﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾
سورة النمل — الآية ٦٠
"
برنامج لمسات بيانية سؤال : ما الحكمة في اختلاف خواتيم الآيات من الآية الستين إلي الآية الرابعة والستين في سورة النمل ؟ الجواب : إن كل آية ختمت بما يناسب السياق : 1- قال تعالي : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [ النمل : 60 ] . ختم الآية بقوله : { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } . ومعني ( يعدلون ) : ينحرفون عن الحق ,ذلك أنهم يعلمون ما ورد في الآية , كما أخبر عنهم ربنا سبحانه , فقد قال عنهم : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [ لقمان : 25 ] . وقال : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [ العنكبوت : 63 ] . فلما كانوا يعلمون ذلك , ناسب أن يقول فيهم : إنهم قوم يعدلون , أي : ينحرفون عن الحق , وعن طريقه الواضح البين ؛ لأن من علم ذلك انبغي له أن يعبد الله وحده ويوحده . 2- وقال في الآية الحادية والستين : { أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ النمل : 61 ] . أي : بل أكثرهم لا يعلمون شيئا من الأشياء معتدا به لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات , ولا يعلمون كثيرا مما ذكر في الآية والحكمة منها , ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك . ف فناسب أن يختم الآية بما ختم . 3- وقال في الآية الثانية والستين : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [ النمل : 62 ] . فهم إذا وقعوا في مأزق عظيم وانقطعت بهم السبل , لجؤوا إلي ربهم , وحتي إذا أنجاهم نسوا ربهم , وعادوا إلي ما هم عليه , كما أخبر عنهم سبحانه بقوله : { قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [40] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [41]} [ الأنعام : 40 – 41 ] . وقوله : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } [ الزمر : 8 ] . فكأنهم نسوا ما كانوا فيه من الحاجة إلي ربهم , والناسي به حاجة إلي التذكير والتذكر , فقال لهم : { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } . 4- قال تعالي : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل : 63 ] . ذكر أولا صفات هؤلاء القوم بأنهم قوم يعدلون , بل أكثرهم لا يعلمون , وقليلا ما يتذكرون , ثم ذكر بعد ذلك تنزيهه سبحانه وعلوه عما يشركون , فالآيات السابقة في صفات أولئك المخلوقين المشركين وانحرافهم وجهلهم , وقلة تذكرهم . وذكر في هذه الآية تنزيهه سبحانه عن شركهم . 5- وقال تعالي : { أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ النمل : 64 ] . فبدأ بسؤال ينكرونه , وهو الحياة بعد الموت , ثم طلب منهم البرهان علي معتقداتهم وشركهم , بعد كل ما ذكر , وبعد ما ألزمهم الحجة , فقد قال لهم بعد كل تقرير : { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } وهم يقولون في أنفسهم أو بألسنتهم : نعم . فقال لهم : { هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } . فقد ذكرنا البراهين والدلالة علي التوحيد وبطلان الشرك , فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . فكان ذلك أنسب شئ وألزمه للحجة .
المصدر: موقع تدارس القرآن الكريم