قال تعالي في سورة الأنعام : ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام : 161 ] .
وقال في سورة التوبة : ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ [ التوبة : 36 ] .
سؤال: لماذا قال في آية الأنعام : ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ بكسر القاف , وفتح الياء .
وقال في آية التوبة : ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ بتشديد الياء كالسيد , وما الفرق بينهما ؟
الجواب : ﴿ القيم ﴾ بكسر القاف وفتح الياء مصدر كالصغر والكبر , ومعناه الاستقامة , وقد نعت به مبالغة , وأما ﴿ القيّم ﴾ فهو صفة مشبهة , أو مبالغة , ومعناه المستقيم , أي : المعتدل لا إفراط فيه , ولا تفريط .
وقيل : هو القيم علي سائر الكتب السماوية الأخري شاهدا بصحتها , وقيم علي مصالح العباد متكفل ببيانها لهم , وأنه كامل بنفسه مكمل لغيره .
والقيم السيد وسائس الأمر . وقيم القوم ؛ الذي يقومهم ويسوس امرهم .
ومن المعلوم أن النعت بالمصدر أبلغ من النعت بالوصف , وهو المناسب في سياقه ؛ ذلك أنه وصف الدين بالصراط المستقيم , وأنه ملة ابراهيم حنيفا , ثم أمره أن يقول : إن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين , فجعل كل شئ في حياته لله رب العالمين ,وأن محياه ومماته لله رب العالمين , وأنه لا شريك له وأنه رب كل شئ , فقد قال بعد هذه الآية : { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [162] لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [163] قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } [ الأنعام : 162 – 164 ] فناسب هذه السعة الوصف بالمصدر .
ثم إنه وصفه بالاستقامة مرتين : مرة بالوصف , فقال : ﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ , ومرة بالمصدر , فقال : ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ , وذلك لتوكيد وصفه بالاستقامة , والمبالغة في ذلك , فناسب تكرار الوصف بالاستقامة الوصف بالمصدر .
بل إنه قيل : إن معاني ( الحنيف ) المستقيم , فيكون وصفه بالاستقامة ثلاث مرات في الآية : وهي قوله : ﴿ إلي صراط مستقيم ﴾ وقوله : ﴿ حنيفا ﴾ وقوله : ﴿ دينا قيما ﴾ . فناسب ذلك الوصف بالمصدر للمبالغة .
هذه علاوة علي الزيادة في التوكيد في قوله : ﴿ إنني ﴾ فجاء بنون
الوقاية مع ﴿ إن ﴾ , ولم يقل : ﴿ إني ﴾ , وذلك للزيادة في التوكيد .
وأما آية التوبة فقد ذكر فيها ما يتعلق بعدة الشهور , والأشهر الحرم , وحكم القتال فيهن . وذلك جزء مما ورد في سورة الأنعام الذي شمل الحياة كلها , والعبادة كلها .
فلما كان السياق في الأنعام أعم وصف بالمصدر . ولما كان ما في التوبة جزء من ذلك , وصف بالوصف وهو الصفة المشبهة .
هذا علاوة علي أن هناك قراءة متواترة أخري في آية الأنعام وهي ﴿ دينا قيما ﴾ بالصفة المشبهة علي وزن ﴿ سيد ﴾ .
فجمعت القراءتان النعت بالوصف وبالمصدر , كما جمعت الآية النعت بالوصف وبالمصدر في قوله : ﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ’ وقوله : ﴿ حنيفا ﴾ وقوله : ﴿ دينا قيما ﴾ .
وكما جمع السياق في الأنعام كل أمور الحياة والممات . فكان كل تعبير أنسب في سياقه .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 53)
ﵟ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﵞ سورة الأنعام - 161
ﵟ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﵞ سورة التوبة - 36