه وسلم ما خوطب به ، وصدق به ، وأسلم وجهه لربه ، وبعد ذلك يتلقاه منه، عليه السلام، مَنْ حَضَره وخاطبه به، ولا طريق لأحد أن يتلقى حكماً إلا منه عليه السلام بعد تلقيه هو ذلك من جبريل .

فهو عليه السلام : أول مؤمن ، وأول مسلم، ولا تمكن تلك الأولية لغيره، ولا نسبة إليها لأحد " انتهى، من ملاك التأويل: (2/ 425).

وقال ابن عاشور: " ومعنى أول من أسلم أنه أول من يتصف بالإسلام الذي بعثه الله به، فهو الإسلام الخاص الذي جاء به القرآن، وهو زائد على ما آمن به الرسل من قبل، بما فيه من وضوح البيان والسماحة " انتهى، من التحرير والتنوير: (7/ 159).

وينظر: تفسير الزمخشري: (2/ 10)، وتفسير الرازي: (12/ 492).

والله أعلم . 

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري