السؤال

ﻣﺎ ﺍﻟﻔﺮﻕ بين ﻓﻤﺎ اسطاعوا وما استطاعوا ﻓﻲ سورة الكهف ؟


الإجابة


الحمد لله
قال الله تعالى : ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) الكهف / 97 .
وقد جاء مثل ذلك أيضا في السورة نفسها في قوله تعالى : ( سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) وفي آخر القصة : (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) .
يقال : (استطاعوا) و(اسطاعوا) بالتاء وحذفها ، وهما بمعنى واحد .
وذكر بعض المفسرين أن الفائدة من هذا التغاير هي فائدة لفظية ، وأن هذا هو مقتضى الفصاحة ، حتى لا تكرر الكلمة بلفظها فإن ذلك معيب عند الفصحاء .
وهذا ظاهر في قصة ذي القرنين ، لأن التكرار واقع في الآية نفسها .

وذهب آخرون إلى أن الفائدة من هذا : فائدة معنوية ، وهي أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، فزيادة حرف (التاء) في إحدى الكلمتين تدل على أن الاستطاعة فيها أشد من الكلمة التي حذفت منها التاء ، فعند المقابلة بين أمرين ، يقال في الأشد منهما : (استطاع) بالتاء ، ويقال في الأخف : (اسطاع) بحذف التاء .
وهذا هو المناسب للموضعين في السورة .
ففي قصة موسى عليه السلام مع الخضر ، (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) فالاستطاعة هنا أشد لأن موسى عليه السلام لم يكن علم سبب فعل الخضر ما فعل .
فلما أخبره بذلك قال : (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) ، لأن الأمر هنا صار أخف .
وكذلك في الموضع الثاني ، وهي قصة ذي القرنين ، فصعودهم على السد أقل صعوبة من نقبه ، ولذلك جاء في الأول بحذف التاء (فما اسطاعوا أن يظهروه) وجاء في الثاني بالتاء (وما استطاعوا له نقبا) .

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله في "التحرير والتنوير" (8/419) :
"(تَسْطِعْ) مضارع (اسطاع) بمعنى (استطاع) . حذف تاء الاستفعال تخفيفاً لقربها من مخرج الطاء ، والمخالفةُ بينه وبين قوله : (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) ، للتفنن تجنباً لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه . وابتدىء بأشهرهما استعمالاً ، وجيء بالثانية بالفعل المخفف لأنّ التخفيف أولى به ، لأنه إذا كرر (تَسْتَطِع) يحصل من تكريره ثقل" انتهى .

وقال أيضا (8/433) :
"(اسْطَاعُوَا) تخفيف (اسَتَطَاعُوا) ، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة . وابتدىء بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق ، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف .
ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل (اسَتَطَاعُوا) ويثني بفعل (اسْطَاعُوَا) لأنه يثقل بالتكرير ، كما وقع في قوله آنفاً : (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) ثم قوله : (ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبراً) .
ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا : إيثار فعل ذي زيادة في المبنى ، بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه ، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى" انتهى .
وقال ابن كثير رحمه الله :
" قال تعالى : ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) وهو الصعود إلى أعلاه ، ( وما استطاعوا له نقبا ) ، وهو أشق من ذلك ، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى ، والله أعلم " .
انتهى من " تفسير ابن كثير " (5/188) .

ومن اللطائف : أن القاسمي رحمه الله في تفسيره ، بعد أن ذكر بعض ما قيل في ذلك ، ختم البحث بقوله : "وما ألطف قول الشهاب في مثله : هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك!" .
انتهى من " محاسن التأويل " (7/56) .

والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري