قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها﴾، يقول: تزلزلتْ يوم القيامة من شدة صوت إسرافيل عليه السلام، يعني: تحرّكتْ، فتفطّرتْ حتى تكسّر كلّ شيء عليها بزلزالها مِن شدة الزلزلة، ولا تسكن حتى تُلقي ما على ظهرها مِن جبل، أو بناء، أو شجر، فيدخل فيها كلّ شيء خرج منها، وزُلزلت الدنيا فلا تلبث حتى تسكن
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أثْقالَها﴾، يقول: تحرّكت فاضطربتْ، وأخرجتْ ما في جوفها مِن الناس، والدوابّ، والجن، وما عليها من الشياطين، فصارت خالية ليس فيها شيء، وتُبسط الأرض جديدة بيضاء كأنها الفِضّة، أو كأنها خامة، ولها شعاع كشعاع الشمس، لم يُعمل عليها ذنب، ولم يُهرق فيها الدماء، وذلك أنه إذا جاءت النفخة الأولى يموت الخَلْق كلّهم، ثم تجيء النفخة الثانية؛ فأمّا الأولى فينادي من تحت العرش من فوق السماء السابعة، وأما الأخرى فمن بيت المقدس، يقعد إسرافيل على صخرة بيت المقدس، فيقول: أيّتها العظام البالية، والعروق المتقطِّعة، واللحوم المتمزِّقة، اخرجوا إلى فصل القضاء؛ لتُجازوا بأعمالكم. قال: فيَخرجون من قبورهم إلى الأرض الجديدة، وتُسمّى: الساهرة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَإذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٤]، وأيضًا ﴿وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أثْقالَها﴾ أخرجتْ ما فيها من الموتى والأموال
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ قال الكافر جزعًا: ما لها تنطق بما عُمل عليها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ يقول: تُخبر الأرض بما عُمل عليها من خير أو شرّ... ، فلما سمع الإنسان المُكذّب عمله قال جزعًا: ﴿ما لَها﴾؟ يعني: للأرض تُحدِّث بما عُمل عليها، فذلك قوله: ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ في التقديم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ يقول: تُخبر الأرض بما عُمل عليها مِن خير أو شرّ، تقول الأرض: وحَّد الله على ظهري، وصلّى عَلَيَّ، وصام، وحج، واعتمر، وجاهد، وأطاع ربّه، فيفرح المؤمن بذلك. وتقول للكافر: أشرَك على ظهري، وزنى، وسرق، وشَرب الخمر، وفعل، وفعل. فتوبّخه في وجهه، وتشهد عليه أيضًا الجوارح، والحفظة من الملائكة، مع علم الله عز وجل فيه، وذلك الخزي العظيم، فلما سمع الإنسان المُكذّب عمله قال جزعًا: ﴿ما لَها﴾؟ يعني: للأرض تُحدِّث بما عُمل عليها، فذلك قوله: ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ في التقديم، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ يقول: تشهد على أهلها بما عملوا عليها مِن خير أو شرّ، فلما سمع الكافر يومئذ قال: مالها تنطق؟ قال الملَك الذي كان موكّلًا به في الدنيا يكتب حسناته وسيئاته، قال: هذا الكلام الذي تسمع إنما شهدتْ على أهلها ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ يرجع الناس من بعد العرض والحساب إلى منازلهم من الجنة والنار متفرقين، كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣] يعني: يتفرّقون؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير، وذكر فيما تقدم: ﴿وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة:٢]، ثم ذكر هنا أنّ الناس أُخرِجوا ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ الخير والشّرّ، يعني: لكي يعاينوا أعمالهم، وأيضًا ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ يقول: انتصف الناس فريقين، والأشتات الذين لا يلتقون أبدًا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ نزلت في رجلين بالمدينة، كان أحدهما إذا أتاه السائل يستقلّ أن يُعطيه الكسرة أو التمرة، ويقول: ما هذا بشيء، إنما نُؤجر على ما نُعطي ونحن نحبّه. وقد قال الله عز وجل: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] فيقول: ليس هذا مما يحبّ. فيستقلّ ذلك، ويرى أنه لا يؤجر عليه، فيردّ المسكين صِفرًا، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير؛ الكذبة، والنظرة، والغِيبة، وأشباه ذلك، ويقول: ليس على مَن فعل هذا شيء، إنما وعد الله النار أهل الكبائر. فأنزل الله عز وجل يرغِّبهم في القليل مِن الخير أن يُعطوه لله، فإنه يوشك أن يكثر، ويُحذِّرهم اليسير مِن الشّرّ، فإنه يوشك أن يكثر، فالذّنب الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال الرواسي، ولجميع محاسنه التي عملها في دار الدنيا أصغر في عينه من حسنة واحدة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ يقول: مَن يعمل في الدنيا مِثقال ذرّة، يعني: وزن نملة أصغر النمل الأحمر التي لا تكاد نراها مِن صِغَرها، ﴿خيرًا﴾ في التقديم ﴿يَرَهُ﴾ يومئذ؛ يوم القيامة في كتابه أيضًا ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ في صحيفته، وذلك أنّ العرب كانوا لا يتصدَّقون بالشيء القليل، وكانوا لا يرون بالذَّنب الصغير بأسًا، فزّهدهم الله عز وجل في الذَّنب الحقير، ورغَّبهم في الصدقة القليلة، فقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ في كتابه، والذَّرة: أصغر النمل، وهي النملة الصغيرة، وأيضًا فمَن يعمل في الدنيا مِثقال ذرّة قدر نملة شرًّا يره يوم القيامة في كتابه... ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ في صحيفته