السؤال

ضرب الله تعالى مثالا بأصحاب الجنة ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) ، فآمل منكم توضيح علاقة هذا المثل بالمعاني التي وردت في أول السورة .


الإجابة

الحمد لله

أولًا:

قص الله تعالى علينا قصة "أصحاب الجنة" في سورة "القلم" ، وضربها ـ سبحانه ـ مثلا لكفار قريش ؛ فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛ ولهذا قال: (إنا بلوناهم) أي: اختبرناهم، (كما بلونا أصحاب الجنة) وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين) أي: حلفوا فيما بينهم أنهم سوف يقطعون ثمرها ليلا ، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء.

وقد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قوم كان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما خرج له من غلتها وثمرتها : يرد فيها ما يحتاج إليها ، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل.

فلما مات : ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق ؛ إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم ، لتوفر ذلك علينا.

فلما عزموا على ذلك : عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، فلم يبق لهم شيء.

وهكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله ، وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقراء وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرا .

(ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق.

انظر: تفسير ابن كثير: (8/ 197).

ويقول الشيخ السعدي: " إنا بلونا هؤلاء المكذبين، بالخير ، وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجًا لهم من حيث لا يشعرون !!

فاغترارهم بذلك : نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين أينعت أشجارها، وزهت ثمارها ، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، وأنه ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يَجُذُّونها مُصْبِحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها.

(فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ) أي: عذاب نزل عليها ليلا ، (وَهُمْ نَائِمُونَ) ، فأبادها وأتلفها. (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار .

هذا ؛ وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم، لما أصبحوا ، يقول بعضهم لبعض: (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا) : قاصدين له ، (وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ) فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: (لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) ، أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفًا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء.

(وَغَدَوْا) في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة (عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها.

(فَلَمَّا رَأَوْهَا) على الوصف الذي ذكر الله ، كالصريم : (قَالُوا) ، من الحيرة والانزعاج : (إِنَّا لَضَالُّونَ) ؛ أي: تائهون عنها، لعلها غيرها!!

فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم ، قالوا: (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، فـ (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أعدلهم، وأحسنهم طريقة : (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) أي: تنزهون الله عما لا يليق به، ومن ذلك : ظنكم أن قدرتكم مستقلة، فلولا استثنيتم فقلتم: ( إن شاء الله ) ، وجعلتم مشيئتكم تابعة لمشيئة الله، لما جرى عليكم ما جرى .

فقالوا (سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي: استدركوا بعد ذلك، ولكن بعد ما وقع العذاب على جنتهم، الذي لا يرفع، ولكن لعل تسبيحهم هذا، وإقرارهم على أنفسهم بالظلم، ينفعهم في تخفيف الإثم ، ويكون توبة، ولهذا ندموا ندامة عظيمة.

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) : فيما أجروه وفعلوه . (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) أي: متجاوزين للحد في حق الله، وحق عباده.

(عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) : فهم رجوا الله أن يبدلهم خيرًا منها، ووعدوا أنهم سيرغبون إلى الله، ويلحون عليه في الدنيا .

فإن كانوا كما قالوا، فالظاهر أن الله أبدلهم في الدنيا خيرًا منها ؛ لأن من دعا الله صادقًا، ورغب إليه ورجاه، أعطاه سؤله.

قال تعالى مبينا ما وقع: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ) أي: الدنيوي لمن أتى بأسباب العذاب : أن يسلب اللهُ العبدَ الشيءَ الذي طغى به ، وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأن يزيله عنه، أحوجَ ما يكون إليه.

( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) من عذاب الدنيا ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) فإن من علم ذلك، أوجب له الانزجار عن كل سبب يوجب العذاب ، ويُحِل العقاب"، تفسير السعدي: (880) .

ثانيًا:

أما علاقة هذه القصة بما قبلها من السياق ؛ فإن الله ذكر حال الكفار بالنبي صلى الله عليه، وذكر أن ما هم فيه : ابتلاء، وأن ما هم فيه من خير ونعمة، لا لكرامتهم ، وإنما استدراج لهم من حيث لا يشعرون ؛ فاغترارهم بذلك : نظير اغترار أصحاب الجنة.

 يقول الرازي: " اعلم أنه تعالى لما قال: لأجل أن كان ذا مال وبنين، جحد وكفر وعصى وتمرد، وكان هذا استفهاما على سبيل الإنكار ؛ بيَّن في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان، وليصرفه إلى طاعة الله، وليواظب على شكر نعم الله .

فإن لم يفعل ذلك : فإنه تعالى يقطع عنه تلك النعم، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات ، فقال:  ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ) : أي : كلفنا هؤلاء أن يشكروا على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة ذات الثمار، أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم "، التفسير: (30/ 607).

ويقول الطاهر ابن عاشور: " والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، دعت إليه مناسبة قوله: ( أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) [القلم: 14- 15] ؛ فإن الازدهاء والغرور بسعة الرزق ، المفضيين إلى الاستخفاف بدعوة الحق ، وإهمال النظر في كنهها ودلائلها : قد أوقعا من قديم الزمان أصحابهما في بطر النعمة ، وإهمال الشكر، فجر ذلك عليهم شر العواقب !!

فضرب الله للمشركين مثلا بحال أصحاب هذه الجنة ، لعلهم يستفيقون من غفلتهم وغرورهم ، كما ضرب المثل بقريب منه في سورة الكهف، وضرب مثلا بقارون في سورة القصص "، التحرير والتنوير: (29/ 79).

والخلاصة :

أن الله ذكر حال الكفار بالنبي صلى الله عليه، وذكر أن ما هم فيه بلاء، وأن ما هم فيه من خير ونعمة، لا لكرامتهم وإنما استدراج لهم من حيث لا يشعرون ؛ فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة الذين حرمهم الله من ثمارها وخيرها ، جزاء طغيانهم وشحهم .

 والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري