رجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٤٨-٣٤٩)، وكذا ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٥) بالدلالة العقلية تأويل مزيدة هذا -ووقع في النسخة المطبوعة من تفسير ابن جرير في هذا الموضع: بريدة- أثناء كلامهما على الآية (٩٤) عند قوله تعالى: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فقال ابن جرير: «هذه الآية تدل على أن تأويل بريدة الذي ذكرنا عنه في قوله: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ والآيات التي بعدها أنه عني بذلك: الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، عن مفارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك [يعني: أمرهم بالوفاء بالعهد؛ لئلا ينقضوه لقلة أهل الإسلام، وكثرة أهل الشرك] هو الصواب، دون الذي قال مجاهد أنهم عنوا به؛ لأنه ليس في انتقال قوم تحالفوا عن حلفائهم إلى آخرين غيرهم صد عن سبيل الله، ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف -تعالى ذكره- في هذه الآية فاعلي ذلك أنهم باتخاذهم الأيمان دخلًا بينهم، ونقضهم الأيمان بعد توكيدها؛ صادون عن سبيل الله، وأنهم أهل ضلال في التي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بالله، لا صفة أهل النقلة بالحلف عن قوم إلى قوم». وقال ابنُ عطية: «وقوله: ﴿بما صددتم عن سبيل الله﴾ يدل على أن الآية فيمن بايع رسول الله ﷺ»

نقل ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٧٨-٤٧٩ بتصرف) في تفسير قوله تعالى: ﴿وكان الكافر على ربه ظهيرا﴾ قولين: الأول: أنّ معناه: مُعينًا. وهو المرويُّ عن السلف كما في الآثار. الثاني: أنّ معناه: هيِّنًا. ولم ينسبه لأحد من السلف، فقال: «وقد كان بعضُهم يُوَجِّه معنى قوله: ﴿وكان الكافر على ربه ظهيرا﴾، أي: وكان الكافر على ربه هينًا». ووجّهه بقوله: «وهو من قول العرب: ظهرت به فلم ألتفت إليه. إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه، وكأنّ الظهير كان عنده: فعيل، صُرِف مِن مفعول إليه مِن مظهور به. كأنه قيل: وكان الكافر مظهورًا به». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٤٤٨ بتصرف)، ثم قال: «فيكون معنى الآية على هذا التأويل احتقار الكفرة». ووجّه ابنُ عطية القول الأول بقوله: «فعلى أنّ الظهير: المعين؛ تكون الآية بمعنى توبيخهم على ذلك مِن أنّ الكُفّار يعينون على ربهم غيرهم من الكفرة والشيطان بأن يطيعوه ويظاهروه». وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى السياق القولَ الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «والقول الذي قلناه هو وجه الكلام، والمعنى الصحيح؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار مِن دونه، فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمه إيّاهم، وذم فعلهم دون الخبر عن هوانهم على ربهم، ولَمّا يجرِ لاستكبارهم عليه ذكر؛ فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿الذين هم عباد الرحمن﴾؛ فقرأ قوم: ‹الَّذِينَ هُمْ عِندَ الرَّحْمَنِ›، وقرأ غيرهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾. وذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٦٦-٥٦٧) أنّ من قرأوا بالنون كأنهم تأولوا في ذلك قول الله -جل ثناؤه-: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وأن تفسير الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبّحونه إناثًا، فقالوا: هم بنات الله جهلًا منهم بحقِّ الله، وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل، وأن القراءة الثانية بمعنى: جمع عبْد، وأنّ معنى الكلام عليها: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلْقه وعباده بنات الله، فأنّثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث. وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥٣٩) أن القراءة الأولى أدلُّ على رفع المنزلة وقُربها في التكرمة، كما قيل: مَلَك مقرّب. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٦٧) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وصحة معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله، وعنده». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٥٣٩) عليهما بقوله: «وقد تصرّف المعنيان في كتاب الله تعالى في وصف الملائكة في غير هذه الآية، فقال تعالى: ﴿بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء:٢٦]، وقال سبحانه في أخرى: ﴿فالذين عند ربك﴾ [فصلت:٣٨]»

اختُلِف في المراد بقوله: ﴿أثارة من علم﴾ على أقوال: الأول: الخطّ، ويتضمّن أمرين: حُسن الكتابة، والقيافة في الأرض. الثاني: خاصّة من علم. الثالث: علم تثيرونه فتستخرجونه. الرابع: تأثرون ذلك عِلمًا عن أحد ممن قبلكم. الخامس: بيّنة من الأمر. السادس: الإسناد. السابع: بقيّة من عِلم. ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏١١٥-١١٦) -مستندًا إلى اللغة- القول الأخير الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، والكلبي، وابن عياش، فقال: «لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وهي مصدر من قول القائل: أثُر الشيء أثارة، مثل سمُج سماجة». ثم قال: «وإذا وُجِّه ذلك إلى ما قلنا فيه مِن أنه بقيّة من عِلم؛ جاز أن تكون تلك البقيّة من عِلم الخطّ، ومِن علمٍ استُثير من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أُوثروا به». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٧-٨) أنّ الأثارة هي الدليل البيّن، ثم قال: «وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، وهي راجعة إلى ما قلنا». ونسب هذا الترجيح لابن جرير. وجمع ابنُ تيمية (٥‏/‏٥٤٧) بين تفسير الأثارة بالإسناد والخطّ بقوله: «والأثارة كما قال مَن قال مِن السلف: هي الرواية والإسناد. وقالوا: هي الخطّ أيضًا. إذ الرواية والإسناد يُكتب بالخطّ؛ وذلك لأنّ الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله مَن يُقبل قوله يؤثر بالإسناد، ويُقيّد بالخطّ؛ فيكون كل ذلك من آثاره»

رجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٤٥٧) أن ﴿استوى﴾ بمعنى: علا، وارتفع. فقال: «وأَوْلى المعاني بقول الله -جل ثناؤه-: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن﴾: عَلا عليهن، وارتفع، فدَبَّرَهُنَّ بقدرته، وخَلَقَهُنَّ سبع سموات». ثم تَعَجَّب ممن أنكر هذا المعنى المفهوم من كلام العرب؛ هربًا عند نفسه من أن يكون إنّما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، وانتَقَدَه (١‏/‏٤٥٧) بقوله: «يُقال له: زعمتَ أن تأويل قوله: ﴿استوى﴾: أقْبَلَ. أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها عُلُوَّ ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال». وعَلَّل ابنُ تيمية (١‏/‏١٨٥-١٨٦) تفسيرَ السلف له بالارتفاع بدلالة القرآن في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت:١١]: «وهذه نزلت في سورة (حم) بمكة، ثم أنزَل الله في المدينة سورةَ البقرة: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فلمّا ذَكَرَ أنّ اسْتِواءَه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض، وخلق ما فيها، تَضَمَّن معنى الصُّعُود؛ لأنّ السماء فوق الأرض، فالاستواءُ إليها ارتفاعٌ إليها». وعلَّقَ ابنُ كثير (١‏/‏٣٣٢) بقوله: «أي: قَصَد إلى السماء، والاستواءُ هاهنا تَضَمَّن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عُدِّي بـ﴿إلى﴾»

حكى ابنُ جرير (١‏/‏٥٠٥) خلافًا في معنى التسبيح في الآية: أهو التسبيح المعلوم، أم الصلاة؟ ثم جمع بين القولين بقوله: «فمعنى قول الملائكة إذن: ﴿ونحن نسبِّح بحمدك﴾: نُنَزِّهك، ونُبَرِّئُك مما يُضِيفُه إليك أهلُ الشرك بك، ونصلي لك. ﴿ونقدس لك﴾: ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأَدْناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك». وقال ابن القيم (١‏/‏١١٦): «المعنى: نُقَدِّسك، ونُنَزِّهُك عما لا يليق بك. هذا قول جمهور أهل التفسير». ونقل ابن عطية (١‏/‏١٦٨) أقوالًا في معنى الآية ووجَّهها، فقال: «قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ الآية، أم نتغير عن هذه الحال؟ قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: ﴿أتَجْعَلُ﴾. وقال آخرون: معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]. وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم: ﴿أتَجْعَلُ﴾؟ وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. وقال قوم: معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. وهذا أيضًا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أتَجْعَلُ﴾؟»

ذكر ابنُ جرير (٧‏/‏٢٦٨-٢٦٩) في معنى الشفاعة قولين: الأول: أنها شفاعة الناس بعضهم لبعض. كما في قول ابن زيد وقتادة والحسن ومجاهد وغيرهم. والثاني: أن المراد بالشفاعة الحسنة هو مناصرة أصحاب النبي في جهاد عدوهم، والشفاعة السيئة هو مناصرة العدو على المؤمنين. وهذا ما رجّحه ابنُ جرير مستندًا إلى السياق، فقال: «وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه ﷺ فيها بحض المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله ﷺ والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التي لم يجرِ لها ذِكْرٌ قبلُ ولا لها ذِكْرٌ بعدُ». هذا، ولم يستبعد ابنُ جرير القول الأول، بل ذهب إلى أنه يدخل في الآية بطريق العموم، فقال: «وقد قيل: إنه عنى بقوله: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾: شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا، ثم عمّ بذلك كل شافع بخير أو شر». وعلّق ابنُ عطية (٢‏/‏٦١٦-٦١٧) على الاختلاف في تفسير الآية بقوله: «وهذا كله قريبٌ بعضُه من بعض». وعرض ابنُ تيمية (٢‏/‏٣١٧بتصرف) القولين الذين حكاهما ابنُ جرير وغيرهما، ثم علَّق قائلًا: «وكل هذا صحيح، فكلُّ مَن أعان شخصًا على أمر فقد شفعه فيه»

