اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده. الثاني: لا تخافوا في الله لومة لائم، وذلك حق الجهاد. الثالث: اعملوا بالحق حق عمله. وهو قول الضحاك. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٦٤٠) القول الأول مستندًا إلى ظاهر اللفظ، والأغلب في الاستعمال، فقال: «والصواب من القول في ذلك: قولُ من قال: عنى به الجهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف مِن الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله. وحق الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه». وعلَّق على قول الضحاك، فقال: «وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض مَن في روايته نظر». وحكى ابنُ عطية (٦/٢٧٥) ما أفادته هذه الأقوال، ثم علّق بقوله: «والعموم حسن». ثم قال: «وبيّنٌ أن عُرفَ اللفظة يقتضي الجهاد في سبيل الله»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولو نشاء لطمسنا أعينهم... ﴾ الآيةَ على قولين: الأول: أن معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المحجة. وهو مروي عن ابن عباس، وعطاء، ومقاتل. الثاني: أنّ معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عميًا. وهو مروي عن الحسن، وقتادة. وقد ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٧٥) القولين، ثم قال مرجّحًا القول الثاني، ومنتقدًا القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية: «وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام؛ لأنّ الله إنما تهدد به قومًا كُفارًا، فلا وجه لأن يُقال وهم كفار: لو نشاء لأضللناهم. وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم، فصيرناهم عميًا لا يبصرون طريقًا، ولا يهتدون له. والطمس على العين: هو أن لا يكون بين جفني العين غر، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وهم لهم جند مجضرون﴾ على قولين: الأول: أن المعنى: وهم لهم جند محضرون يوم الحساب. الثاني: أن المعنى: وهم لهم جند محضرون في الدنيا، يغضبون لهم ويدافعون عنهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٤٨٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول الحسن، وقتادة، والكلبي، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن المشركين عند الحساب تتبرأ منهم الأصنام، وما كانوا يعبدونه، فكيف يكونون لها جندًا حينئذ، ولكنهم في الدنيا لهم جند يغضبون لهم، ويقاتلون دونهم». ووافقه ابنُ كثير (١١/٣٨٣) بقوله: «وهذا القول حسن». ووجّه ابنُ عطية (٧/٢٦٦) المعنى على القول الأول، بأنه: «على معنى التوبيخ والنقمة، وسماهم جندًا في هذا التأويل إذ هم عُدة للنقمة منهم وتوبيخهم». ووجّه المعنى على القول الثاني بأنه: «على معنى: وهؤلاء الكفار متجندون متحزبون لهذه الأصنام في الدنيا، لكنهم لا يستطيعون التناصر مع ذلك»
اختلف السلف في معنى اللهو على أقوال: الأول: أنه الغناء. الثاني: أنه الطبل. الثالث: أنه الشرك. الرابع: أنه أخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٥٣٩) صحّةَ جميع ذلك؛ للعموم في معنى ذلك، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: ﴿لهو الحديث﴾ ولم يخصص بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك». وذكر ابنُ عطية (٧/٤٢) هذه الأقوال وبعض روايات النزول، ثم رجّح مستندًا إلى ظاهر سياق الآية بقوله: «والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث مضاف إلى كفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾، وبالتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، ولهو الحديث: كل ما يلهي من غناء وخنا ونحوه». وعلّق ابنُ القيم (٢/٣١٧-٣١٨) على القول الأول والرابع، فقال: «ولا تعارض بين تفسير ﴿لهو الحديث﴾ بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يُحَدِّث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: لهو الحديث: الباطل والغناء. فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما». ثم قال: «والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم؛ فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان... إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإنّ الآيات تضمنت ذمَّ من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا»
نقل ابن عطية (١/١٥٢) أقوالًا أخرى في معنى الآية، وعلَّق على أحدها، فقال: «وقال ابن عباس: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة. وقال بعض المتأولين: المعنى أنهم يرون الثمر فيميِّزون أجناسه، حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. قال القاضي أبو محمد:»قول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض الرد. وقال بعض المفسرين: المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا، فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز. وقال قوم: إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيءٌ خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إشارة إلى الخارج في موضع المجني"". قال ابن كثير في التفسير ١/٢٠٥: «هذا حديث غريب»، ورجَّح أنه من كلام قتادة. وقال ابن حجر في فتح الباري ٦/٣٢٠: «لا يَصِحُّ إسناده»
علَّق ابنُ كثير (١/٤٠٥- ٤٠٦) على هذا الأثر بقوله: «وهذا السياق يقتضي أنّ الخطاب توجَّه إلى بني إسرائيل في قوله: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى، إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته. وهذا غريب جدًّا، إذ لا يُعرَف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون، ثم يوشع بن نون. وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أنّ هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك فمُنِع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟!»
عَلَّق ابنُ عَطِيَّة (٢/٢١٠) على الأقوال الواردة في تأويل السيِّد بقوله: «كُلُّ مَن فَسَّر مِن هؤلاء العلماء المذكورين السُّؤْدَد بالحِلْم فقد أحرز أكثر معنى السُّؤْدَد، ومَن جرَّد تفسيره بالعِلم والتُّقى ونحوه فلم يُفَسِّر بحسب كلام العرب، وقد تحصَّلَ العلمُ ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وتحصَّلَ التُّقى بباقي الآية». ثُمَّ ذكر (١/٤٢٩) عمومَ اللفظة لِكُلِّ ما ذُكِر، فقال: «وخصَّه الله بذكر السُّؤْدَد الذي هو الاحتمال في رِضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يَعُمُّ السُّؤْدَد، وتفصيله أن يقال: بذل النَّدى -وهذا هو الكرم-، وكفُّ الأذى -وهنا هي العِفَّة بالفرج واليد واللسان-، واحتمال العظائم -وهنا هو الحلم وغيره؛ مِن تَحَمُّلِ الغرامات، وجبر الكسير، والإفضال على المُسْتَرْفِد، والإنقاذ من الهلكات-»
مجموع ما قيل في معنى ﴿لايجرمنَّكم﴾ ثلاثة أقوال: الأول: لايَحْمِلنَّكم. والثاني: لا يكسِبنَّكم. والثالث: لا يُحِقَّنَّ لكم. وعلَّق ابنُ جرير (٨/٤٥)، وابن عطية (٣/٩١) على تلك الأقوال بأنها متقاربة المعنى. قال ابنُ جرير: «وهذه الأقوال التي حكيناها عَمَّن حكيناها عنه مُتَقارِبَة المعنى؛ وذلك أنّ مَن حَمَلَ رجلًا على بُغْضِ رجل فقد أكْسَبَه بُغْضَه، ومَن أكْسَبَهُ بُغْضَهُ فقد أحَقَّه له». ثم استحسن (٨/٤٦) ما قاله ابن عباس، وقتادة مستندًا إلى اللغة، فقال: «فإذا كان ذلك كذلك فالَّذي هو أحْسَنُ في الإبانَة عن معنى الحرف ما قاله ابنُ عباس وقتادة، وذلك توجيهُهُما معنى قوله: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: ولا يَحْمِلَنَّكم شَنَآنُ قوم على العدوان». وقال ابنُ عطية: «وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى». ثم قال: «فالتفسير الذي يخص اللَّفْظَة هو معنى الكسب»
أورد ابنُ عطية (٥/٤٢٩-٤٣٠) في نزول الآية قولين، فقال: «وقوله: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية». وعلَّق على القول بمكيتها بقوله: «والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرُّتَب من الذي يُدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله». ثم انتقده مستندًا إلى السياق، والتاريخ بقوله: «ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضًا فقوله: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تعلَّق بمعنى الآية على ما روى الجمع: أنّ كفار قريش لما مثلوا بحمزة وقع ذلك مِن نفس رسول الله ﷺ، فقال: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين». وفي كتاب النحاس وغيره: «بسبعين منهم». فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن. فنزلت هذه الآية»
اختُلِف في قراءة قوله: ﴿فناداها من تحتها﴾؛ فقرأ قوم: ‹مَن›، وقرأ آخرون: ﴿مِن﴾. وذكر ابنُ عطية (٦/٢١-٢٢) أن القراءة الأولى بالفتح على أن ‹مَن› فاعل «نادى»، والمراد بـ‹مَن› عيسى. وأنّ قراءة كسر الميم تأتي على أنها لابتداء الغاية، وأنهم اختلفوا في التفسير؛ فقال بعضهم: المراد: عيسى. وقال آخرون: المراد: جبريل المجاور لها قبل. وبنحوه ابنُ جرير (١٥/٥٠٠-٥٠١). وذكر ابنُ كثير (٩/٢٣٣) أنّ قراءة الفتح بمعنى: الذي تحتها. وقراءة الكسر على أن ﴿مِن﴾ حرف جر. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٥٠٥) أن المنادِي عيسى، ثم رجَّح صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى المعنى، فقال: «وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله ﴿فناداها﴾ ذِكرٌ من عيسى، وإذا قرئ ‹مَن تَحْتَها› بالفتح كان الفعل لـ‹مَن›، وهو عيسى»