اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، وفي السبب الذي من أجله فُزِّع عن قلوبهم؛ على أقوال: الأول: أن الذي فُزِّع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما يفزع عن قلوبهم مِن غشية تصيبهم عند سماعهم الله بالوحي. الثاني: أن الموصوفين بذلك الملائكة، إنما يفزع عن قلوبهم فزعهم مِن قضاء الله الذي يقضيه حذرًا أن يكون ذلك قيام الساعة. الثالث: أن ذلك من فعل ملائكة السموات إذا مرت بها المعقبات؛ فزعًا أن يكون حدث أمر الساعة. الرابع: أن الموصوفين بذلك المشركون، قالوا: وإنما يفزع الشيطان عن قلوبهم، قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنية بهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٢٨١) مستندًا إلى السنة القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل القولُ الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ بتأييده». وبنحوه ابنُ تيمية (٥‏/‏٢٨٨-٢٩٧)، وابنُ كثير (١١‏/‏٢٨٣-٢٨٥)، وكذا ابنُ عطية (٧‏/‏١٨٣) مستندًا إلى السياق حيث قال: «وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى». وذكر ابنُ عطية في الآية قولًا خامسًا أنها في جميع العالم، ثم انتقده وقولَ مَن جعلها في المشركين بقوله: «ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الذين زعمتم﴾ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها». ثم قال منتقدًا هذين التأويلين: «وهذان بعيدان»

وجَّه ابنُ جرير (١‏/‏٦١٧) تفسير الصبر بالصوم بقوله: «والصوم بعض معاني الصبر... وأصل الصبر: منع النفس محابَّها، وكفها عن هواها؛ ... وقيل لشهر رمضان: شهر الصبر؛ لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارًا». ووجَّهه ابنُ عطية (١‏/‏٢٠١) فقال: «وخصَّ الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أنّ الصيام يمنع الشهوات ويُزَهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر... ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة». ووجَّهه ابنُ تيمية (١‏/‏٢٠٥-٢٠٦) بقوله: «لأن الصائم يصبر نفسه عن شهواتها». ورجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٦١٧) العموم في معنى الصبر، فقال: «وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا، بل تأويل ذلك عندنا: أنّ الله -تعالى ذكره- أمرهم بالصبر على كلِّ ما كرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه». ونقل ابنُ عطية (١‏/‏٢٠٠-٢٠١) قولين آخرين: الأول: «استعينوا بالصبر على الطاعات وعن الشهوات، على نيل رضوان الله، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب، وعلى مصائب الدهر أيضًا». ثم علَّق عليه بقوله: «ومنه الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة. ومنه ما رُوِي: أنّ عبد الله بن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾». والثاني: «الصبر على بابه، والصلاة الدعاء». وعلَّق عليه بقوله: «وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥]؛ لأنّ الثبات هو الصبر، وذكر الله هو الدعاء»

رجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٢١-٤٢٢) تفسير الميثاق بالفطرة؛ مستندًا إلى السنة، ودلالة العقل، وظاهر اللفظ، والنظائر، فقال: «وأحسن ما فسرت به الآية قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرانه». فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به؛ هو الفطرة التي فُطِروا عليها؛ لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك، وهو لا يحتج عليهم بما لا يعرفه أحدٌ منهم ولا يذكره، بل بما يشتركون في معرفته والإقرار به. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإذْ أخَذَ ربك منْ بني آدَمَ مِن ظُهورِهمْ ذريتهُمْ﴾ ولم يقل: من آدم، ثم قال: ﴿من ظهورهم﴾، ولم يقل: من ظهره، ثم قال: ﴿ذريتهم﴾ ولم يقل: ذريته، ثم قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة. وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهِم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿ولَئنْ سألْتهَمْ منْ خَلَقَهمْ لَيقوِلُن الله﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿ولَئنْ سَألْتَهُمْ من خَلَقَ السموات والأرْضَ ليَقُولُن الله﴾ [لقمان:٢٥، والزمر:٣٨]... يحتج عليهم بما فُطِروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده وألّا يشركوا به شيئًا، هذه طريقة القرآن، ومن ذلك هذه الآية... ولهذا قال في آخرها: ﴿أن تُقولُوا يَوِمَ القيامَة إنا كنا عَن هذا غافلينَ أو تَقُولُوا إنما أشرَكَ آباونا مَن قبل وكنا ذُرية منْ بعْدهم أفتهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطَلَونَ﴾، فاحتج عليهم بما أقرُّوا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وألّا يعتذروا؛ إمّا بالغفلة عن الحق، وإمّا بالتقليد في الباطل»

اختلف في العلم المعني في قوله: ﴿على علم عندي﴾ على قولين: فقال قوم: علم من الله بحال قارون. الثاني: علم قارون بالكيمياء. ووجَّه ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٢٦) قوله: ﴿عندي﴾ على القول الأول أنها بمعنى: أرى. كأنه قال: إنما أُعطِيت لفضل علمي فيما أرى. وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٦١٤). ورجَّح ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٨٣-٤٨٤) القول الأول مستندًا إلى ظاهر سياق الآية، فقال: «والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى رادًّا عليه فيما ادَّعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا وما كان ذلك عن محبة مِنّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ أي: لكثرة ذنوبهم». وانتقد ابنُ تيمية (٥‏/‏٨٩) القول الثاني الذي قاله ابن المسيب مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا باطِلٌ؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمَّن لا يُسمى، وفي تفسير الثعلبي الغث والسمين؛ فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾، فأخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة». وكذا انتقد ابنُ كثير القول الثاني مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة، والعقل، فقال: «وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج:٧٣]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة». وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بِمَن يدَّعي أنه يُحِيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذِب وزغل وتمويه، وترويجٌ أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعيٍّ أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفّاكون، فأما ما يُجْريه اللهُ تعالى مِن خرق العوائد على يدي بعض الأولياء مِن قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك فهذا أمرٌ لا يُنكره مسلم، ولا يرُدُّه مؤمن، ولكن هذا ليس مِن قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله». وذكر ابنُ كثير قولًا ثالثًا: أنّ العلم الذي كان عند قارون هو علمه باسم الله الأعظم. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٦١٤) قولين آخرين: أحدهما: أن العلم الذي كان عنده هو علم التجارات وتمييز الأموال. والآخر: علم التوراة وحفظها. ثم ذكر أنّ قوله تعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يرجح أن قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه

رَجَّحَ ابن جرير (١‏/‏٤٢٤-٤٢٥ بتصرف) ما حكاه السدي في تفسيره عن ابن مسعود، وعن ابن عباس -من طريق أبي صالح-، وعن ناس من الصحابة مِن أنّ الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِبَ لهم من الأمثال في سورة البقرة، وعَلَّل ابن جرير ذلك بدلالة السياق، وأن «الله -جَلَّ ذِكْرُه- أخبر عبادَه أنّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، عقيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السُّوَر غيرها. فلأن يكون هذا القول... جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة أحَقُّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضُرِب لهم من الأمثال في غيرها من السور». وارتضى ترجيحَه ابنُ كثير (١‏/‏٣٢٥) بقوله: «وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمَسُّ بالسورة، وهو مناسب». وانتقد ابنُ جرير (١‏/‏٤٢٥-٤٢٦) ما يمكن أن يَظُنَّه ظانٌّ من أنه إذا كانت هذه الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة، فالواجب أن يكون ذلك في بقية الأمثال في غيرها من السور؛ لموافقتها لها في المعنى. وذكرَ أنّ الأمر بخلاف ما ظن؛ لكون الآية خبرًا منه -جَلَّ ذِكْرُه- أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها؛ ابتلاءً بذلك عباده؛ ليميز به أهلَ الإيمان والتصديق به من أهلِ الضلال والكفر به، لا أنّه -جَلَّ ذِكْرُه- قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لَمّا كانت أضعف الخلق خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: تأويله: ولَهُنَّ من حسن العشرة والصحبة مثل الذي عليهنَّ من الطاعة لهم. وقال آخرون: وله من التَّصَنُّع والمُؤاتاة مثل الذي عليهنَّ من ذلك. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٠) أنّه تحريمٌ على كل واحدٍ من الزوجين مُضارَّة صاحبه مستندًا إلى موافقته لظاهر الآية، وسياقها، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدةً أو ثنتين بعد الإفضاء إليهنَّ على بعولتهنَّ أن لا يراجعوهنَّ في أقرائِهِنَّ الثلاثة إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ، إلا أن يُرِيدوا إصلاحَ أمْرِهِنَّ وأمرهم، وألا يراجعوهنَّ ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ أن لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ من الولد ودمِ الحيض ضرارًا منهنَّ لهم؛ ليفتنهم بأنفسهنَّ، ذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- نهى المطلقات عن كتمان أزواجهنَّ في أقرائهنَّ ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهنَّ أحقَّ بردهنَّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا، فحرَّم الله على كل واحد منهما مُضارَّة صاحبه، وعَرَّف كلَّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عَقَّب ذلك بقوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾، فبَيَّن أنّ الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مُضارَّتِه مثل الذي له على صاحبه من ذلك. فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره». ثُمَّ بَيَّن احتمال اندراج القولين الواردين فيما ذَكَرَ، فقال: «وقد يحتمل أن يكون كلُّ ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلًا في ذلك، وإن كانت الآية نزلت فيما وصَفْنا؛ لأن الله -تعالى ذكره- قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًّا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حَقِّه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك، وابن عباس، وغير ذلك»

اختلف أهل التفسير في الذي دلَّت عليه هذه الآيةُ مِن مبلغ غايةِ رضاع المولودِين؛ فقال بعضهم: هو حدٌّ لبعضٍ دون بعض. وقال آخرون: بل ذلك حدُّ رضاع مَنِ اختلف والداه في رضاعه، فأراد أحدُهما البلوغَ إليه والآخرُ التقصيرَ عنه. وقال غيرهم: بل ذلك دلالة على ألّا رضاع بعد الحولين. وذهب قومٌ إلى أنّ الحولين كانا بهذه الآية فرضًا خُفِّف بقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، فجُعِل الخيارُ في ذلك للآباء. وجَمَع ابنُ جرير (٤‏/‏٢٠٦-٢٠٨) بين مختلف الأقوال دون الأخير المرويِّ عن قتادة، والربيع، مستندًا للدلالة العقلية في ظاهر القرآن، فقال: «فأمّا قولُنا: إنّه دلالةٌ على الغاية التي ينتهى إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه فلِأَنَّ الله -تعالى ذِكْرُه- لَمّا حَدَّ في ذلك حَدًّا كان غيرَ جائز أن يكون ما وراء حَدِّه موافقًا في الحكم ما دونه؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك لم يكن للحدِّ معنًى معقول، وإذا كان ذلك كذلك فلا شكَّ أنّ الذي هو دون الحولين مِن الأجل لما كان وقتَ رضاع كان ما وراءه غير وقت له، وأنّه وقتٌ لترك الرضاع، وأنّ تمام الرضاع لما كان تمام الحولين، وكان التّامَّ من الأشياء لا معنى للزيادة فيه، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين، وأنّ ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرمًا كان ما وراءه غير محرم. وإنّما قُلنا هو دلالةٌ على أنّه معنيٌّ به كلُّ مولود لأيٍّ وقت كان ولاده؛ لستة أشهر، أو سبعة، أو تسعة؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- عَمَّ بقوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، ولم يُخَصِّص به بعضَ المولودين دونَ بعض»

اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ على قولين: الأول: أنّ هذا في شأن المسافر لا يجد الماء فيتيمم ويصلي. والثاني: أنّ الآية عُني بها النهيُ عن قربان المسجد، إلا أن يَمُرَّ به مجتازًا إيّاه، ولا يمكث فيه. وقد رجّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥٨) القولَ الثاني، وانتَقَد الأولُ مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وأَوْلى القولين بالتأويل لذلك تأويلُ مَن تأوَّله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾: إلا مُجتازِي طريقٍ فيه. وذلك أنّه قد بَيَّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جُنُب في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فكان معلومًا بذلك أنّ قوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ لو كان معنِيًّا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ معنًى مفهوم، وقد مضى ذِكْرُ حُكْمِه قبل ذلك. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا، لا تقربوا المساجد للصلاة مُصَلِّين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جُنُبًا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل». وذَكَر ابنُ كثير (٤‏/‏٧١) أنّ الذي رجحه ابن جرير هو قول الجمهور، ثُمَّ رجحه بقوله: «وهو الظاهر من الآية، وكأنّه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئةٍ ناقصة تُناقِضُ مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المُباعِدة للصلاة ولمحلها أيضًا». وبنحوهما قال ابن عطية (٢‏/‏٥٦٣)، حيث قال: «وهو المقصود في الآية»

علَّق ابنُ جرير (٧‏/‏٥٣٩) على قول محمد بن أبي موسى بقوله: «فعلى هذا القول: الذي يتلى علينا في الكتاب: الذي قال الله -جل ثناؤه-: ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم﴾، ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾ الآية. والذي سأل القوم فأجيبوا عنه: في يتامى النساء اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمَّن ورثته عنه». وانتقده مستندًا للإجماع، والسياق، فقال: «فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى فإنّه -مع خروجه من قول أهل التأويل- بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التنزيل؛ وذلك أنه... إذا وُجِّه الكلام إلى المعنى الذي تأوَّله صار الكلام مبتدأ من قوله: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، ترجمةً بذلك عن قوله: ﴿فيهن﴾، ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن. ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يُعلم بقوله صحةُ ذلك، وإذ كان ذلك كذلك كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى، ما وُجِد إليه سبيل». وانتَقَدَه ابنُ عطية (٣‏/‏٣٢) مستندًا للغة، فقال: «ويُضْعِف هذا التأويلَ ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض». ثم قال: «ويحتمل أن تكون ﴿وما﴾ في موضع رفع عطفًا على اسم الله عز وجل، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب، يعني: القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣]». وهو قول عائشة المتقدم في أول تفسير الآية

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأنهم مفرطون﴾ على أقوال: الأول: أنهم متروكون في النار. الثاني: أنهم معجلون إلى النار مقدمون إليها. الثالث: أنهم مبعدون في النار. وعلّق ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٦٥) على القول الثاني، فقال: ""وقال آخرون: معنى ذلك: معجلون إلى النار، مقدمون إليها. وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانًا في طلب الماء. إذا قدموه لإصلاح الدلاء والأرشية، وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه، فهو مفرط، فأما المتقدم نفسه فهو فارط، يقال: قد فرط فلان أصحابه يفرطهم فرطًا وفروطًا: إذا تقدمهم، وجمع فارط فراط، ومنه قول القطامي:واستعجلونا وكانوا من صحابتنا... كما تعجل فراط لورادومنه قول النبي ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض». أي: متقدمكم إليه، وسابقكم حتى تردوه"". وقد رجّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٦٦) القول الأول، وانتقد القول الثاني مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة، وعلل ذلك بقوله: «وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم إنما يقال فيمن قدم مقدمًا لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحًا، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له، فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة؛ صح المعنى الآخر، وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك، وذلك أن يحكى عن العرب: ما أفرطت ورائي أحدًا، أي: ما خلفته، وما فرطته، أي: لم أخلفه». وذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٣٢٢) الأول والثاني، وعلّق عليهما بقوله: «ولا منافاة؛ لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون»