السؤال

جاءتني هذه الرسالة عبر الواتس ، وأحب أن أعرف حكمها . " الحقيقة التي نحن غافلون عنها أن كثيرا من الناس يظن أن كلمة مطر يقصد بها الماء النازل من السماء فتسقى به الأرض لتنبت نباتها ، والحقيقة أن كلمة مطر لم تستعمل في القرآن الكريم إلا بمعنى العذاب ، أو الأذى، يقول تعالى ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ )الأعراف/84 ، ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) الحجر/74 ،( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) النمل/58 ، ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) الأنفال/32 ، ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) هود/82،( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا )الفرقان/40 . أما الماء النازل من السماء لسقي الأرض والناس والأنعام ، فاستعملت له ألفاظ غير لفظ المطر منها ( الماء ) ، أو ( الغيث ) لقوله تعالى : ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)الحج/5 ،(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الأعراف/57 فيجب ألا نقول مطر بل نقول غيث أو ماء " .


الإجابة


الجواب :

الحمد لله

أولًا:

بوب البخاري في صحيحه، (6/ 62): " باب قوله: وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32]".

وأورد فيه قول سفيان بن عيينة : ما سمى الله تعالى مطرا في القرآن إلا عذابا ، وتسميه العرب : الغيث ، وهو قوله تعالى: ينزل الغيث من بعد ما قنطوا".

والظاهر: أن غالب استعمال القرآن للفظ (المطر) في العذاب كما قال ابن عيينة، إلا أن العلماء استثنوا منه قوله تعالى: إن كان بكم أذى من مطر.

قال الحافظ ابن حجر: " وقال ابن عيينة: ما سمي الله مطرا في القرآن إلا عذابًا .

يعني: ما أطلق المطر في القرآن إلا على العذاب .

وتُعُقِّب بقوله تعالى: ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ، فتح الباري: (1/ 189)، وانظر نحوه، الإتقان، للسيوطي: (2/ 164)، ومعترك الأقران، له: (3/ 458).

ثانيًا:

ما مضى من البحث والنظر إنما يتحرى معرفة أساليب البيان في القرآن ، وموارد استعمالات الكلمة فيه ؛ ليس هو بحثا عما يحل ويحرم ، أو يجوز أو لا يجوز من الكلام .

وإلا ؛ فإن استخدام لفظ المطر في لغة العرب، بل وفي السنة النبوية أيضا : جار في سياقات الرحمة ، كما هو جار في سياق العذاب .

فعن زيد بن خالد رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم أقبل علينا فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟. قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال:   (قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي)  ، رواه البخاري: (4147).

عن أنس، قال: قال أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، قال: فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه تعالى، رواه مسلم: (2/ 615).

وقريب من ذلك تفريق من فرق بين "أمطرت" ، و"مطرت" .

والصواب أنه لا فرق بينهما ، من حيث الاستعمال ، في خير أو في شر .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :  أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا .

قَالَ أَنَسٌ: " وَلَا وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ !!

رواه البخاري (1014) ، ومسلم (897) .

قال النووي رحمه الله :

" قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَمْطَرَتْ ) : هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ، وَكَذَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ : ( أَمْطَرَتْ ) ، بِالْأَلِفِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، أَنَّهُ يُقَالُ : مَطَرَتْ ، وَأَمْطَرَتْ ؛ لُغَتَانِ فِي الْمَطَرِ .

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : لَا يُقَالُ أَمْطَرَتْ بِالْأَلِفِ إِلَّا فِي الْعَذَابِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وأمطرنا عليهم حجارة ) .

وَالْمَشْهُورُ : الْأَوَّلُ . وَلَفْظَةُ أَمْطَرَتْ تُطْلَقُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتُعْرَفُ بِالْقَرِينَةِ " انتهى ، "شرح مسلم" للنووي (6/192) .

فخلاصة الأمر :

أن لفظ (المطر) استخدم في القرآن غالبًا للعذاب، إلا أنه يستخدم أيضا في سياق الرحمة والغيث في مواضع قليلة، وثبت السنة بذلك الاستخدام ، دون تفرقة .

ولا بأس باستخدامه في الكلام العادي، ولا كراهة فيه بوجه ؛ لأنه استخدم في السنة ولغة العرب كذلك، والله أعلم .

آية ذات علاقة

﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ

سورة الأعراف — الآية 84

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري