رجَّحَ ابن جرير (١/٥٩٠-٥٩١) مُسْتَدِلًّا بالسياقِ، وأقوالِ الحجّة من أهل التأويلِ أن يكون المقصود بقوله: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أي: بيان من أمري وطاعتي، ورشادٌ إلى سبيلي وديني، فقال: «وقول أبي العالية في ذلك، وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية؛ فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبه بظاهر التلاوة أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم مني، يا معشر من أهبطتُه إلى الأرض من سمائي، وهو آدم وزوجته وإبليس، كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها: إما يأتينكم مني بيان من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتَّبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليَّ معصية، وخلاف لأمري وطاعتي. يعرِّفهم بذلك -جَلَّ ثناؤه- أنّه التائب على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيم لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾، وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم -جلَّ ثناؤه-: ﴿اهبطوا منها جميعا﴾، والذين خُوطِبوا به هم مَن سمَّينا في قول الحُجَّة من الصحابة والتابعين الذين قد قَدَّمنا الرواية عنهم. وذلك وإن كان خطابًا من الله -جلَّ ذِكْرُه- لِمَن أُهبِط حينئذ من السماء إلى الأرض، فهو سنة الله في جميع خلقه، وتعريف منه بذلك للذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة:٦]، وفي قوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة:٨]، وأنّ حكمه فيهم إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد ﷺ، أنّهم عنده في الآخرة مِمَّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأنّهم إن هلكوا على كفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة كانوا من أهل النار المُخَلَّدين فيها»
اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾؛ فقال قوم: المعنى: فإذا أمنتم مِمَّن كنتم تخافونه على أنفسكم حال صلاتكم فصَلُّوا. وقال آخرون: المعنى: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٣٩٦ بتصرف) القولَ الأول، وانتَقَدَ الثانيَ الذي قاله مجاهد مستندًا إلى الإجماع، والسياق، فقال: «هذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد قولُ غيرِه أوْلى بالصواب منه؛ لإجماع الجميع على أنّ الخوف متى زال فواجبٌ على المصلي المكتوبةَ -وإن كان في سفرٍ- أداؤُها بركوعها وسجودها وحدودها، وقائمًا بالأرض غيرَ ماشٍ ولا راكب، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيمًا في مصره وبلده، إلا ما أبيح له مِن القصر فيها في سفره. ولم يجرِ في هذه الآية للسفر ذِكْرٌ، فيتوجه قوله: ﴿فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ إليه. فإن كان جرى للسفر ذِكْرٌ، ثم أراد الله -تعالى ذكره- تعريفَ خلقه صفةَ الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ولم يقل: ﴿فإذا أمنتم﴾». وعلَّق ابنُ عطية (١/٦٠٥) فقال: «وفي هذا تحويم على المعنى كثير». وذكَر قولَيْن آخَرَيْن: الأول: أن المعنى: فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاة من الصلوات، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه». الثاني: فإذا كنتم آمنين قبل، أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي: صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي: فصَلُّوا كما علَّمكم صلاةً تامةً، وذكر أن النقاش حكاه هو وغيره. ثم علَّق بقوله: «وقوله -على هذا التأويل- ﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من»ما«التي في قوله: ﴿كما﴾، وإلا لم يتَّسِق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ﴿ما﴾ مفعولة بـ﴿علمكم﴾»
وجّه ابنُ جرير (٥/٥٠١) معنى الآية على قول مَن جعل قوله تعالى: ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾ مِن قول بعضهم لبعض، فقال: «فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو أن يحاجوكم عند ربكم: أي: ولا تؤمنوا أن يحاجكم أحد عند ربكم. ثم قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: قل يا محمد: إن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، وإن الهدى هدى الله». وذكر ابنُ عطية (٢/٢٥٥) أنّ الآية على قول مجاهد تحتمل عدة احتمالات، فقال: «والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني: أحدها: ولا تصدقوا تصديقًا صحيحًا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم؛ كراهة أو مخافة أو حذارًا أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذرًا أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه. وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر، مع المعرفة بصحة نبوة محمد ﷺ، ويحتمل أن يكون التقدير: أن لا يؤتى، فحذفت»لا«لدلالة الكلام، ويحتمل الكلام أن يكون معناه: ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضدًا له، فإن ذلك لا يؤتاه غيركم، ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾ بمعنى: إلا أن يحاجوكم، كما تقول: أنا لا أتركك أو تقتضيني حقي، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب بمحمد ﷺ على اعتقاد منهم أنّ النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل، ويحتمل الكلام أن يكون معناه: ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته، إذ قد علمتم صِحَّتها، إلا لليهود الذين هم منكم، و﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾ صفة لحال محمد، فالمعنى: تَسَتَّروا بإقراركم أن قد أوتي أحد مثل ما أوتيتم، أو فإنهم يعنون العرب يحاجوكم بالإقرار عند ربكم»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المخاطب بهذه الآية على أربعة أقوال: أولها: أنّه خطاب لورثة الأزواج ألّا يمنعوهن من التزويج. وهذا قول ابن عباس، والحسن، وعكرمة. وثانيها: خطاب للأزواج ألّا يعضلوا نساءهم بعد الطلاق، كما كانت قريش تفعل في الجاهلية. وهو قول ابن زيد. وثالثها: أنه خطاب للأزواج ألّا يحبسوا النساء كرهًا؛ ليفتدين نفوسهن، أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج. وهذا قول قتادة، والشعبي، والسدي، والضحاك، وغيرهم. ورابعها: أنّه خطاب للأولياء. وهذا قول مجاهد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٣٠-٥٣١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنّما قلنا ذلك أولى بالصِّحَّة لأنّه لا سبيلَ لأحدٍ إلى عضل امرأة إلّا لأحد رجلين: إمّا لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كارِهٌ، مضارّة منه لها بذلك؛ ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك. أو لوليِّها الذي إليه إنكاحُها. وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنّه ليس مِمَّن أتاها شيئًا فيُقال -إنْ عضلها عن النكاح-: عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها. كان معلومًا أنّ الذي عنى اللهُ -تبارك وتعالى- بنهيِه عن عضلها هو زوجُها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضِرارًا لتفتدي منه». ثُمَّ قال مُنتَقِدًا الأقوال الأخرى: «وإذا صحَّ ذلك، وكان معلومًا أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يجعل لأحدٍ السبيلَ على زوجته بعد فراقه إياها وبينونتها منه فيكون له إلى عضلِها سبيلٌ لتفتدي منه مِن عَضْله إياها، أتت بفاحشة أم لم تأت بها، وكان الله -جل ثناؤه- قد أباح للأزواج عضلَهُنَّ إذا أتين بفاحشة مبيِّنة حتى يَفْتَدِينَ منه، كان بيِّنًا بذلك خطأُ التأويل الذي تأوّله ابن زيد، وتأويلِ من قال: عنى بالنهي عن العضل في هذه الآية أولياءَ الأيامى، وصحةُ ما قلنا فيه». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢/٥٠٠)
أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى الطَّوْلِ في الآية على قولين: أحدهما: أنّ معناه: الفضل، والمال، والسّعة. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، والسدي. والآخر: المراد: أنّ معناه: الهوى. وهذا قول ربيعة، وإبراهيم النخعي، وجابر، وعطاء. ورجَّحَ ابن جرير (٦/٥٩٤-٥٩٥) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثاني مستندًا إلى الإجماع، ودلالة النظير، والعقل، وعَلَّلَ ذلك بـ: «إجماع الجميع على أنّ الله -تبارك وتعالى- لم يُحَرِّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطَّوْل إلى الحُرَّة، فأَحَلَّ ما حَرَّم مِن ذلك عند غلبته المحرم عليه له لقضاء لذة. فإن كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول فمِثلُه في التحريم نكاحُ الإماء لواجد الطَّول: لا يحل له مِن أجل غلبة هوى سره فيها؛ لأنّ ذلك مع وجوده الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه ما حَرَّم عليهم منها في غيرها من الأحوال، ولم يرخص الله -تبارك وتعالى- لعبد في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أنّ رجلًا لو غلبه هوى امرأة حرة أو أمةٍ أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به؛ ما يُوَضِّحُ فسادَ قولِ مَن قال: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطَّول لحرة نكاح الإماء. فتأويلُ الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا: ومَن لم يجد منكم سعةً مِن مال لنكاح الحرائر فلينكح مِمّا ملكت أيمانُكم»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ على قولين: أحدهما: لا يأكل بعضكم أموالَ بعض بما حرّمَ عليه، من الربا، والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها. وهذا قول السدي، وابن عباس من طريق عكرمة. والآخر: أنه نهي عن أن يأكل بعضُهم طعامَ بعض إلا بشراء، وكان القِرى محظورًا بهذه الآية، حتى نسخ ذلك قولُه تعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١]. وهذا قول الحسن، وعكرمة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٢٨) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثاني استنادًا إلى الإجماع، وأحوال النزول، ودلالة العقل، فقال: «أولى هذين القولين بالصواب في ذلك قولُ السدي؛ وذلك أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ الله لم يُحِلَّ قطُّ أكلَ الأموال بالباطل. وإذْ كان ذلك كذلك فلا معنى لقول مَن قال: كان ذلك نهيًا عن أكل الرجل طعامَ أخيه قرًى على وجه ما أذن له، ثم نُسخ ذلك؛ لنقل علماء الأمّة جميعًا وجُهّالها أنّ قِرى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ اللهُ أهلها عليها، وندبهم إليها، وأنّ الله لم يُحَرِّم ذلك في عصر من العصور، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه. وإذ كان ذلك كذلك فهو من معنى الأكل بالباطل خارجٌ، ومِن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل؛ لأنّ النسخَ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة. وإذ كان ذلك كذلك صحَّ القول الذي قلناه: مِن أنّ الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله، أو على لسان رسوله ﷺ، وشذّ ما خالفه»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ على قولين: الأول: كما بدأكم أشقياء وسعداء كذلك تبعثون يوم القيامة. وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وجابر، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب، والسدي. الثاني: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا تعودون بعد الفناء. وهو قول الحسن، وقتادة، وابن عباس من طريق عطية العوفي، ومجاهد، وابن زيد. ووجَّه ابنُ عطية (٣/٥٤٨) القول الأول بقوله: «فالوَقْف في هذا التأويل على قوله: ﴿تَعُودُونَ﴾ غير حسن، و﴿فَرِيقًا﴾ على هذا التأويل نصبٌ على الحال، والثاني عطف على الأول». ووجَّه (٣/٥٤٧) القول الثاني بقوله: «أي: كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت، فالوقف على هذا التأويل على ﴿تَعُودُونَ﴾، و﴿فَرِيقًا﴾ نصب على ﴿هَدى﴾، والثاني منصوب بفعل تقديره: وعذَّب فريقًا أو أضل فريقًا حق عليهم». ورجَّح ابنُ جرير (١٠/١٤٦-١٤٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الثاني، وعلَّل ذلك بأنّ الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يُعْلِم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهل جاهلية، لا يؤمنون بالمعاد، ولا يصدقون بالقيامة، فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بالبعث، والثواب والعقاب، «وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لأن يُؤْمَر بدعاء مَن كان جاحدًا النشور بعد الممات إلى الإقرار بالصفة التي عليها يُنشَر مَن نُشِر، وإنّما يؤمر بالدعاء إلى ذلك مَن كان بالبعث مُصَدِّقًا، فأمّا مَن كان له جاحدًا فإنّما يُدعى إلى الإقرار به، ثم يُعَرَّف كيف شرائط البعث». ووافقه ابنُ القيم (١/٣٨٥)، وانتَقَد القول الأول، فقال: «وهذا المعنى صحيحٌ في نفسه، دلَّ عليه القرآن، والسنة، والآثار السلفية، وإجماع أهل السنة، وأمّا كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه»
اختُلِف في معنى الخِفَّة والثّقَل اللَّذَيْن أمر الله بهما في الآية على ستّة أقوال: أولها: أنّ المعنى: شبابًا، وشيوخًا. وثانيها: أنّ المعنى: مشاغيل، وغير مشاغيل. وثالثها: أنّ المعنى: نِشاطًا، وغيرَ نِشاط. ورابعها: أنّ المعنى: في اليسر والعسر، فقراء وأغنياء. وخامسها: أنّ المعنى: رُكبانًا، ومُشاةً. وسادسها: أنّ المعنى: ذا ضيعةٍ، وغيرَ ذي ضيعةٍ. وذهب ابنُ جرير (١١/٤٧٤) إلى أنّ كلَّ تلك الأقوال تدخل تحت الآية، مستندًا إلى عموم لفظها، فقال: «أولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمَرَ المؤمنين بالنَّفر لجهاد أعدائه في سبيله، خفافًا وثقالًا. وقد يدخل في الخِفاف كلُّ مَن كان سهلًا عليه النفر لقوة بدنه على ذلك، وصحة جسمه، وشبابه، ومَن كان ذا يُسْرٍ بمالٍ، وفراغ من الاشتغال، وقادرًا على الظهر والركاب. ويدخل في الثِّقال كلُّ مَن كان بخلاف ذلك، مِن ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومِن مُعسِرٍ من المال، ومشتغلٍ بضَيْعَة ومعاش، ومَن كان لا ظهرَ له ولا ركاب، والشيخ، وذو السِّن، والعِيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال مَن وصفنا مِن أهل الصفات التي ذكرنا، ولم يكن الله -جل ثناؤُه- خصَّ مِن ذلك صنفًا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول ﷺ، ولا نَصَب على خصوصه دليلًا؛ وجب أن يُقال: إنّ الله -جل ثناؤه- أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافًا وثقالًا مع رسوله ﷺ، على كل حالٍ مِن أحوال الخفّة والثقل». وهو ظاهر قول ابن كثير (٧/٢٠٨). وقال ابنُ عطية (٤/٣٢٠): «هذه الأقوال إنّما هي على معنى المثال في الثِّقل، والخِفَّة»
اختلف في معنى: ﴿سِجِّيلٍ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها لفظة غير عربية استعملها العرب، ومعناها: طين. الثاني: أنها اسم السماء الدنيا. ونقل ابنُ جرير أقوالًا أخرى عن أهل العربية منها: الثالث: أنّها مِن الحجارة الصلب الشديد. الرابع: أنّها مِن قول القائل: أسْجَلْتُه: أرسلته، أي: مُرسَلَةٌ عليهم. الخامس: أنها مِن سَجَلْتُ له سَجْلًا مِن العطاء، أي: مُنِحوا ذلك البلاء فأُعْطُوه. السادس: أنها مِن السِّجِلِّ؛ لأنّه كان فيها عَلَمٌ كالكتاب. السابع: طينٌ يُطبَخ كما يُطبَخ الآجُرُّ. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٢٨) القول الأول، وهو قول ابن عباس وما في معناه، فقال: «والصوابُ مِن القول في ذلك عندنا ما قاله المفسرون، وهو أنّها مِن طين، وبذلك وصفها الله عز وجل في كتابه في موضع آخر، وذلك قوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات:٣٣-٣٤]». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٤/٦٢٧) إلّا أنّه بيَّن أن من قال به ذهب إلى أنّ أصله مِن طين، وأن الحجارة التي رُمُوا بها كانت كالآجُرّ المطبوخ، وأن هذا معنى قول الحسن، فقال: «وهذا قول يشبه، وهو الصواب الذي عليه الجمهور». ونقل عن فرقة قولًا ذَكَر أنّه يمكن ردُّه للقول الذي رجحه، وهو أن معنى: ﴿سِجِّيلٍ﴾: حَجَر مخلوطٌ بطين، أي: حَجَر وطين. ثم علَّق (٤/٦٢٧-٦٢٨) عليه بقوله: «لأنّ الآجُرَّ وما جرى مجراه يمكن أن يُقال فيه: حجر وطين؛ لأنّه قد أخذ مِن كل واحد بحظِّه، وهي مِن طين مِن حيث هو أصلها، ومن حجر من حيث صلبت». وانتقد ابنُ عطية (٤/٦٢٦) القول الثاني مستندًا إلى دلالة ألفاظ الآية قائلًا: «وهذا ضعيف، ويَرُدُّه وصفه بـ﴿منضود﴾»، وانتقد (٤/٦٢٧) القول الرابع والسادس أيضًا
اختلف في وجْه وصف الرياح بأنها ﴿لواقح﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنها لواقح بمعنى: لاقِحة مُلْقِحَة. الثاني: أنها لواقح بمعنى: مُلْقِحة. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٤٣) مستندًا إلى أقوال السلف القول الأول، وهو قول ابن مسعود وما في معناه، فقال: «والصوابُ مِن القول في ذلك عندي: أنّ الرياح لواقح كما وصفها به -جلَّ ثناؤه- مِن صفتها، وإن كانت قد تُلْقِحُ السحاب والأشجار، فهي لاقِحَةٌ مُلْقِحَةٌ، ولَقْحُها حَمْلُها الماء، وإلقاحُها السحابَ والشجرَ عملُها فيه، وذلك كما قال عبد الله بن مسعود». ونقل ابنُ عطية (٥/٢٨٢) في معنى الآية أنه «يُقال: لقحت الناقة والشجرة فهي لاقحة إذا حملت، والرياح تلقح الشجر والسحاب، فالوجْه في الريح أنها مُلَقِّحَة لا لاقحة». ثم ذكر أن صفة الريح بـ﴿لواقح﴾ تتَّجه على أربعة أوجه: الأول ورجَّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أوَّلها وأَوْلاها: أن جعلها لاقحة حقيقة، وذلك أنّ الريح منها ما فيها عذاب أو ضر أو نار، ومنها ما فيه رحمة أو مطر أو نصر أو غير ذلك، فإذًا هي تحمل ما حمَّلَتها القدرة، أو ما علقته من الهواء أو التراب أو الماء الذي مرت عليه، فهي لاقحة بهذا الوجه، وإن كانت أيضًا تلقح غيرها وتصير إليه نفعها، والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمي الشمال الحايل والعقيم ومَحْوة؛ لأنها تمحو السحاب». الثاني: «أن يكون وصفها بـ﴿لَواقِحَ﴾ من باب قولهم: ليل نائم. أي: فيه نوم ومعه. ويوم عاصف. ونحوه». وعلَّق عليه بقوله: «فهذا على طريق المجاز». الثالث: «أن تُوصَف الرياح بـ﴿لَواقِحَ﴾ على جهة النسب، أي: ذات لقح». واستشهد ببيت من الشعر. الرابع: «أن يكون ﴿لَواقِحَ﴾ جمع: ملقحة. على حذف زوائده، فكأنه»لَقِحَة«، فجمعها كما تجمع لاقحة»، واستشهد ببيت من الشعر