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾؛ فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلمه بها. وقال آخرون: معناه: لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا. ورجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٥٨٣) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله عم الخبر بقوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾ أنّه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها. والرفع يعم معانيَ كثيرة: منها الرفع في المنزلة عنده، ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها، ومنها الرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع. وجائز أن يكون الله عنى كل ذلك أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كل ذلك بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا فالصواب من القول فيه أن لا يخص منه شيء؛ إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبر ولا عقل». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٩٠) قولًا آخر مفادهُ: أن رفعناه بمعنى: أخذناه. وذكر أنه كما تقول: «رفع الظالم إذا هلك» وأن الضمير في ﴿بها﴾ عائد على المعصية في الانسلاخ. وكذا نقل عن ابن أبي نجيح أنه قال بأن رفعناه معناه: لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ورفعناه عنها. وعلَّق عليه بقوله: «والضمير على هذا عائدٌ على الآيات». ورجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٢٨) مستندًا إلى ظاهر الآية أنّ القول الأول هو مراد الآية، وأنّ الثاني حقٌّ، وهو من لوازم المراد

للسلف في تفسير قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ ثلاثة تأويلات: الأول: فظنَّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. الثاني: فظنَّ أنه يُعْجِز ربَّه، فلن يقدر عليه. الثالث: أنه استفهام بمعنى: أفظن أن لن نقدر عليه؟. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٣٨١-٣٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية واللغة القول الأول، وانتقد القولين الآخرين، فقال: «وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: فظن يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه عقوبةً له على مغاضبته ربه. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكُفْرِ وقد اختاره لنبوته، ووصفه بأن ظن أن ربه يعجز عمّا أراد به ولا يقدر عليه وصفٌ له بأنّه جَهِلَ قدرةَ الله، وذلك وصفٌ له بالكفر، وغيرُ جائز لأحد وصفه بذلك. وأما ما قاله ابن زيد فإنه قولٌ لو كان في الكلام دليلٌ على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أنّ ذلك كذلك، والعربُ لا تحذِف مِن الكلام شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلًا على أنّه مُراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ دلالة على أنّ المراد به الاستفهام -كما قال ابن زيد- كان معلومًا أنه ليس به. وإذ فسد هذان الوجهان صحَّ الثالثُ، وهو ما قلنا». وانتقد ابنُ عطية (٦‏/‏١٩٥) القولَ الثاني بقوله: «وهذا قول مردود»

اختلف أهل التأويل في الوجه الذي أُمِرُوا أن يتمنوا الموت به، على قولين: الأول: الدعاء على الفريق الكاذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. الثاني: تشهي الموت وإرادته لا على وجه المباهلة. وجعل ابن جرير (٢/٢٦٧-٢٦٨) الأوّلَ للنّصارى، والثّاني لليهود، فقال: «وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهاجَرِه، وفضح بها أحْبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤُه- أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره الله أن يدعوَ الفريقَ الآخر من النصارى -إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة، وقال لفريق اليهود: إن كنتم مُحِقِّين فتَمَنَّوُا الموت، فإن ذلك غير ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل إن أُعْطِيتُم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونَصَبها وكَدَر عيشها، والفوزِ بجِوار الله في جنانه إن كان الأمر كما تزعمون مِن أنّ الدار الآخرة لكم خالصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناسُ أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنَّها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى -الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى؛ إذْ دُعُوا إلى المباهلة- من المباهلة». واسْتَدْرَك ابنُ كثير (١/٤٩٦-٤٩٧) على كلام ابن جرير، بقوله: «هذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «خيركم من طال عمره، وحسن عمله». ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون- أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحةِ الموتَ؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأمّا على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نَصَف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، وسُمِّيَت هذه المباهلة تمنّيًا لأنّ كل مُحِقٍّ يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيّما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت»