﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ

سورة آل عمران — الآية ١٥٩

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

سورة المائدة — الآية ١٣


"
قوله تعإلى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿١٥٩﴾) ال عمران ( 159) . قبل الإبحار بسفينة التأمل في هذه الآية الكريمة يجدر بي أن أتناول أراء العلماء في القول بوقوع الزيادة في القرآن الكريم ، فأقول : اختلف العلماء في القول بوقوع الزيادة في القران الكريم ، وفى تسميتها ، سواء وقعت بالحرف ، أم بالفعل ، فالبصريون يجيزون وقوعها ، ويسمونها ( زيادة ، أو لغواً ) ، والكوفيون يجيزون أيضاً وقوعها ، ويسمونه ( صلة ، أو حشواً ) . والعلماء في القول بوقوع الزيادة في القران فريقان : فريق ينفيه كالمبرد وثعلب وابن السراج ، قال الشريف الرضى : " وأقول : ان لأبى العباس المبرد مذهبا في جملة الحروف المزيدة في القران ، أنا أذهب إليه ، أتبع نهجه فيه ، وهو اعتقاد انه ليس شيء من الحروف جاء في القران الا لمعنى مفيد ، ولا يجوز أن يكون لقى مطرحاً ، ولا خاليا من الفائدة صفراً ، وذلك ان الزيادات والنقائص في الكلام أنا يضطر إليها ، ويحمل عليها الشعر الى هو مقيد بالأوزان والقوافي ... فأما إذا كان الكلام محلول العقال ، مخلوع العذار ، ممكنا من الجريفي مضماره ، غير محجوز بينه وبين غاياته ، فان شاء صاحبه أرسل عنانة ، فخرج جامحاً ، وان شاء قدع لجامه ( أي : كبحه ) ، فوقف جانحاً ، لا يحصره أمد دون أمد ، ولا يقف به حد دون حد ، فلا تكون الزيادات الواقعة فيه الا عيا واستراحة ولغوبا والاحة ، وهذه منزلة ترفع عنها كلام الله سبحانه الذي هو المتعذر المعوز ، والممتنع المعجز " . والفريق الثاني : يثبت الزيادة في القران الكريم ، وهو أكثر المفسرين والنحاة والفقهاء ، وان كره اسمها بعضهم ، كابن هشام الذى يقول : " وينبغي ان يتجنب المعرب ان يقول في حرف في كتاب الله تعالى : انه زائد ، لأنه لا يسبق الأذهان ان الزائد هو الذى لا معنى له ، وكلا الله سبحانه منزه عن ذلك " . وهذا الفريقان صنفان : صنف يجعل وجود الزائد كالعدم ، ولا شك في أن هذا قول فاسد لا يصح ، وهو الذى جعل النافين يشنعون على المثبتين إثباتهم الزيادة في القران ، كما فعل الشريف الرضى أنفاً ، لأنهم يعتقدون أن الزائد ليس ليه فائدة في الإعراب ولا في المعنى ، ولا شك في ان الحكم بوجود زيادة في القران الكريم على هذه التعريف لها – وهو : ما لات تأثير للمزيد في الاعراب ولا في المعنى – غير صحيح . والصنف الثاني : يجعل الزائد غير مؤثر في الاعراب فقط ، أما في المعنى فلا يكتفى بإثبات معنى له ، بل يجعل له معنى زائداً في الجملة عليها لو خلت منه . قال ابن يعيش " وقد أنكر بعضهم وقوع هذه الأحرف زوائد لغير معنى ، اذا ذلك يكون كالعبث ، والتنزيل منزه عن مثل ذلك . وليس يخلو إنكارهم ذلك من انهم لم يجدوه في اللغة ، او لما ذكروه من المعنى ، فإن كان الأول فقد جاء التنزيل والعشر مالا يحصى . ، وان كان الثاني فليس كما ظنوا ، لان قولنا : ( زائد ) ليس المراد أنه قد دخل لغير معنى البتة ، بل يزيد لضرب من التأكيد ، والتأكيد منى معنى ، قال سيبويه عقيب ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) المائدة ( 13 ) . ونظائره : فهو لغو من حيث إنها لم تحدث شيئا لم يكن قبل أن تجئ ، من المعنى سوى تأكيد الكلام . ومما سبق يتبين أن سبب الخلاف في إثبات وقوع الزيادة أو الصلة في كتاب الله تعالى راجع – ككثير من الأشياء المنفية عن القران الكريم كالمجاز مثلا – الى الاختلاف في تعريف الزائد ، فمن عرفه بأنه : ( ما ليس له أثر في الاعراب ولا المعنى ) . نفى وقوعه ، وأما من عرفه بأنه : ( ما لا أثر في الاعراب ، وله أثر في المعنى ) .. أجاز وقوعه ، وهو الصحيح ، فمما لا شك فيه أن الحرف الزائد لا يؤثر في الاعراب ، أما تأثيره في المعنى فيتضح في الآيات التي قيل فيها بالزيادة ، كهذه الآية التي بين ايدينا (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ال عمران ( 159 ) . فإن ( ما ) في قوله : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ) زائدة ، ومعنى الآية : ما لنت لهم الا برحمة عظيمة من الله ، ولو لم تزد ( ما ) لجاز أن يكون اللين حاصلا بسبب الرحمة وغيرها ، أما وقد زيدت فيه ( ما ) فقد نابت هنا عن نفى واثبات ، وأفادت الحصر ، فقطعت بأن اللين لم يكن الا بسبب الرحمة ، وهذا يدل على ان للزائد معنى زائداً ، وأنه ليس مهمل المعنى ، ولذلك رد أبو حيان – رحمة الله – على الرازي انكاره جعل ( ما ) ههنا زائدة ، حيث كان الرازي يرى ان دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز ، لكن المحققين يخالفونه في هذا ، ومنهم أبو حيان الذى خالفه قائلا : " وما قاله المحققون صحيح ، لكن زيادة ( ما ) للتوكيد لا ينكره في أماكنه من له أدنى تعلق بالعربية فضلا عن من يتعاطى تفسير كلام الله ، وليس ( ما ) في هذا المكان مما يتوهمه أحد مهملا " . انتهى كلامه . والرأي المتناقض للفريقين في هذه الآية يوضح أن السبب في ذلك هو ما ذكرته أنفا من ان سبب الاختلاف في الجواز وعدمه واجع الى الاختلاف في المراد بالزيادة .
ص

صالح العايد

بلاغة القرآن

وقفات تدبُّرية مشابهة