عن عبد الله بن عباس -من طريق إسحاق بن بشر-: أنّ نوحًا بُعِث في الألفِ الثاني، وإنّ آدم لم يمُتْ حتى وُلِدَ له نوحُ في آخر الألف الأوَّل، وكان قد فشَتْ فيهم المعاصي، وكثُرتِ الجبابرةُ، وعَتَوْا عُتُوًّا كبيرًا، وكان نوحٌ يدعوهم ليلًا ونهارًا، سِرًّا وعلانيةً، صبورًا حليمًا، ولم يلقَ أحدٌ من الأنبياء أشدَّ مما لقِي نوحٌ، فكانوا يدخُلون عليه، فيخنُقُونه، ويُضرَبُ في المجالس، ويُطرَدُ، وكان لا يدَعُ على ما يُصنعُ به أن يدعُوَهم، ويقولَ: يا ربِّ، اغفِرْ لقومي فإنّهم لا يعلمون. فكان لا يزيدُهم ذلك إلّا فرارًا منه، حتى إنه لَيُكلِّمُ الرجل منهم، فيَلُفُّ رأسَه بثوبه، ويجعلُ أصابعَه في أُذنَيه لكيلا يسمعَ شيئًا من كلامه، فذلك قولُ الله: ﴿جعلُوا أصابعهم في آذانهم واستغْشوا ثيابهم﴾ [نوح:٧]. ثم قامُوا من المجلس، فأسرعوا المشي، وقالوا: امضُوا؛ فإنه كذّابٌ. واشتد عليه البلاء، وكان ينتظِرُ القرن بعد القرن، والجيل بعد الجيل، فلا يأتي قَرْنٌ إلا وهو أخبثُ مِن الأوَّل، وأَعْتى مِن الأوَّل، ويقول الرجل منهم: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا، فلم يزلْ هكذا مجنونًا! وكان الرجلُ منهم إذا أوصى عند الوفاة يقولُ لأولادِه: احذرُوا هذا المجنونَ، فإنّه قد حدثني آبائي أنّ هلاك الناس على يَدَيْ هذا. فكانوا كذلك يتوارثُون الوصيَّة بينهم، حتى إن كان الرجل لَيَحْمِلُ ولدَه على عاتقِه، ثم يقِفُ به عليه، فيقولُ: يا بُنيَّ، إن عشتَ ومِتُّ أنا فاحذَرْ هذا الشيخ. فلمّا طال ذلك به وبهم قالوا: ﴿يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ [هود:٣٢]
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل عن الضحاك، ومن طريق ابن إسحاق عن رجال سمّاهم، ومن طريق الكلبي- قالوا جميعًا: إنّ عادًا كانوا أصحاب أوثانٍ يعبُدُونها، اتخذوا أصنامًا على مثال وُدٍّ، وسُواعٍ، ويَغُوثَ، ونَسْرٍ، فاتَّخذوا صَنَمًا يُقال له: صَمُودُ، وصَنمًا يقال له: الهتالُ، فبعث الله إليهم هودًا، وكان هودٌ مِن قبيلة يُقال لها: الخلودُ، وكان مِن أوسطِهم نَسَبًا، وأفضلِهم موضعًا، وأشرفِهم نفسًا، وأصبَحِهم وجهًا، وكان في مثل أجسادهم، أبيضَ، جَعْدًا، باديَ العَنفَقَةِ، طويلَ اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يُوَحِّدوه، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس، ولم يأمرْهم بغير ذلك، ولم يَدْعُهم إلى شريعة ولا إلى صلاةٍ، فأبَوْا ذلك، وكذَّبوه، وقالوا: ﴿من أشدُّ منا قوةً﴾ [فصلت:١٥]. فذلك قولُه تعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهُم هودًا﴾ كان من قومهم، ولم يكنْ أخاهم في الدينِ، ﴿قال يا قومِ اعبُدُوا الله﴾ يعني: وحِّدُوا اللهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، ﴿مّا لكم﴾ يقول: ليس لكم مِن إله غيرُه، ﴿أفلا تتقُون﴾ يعني: فكيف لا تتَّقون؟ ﴿واذكرُوا إذ جعلكُم خلفآء﴾ يعني: سُكّانًا في الأرض ﴿من بعد قومِ نوحٍ﴾ فكيف لا تعتبِروا فتؤمِنوا، وقد علِمتُم ما نَزَل بقوم نوح مِن النِّقمة حين عصَوه؟! ﴿فاذكروا آلاء اللهِ لعلكم﴾ يعني: هذه النعم، ﴿لعلكُم تُفلحونَ﴾ أي: كي تُفلِحوا. وكانت منازلهُم بالأحقافِ، والأحقافُ: الرَّمْلُ فيما بين عُمان إلى حضرموتَ باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسَدوا في الأرض كلِّها، وقهَروا أهلَها بفضل قوَّتِهم التي آتاهم اللهُ
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هودًا﴾، قال: ليس بأخيهم في الدِّين، ولكنَّه أخوهم في النسب؛ لأنّه منهم، فلذلك جعَلَه أخاهم
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: كان هود أولَ مَن تكَلَّم بالعربية، ووُلِد لهود أربعةٌ: قحطانُ، ومقحطٌ، وقاحطٌ، وفالغٌ، فهو أبو مُضرَ، وقحطانُ أبو اليمنِ، والباقون ليس لهم نَسْلٌ