ذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏٣٢١) في قوله: ﴿يثنون﴾ قراءتين: الأولى: ﴿يثنون﴾ على تقدير: يفعلون من الفعل ثنيت، ونسب هذه القراءة إلى عامة قراء الأمصار. الثانية: نسبها ابن جرير لابن عباس أنه قرأ ذلك: ﴿تثنوني﴾ على وزن: تفعوعل. ثم رجّح ابن جرير مستندًا إلى إجماع قراء الأمصار القراءة الأولى، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ على مثال: يفعلون». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٣٩-٥٤٠) في معنى الآية احتمالين: الأول: أنّ ذلك كان من الكفار حين يلقون رسول الله تطامنوا، وثنوا صدورهم كالمستتر، ورَدُّوا إليه ظهورهم، وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدًا منه وكراهةً للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه وعلى الله عز وجل. الثاني: أنّ ذلك استعارة للغِلِّ والحِقد الذي كانوا يَنطَوُون عليه ويتكتمون عليه ظنًّا منهم أنه يخفى على الله. ثم ذكر قراءة ابن عباس وبيّن أنها تحتمل هذين الاحتمالين من التفسير. وذكر ابنُ كثير (٧‏/‏٤١٤) قراءة ابن عباس، وعلّق عليها، فقال: «وقرأ ابن عباس: (ألَآ إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ)، برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن اللغو هو ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كرامًا إعراضهم عنهم وصفحهم. الثاني: كانوا إذا ذكروا النكاح كنَوا عنه. الثالث: أنهم إذا مروا بإفك المشركين ينكرونه. الرابع: أن اللغو المعاصي كلها. وقد رجّح ابن جرير (١٧‏/‏٥٢٥) مستندًا إلى اللغة والعموم جميعَها، فقال: «واللغو في كلام العرب: هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح؛ فسبُّ الإنسانِ الإنسانَ بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو، وذكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن، فهو مِن اللغو، وكذلك تعظيمُ المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو أن يُقال: عُنِي به بعض ذلك دون بعض. إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٤٦٢-٤٦٣) مستندًا إلى عموم اللفظ، فقال: «واللغو: كل سقط من فعل أو قول، يدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين، وذكر النساء، وغير ذلك من المنكر»

قال ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٩١) ردًّا على سؤال مفاده: كيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم؟: «معنى ذلك: فإنهم عدوّ لي -لو عبدتهم- يوم القيامة، كما قال -جلّ ثناؤه-: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١-٨٢]». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٨٩): «عَبَّرَ عن بغضته واطّراحه لكل معبود سوى الله تعالى بالعداوة؛ إذ هي تقتضي التفسير، وقيل: في الكلام قَلْبٌ؛ لأن الأصنام لا تعادي، وإنما هو عاداها». وقال ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٥١-٣٥٢): «أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير فَلْتَخْلُص إلَيّ بالمساءة، فإنِّي عدو لها، لا أباليها، ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مُخْبِرًا عن نوح عليه السلام: ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون﴾ [يونس:٧١]. وقال هود عليه السلام: ﴿إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود:٥٤-٥٦]»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿هذا عطاؤنا﴾ على أقوال: الأول: أنّه المُلك الذي أعطاه الله. الثاني: ذلك تسخيره له الشياطين. الثالث: أنه ما أوتي من القوة على الجماع. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏١٠٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك مِن أنه عُنِي بالعطاء: ما أعطاه مِن المُلك -تعالى ذِكْرُه-، وذلك أنه -جلَّ ثناؤه- ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان -صلوات الله وسلامه عليه- إيّاه مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له -عزَّ ذِكْرُه-: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك». ووافقه ابنُ عطية (٧‏/‏٣٥٠) مستندًا إلى السياق بقوله: «وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك، وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة، ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصحُّ الأقوال وأجمعها لتفسير الآية»

ذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏١٣٠-١٣١) هذه القراءة، ثم علَّق عليها، فقال: «وقرأ ذلك بعضُ المكيين وبعض البصريين: ‹وأُخَرُ› على الجماع، وكأنّ مَن قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج -وهي جمع- نعتًا لواحد، فلذلك جمع أُخَر لتكون الأزواج نعتًا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنين كما بينا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان». وذكر ابنُ جرير قراءة من قرأ ذلك بالتوحيد، وعلَّق عليها، فقال: «عامة قراء المدينة والكوفة: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان ضروب وأنواع، وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج: الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل: أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة». ثم رجَّحها مستندًا إلى الأصحّ لغة وأقوال أهل التأويل بقوله: «وأعجب القراءتين إلَيَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخر﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قراء الأمصار، وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصح مخرجًا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل: إنه الزمهرير»

اختُلِف في معنى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنهم عضُّوا أصابعهم غيظًا. الثاني: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم. الثالث: أنهم كذبوهم بأفواههم، وردُّوا عليهم قولهم. الرابع: أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل؛ ردًّا لقولهم. ووجَّه ابنُ جرير (١٣‏/‏٦٠٨) القول الثالث، وهو قول مجاهد، وقتادة بقوله: «وكأنّ مجاهدًا وجَّه قوله: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾ إلى معنى: ردُّوا أياديَ الله التي لو قبلوها كانت أياديَ ونعمًا له عندهم، فلم يقبلوها، ووجَّه قوله: ﴿فِي أفْواهِهِمْ﴾ إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٨‏/‏١٨٢) بقوله: «ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فكأنّ هذا -والله أعلم- تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٦٠٩) القول الأول مستندًا إلى النظائر، ولغة العرب، وهو قول ابن مسعود، وابن زيد، فقال: «وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضُّوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩]، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من ردِّ اليد إلى الفم». وحكى ابنُ عطية (٥‏/‏٢٢٨) عن المهدوي قولًا وصفه بالضعف، «وهو أنّ المعنى: أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في أفواه الرسل». وانتقده قائلًا: «وهذا عندي لا وجْه له». وذكر أنّ «الأيدي» في هذه الآية قد تتأول بمعنى: الجوارح، وقد تتأول بمعنى: أيدي النعم، ثم قال: «ومما ذكر على أن الأيدي: أيدي النعم، ما ذكره الزجاج، وذلك أنّهم ردُّوا آلاء الرسل في الإنذار والتبليغ بأفواههم، أي: بأقوالهم، -فوصل الفعل بـ»فِي«عوض وصوله بـ»الباء«- وروي نحوه عن مجاهد وقتادة». ثم بيَّن أن المشهور في جمع «يد» النعمة: أياد، وأنها لا يجمع على «أيد»، ثم قال: «إلا أنّ جمعه على أيدٍ لا يكسر بابًا ولا ينقض أصلًا، وبحسبنا أن الزجاج قدَّره وتأول عليه». وذكر أن اللفظ يحتمل -على هذا- معنًى ثانيًا، وهو أن يكون المقصد: رَدُّوا إنعام الرسل في أفواه الرسل، أي: لم يقبلوه، كما تقول لمن لا يعجبك قوله: أمسك يا فلان كلامك في فمك. ثم علَّق بقوله: «ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالًا ساغ هذا فيها، كما تقول: كسرتُ كلام فلان في فمه، أي: رددتُه عليه، وقطعته بقِلَّة القبول والردِّ». ونقل أنّ المهدوي حكى عن مجاهد أنّه قال: معناه: ردوا نِعم الرسل في أفواه أنفسهم بالتكذيب والنَّجْه

انتَقَد ابنُ تيمية (١‏/‏٢٧١-٢٧٣ بتصرف) هذا الحديث مستندًا إلى ضعف إسناده، ومخالفته للدلالة المستفيضةِ للتاريخ، فقال: «وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، وهذا مما أنكره عليه العلماء؛ فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك، بل كذاب، ومما يبين ذلك أنّ قوله: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسِّيَر في اليهود المجاورين للمدينة أولًا كبني قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج، وهم الذين عاهدهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، ثم لما نقضوا العهد حاربهم، فحارب أولًا بني قينقاع، ثم النضير، ثم قريظة عام الخندق، فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟! فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب، ومما يبين ذلك أنّه ذُكِر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله، وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به، فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له»

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المعنى: فأتوهن من حيث أمركم الله باعتزالهنَّ في حال الحيض، وهو الفَرْج. وذهب آخرون إلى أنّ المعنى: فأتوهن من قُبُل الطُّهْرِ، لا من قُبُلِ الحيض. وذكر قوم أنّ المعنى: فأتوهن من قِبَل الحلال، لا الزِّنا. وذكر آخرون أنّ المعنى: فأتوهن من قِبَل حال الإباحة، لا صائمات ولا محرمات ولا نحو ذلك. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٧٤٠-٧٤١) القولَ الثاني الذي قال به ابن عباس من طريق عطية العوفي وأبي رزين، وعكرمة من طريق العتكي، وقتادة من طريق مَعْمَر، والسدي، والضحاك، مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ كل أمر بمعنًى فنهْيٌ عن خلافه وضِدِّه، وكذلك النَّهْيُ عن الشيء أمرٌ بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾: فأتوهن من قبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهنَّ من قبله في حال حيضهن؛ لَوَجَبَ أن يكون قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تأويله: ولا تقربوهن في مخرج الدم دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فيكون مطلقًا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن. وفي إجماع الجميع على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حَرَّمه في حال الطُّهْرِ، ولا حَرَّم من ذلك في حال الطُّهْرِ شيئًا أحلَّه في حال الحيض، ما يعلم به فساد هذا القول»

اختُلِف في قراءة ﴿تبلوا﴾؛ فقرأ قوم: ﴿تبلوا﴾. وقرأ آخرون: ﴿تتلوا﴾. وذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏١٧٣-١٧٤) أنّ قراءة الباء بمعنى: عند ذلك تُختَبَر كلُّ نفس ما قدمت [كذا أثبتها وصححها الشيخ شاكر ١٥‏/‏٨٠، وفي طبعة التركي: بما قدمت] مِن خير أو شر. وبيَّن أن قراءة التاء اختُلِف في تفسيرها؛ فمنهم مَن فسرها بمعنى: تتبع ما قدَّمته من خير وشر. وفسَّرها آخرون: بالقراءة. وفسرها غيرهم: بالمعاينة. وبنحوه قال ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٧). وكذا ابنُ كثير (٧‏/‏٣٥٩-٣٦٠). ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏١٧٤-١٧٥) صِحَّة كِلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، واستفاضتهما، فقال: «والصوابُ من القول في ذلك أن يُقال: إنّهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما أئمةٌ مِن القراء، وهما متقاربتا المعنى؛ وذلك أنّ مَن تبع في الآخرة ما أسلف من العمل في الدنيا هُجِم به على مَورده، فيُخبَر هنالك ما أسلف من صالح أو سيِّءٍ في الدنيا، وإنّ مِن خَبَر ما أسلف في الدنيا مِن أعماله في الآخرة فإنما يُخبَر بعد مصيره إلى حيث أحلّه ما قدم في الدنيا من عمله، فهو في كلتا الحالتين مُتَّبِعٌ ما أسلف مِن عمله، مُخْتَبِر له، فبأيتهما قرأ القارِئُ كما وصفنا فمصيبٌ الصوابَ في ذلك»

للسلف في تفسير قوله: ﴿وأخفى﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أنه ما حدَّث الإنسان به نفسه ولم يعمله. الثاني: أنه ما علمَ الله مما هو كائن. الثالث: ﴿وأخفى﴾ فعل ماضٍ، والمعنى: أن الله أخفى سرَّه عن عباده فلا يعلمه أحد منهم. وهو قول ابن زيد. وقد رجّح ابن جرير (١٦‏/‏١٦-١٧) مستندًا إلى ظاهر الآية والدلالة العقلية القولَ الثاني، وانتقد قول ابن زيد مستندًا إلى اللغة، فذكر أنّ المعنى أن الله «يعلم السر وأخفى من السر؛ لأن ذلك هو الظاهر من الكلام، ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد لكان الكلام: وأخفى الله سرَّه. لأنّ»أخفى«فعلٌ واقعٌ مُتَعَدِّ، إذ كان بمعنى»فعَل«على ما تأوله ابن زيد، وفي انفراد أخفى من مفعوله، والذي يعمل فيه لو كان بمعنى»فعَل«الدليل الواضح على أنه بمعنى أفعل، وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه. فإذ كان ذلك تأويله فالصواب من القول في معنى أخفى من السر أن يُقال: هو ما علم الله مما خفي عن العباد، ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن؛ لأنّ ما ظهر وكان فغير سِرٍّ، وأن ما لم يكن وهو غير كائن فلا شيء، وأن ما لم يكن وهو كائن فهو أخفى من السر، لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، ثم مَن أعلمه ذلك من عباده»