اختُلِف في تفسير قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المراد به الاغتسال، وذهب قوم إلى أنه الوضوء، وقال آخرون بأنّه غسل الفرج. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٧٣٤-٧٣٥) القولَ الأولَ الذي قال به ابن عباس، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعكرمة، والحسن، وإبراهيم، وسفيان، ومقاتل، والليث، مستندًا إلى الإجماع، واللغة، فقال: «لإجماع الجميع على أنّها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطُّهْرَ الذي يَحِلُّ لها به الصلاة، وأنّ القول لا يخلو في ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون معناه: فإذا تَطَهَّرْنَ من النجاسة فأْتُوهُنَّ. وإن كان ذلك معناه فقد ينبغي أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها إذا لم تكن هنالك نجاسة ظاهرة، هذا إن كان قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جائزًا استعماله في التطهر من النجاسة، ولا أعلمه جائزًا إلا على استكراه الكلام. أو يكون معناه: فإذا تطهرن للصلاة. في إجماع الجميع من الحُجَّة على أنّه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، إذا لم يكن هنالك نجاسة دون التطهر بالماء، إذا كانت واجِدَتُه، أدلّ الدليل على أنّ معناه: فإذا تطهرن الطهر الذي يجزيهن به الصلاة. وفي إجماع الجميع من الأمة على أنّ الصلاة لا تَحِلُّ لها إلا بالاغتسال أوضح الدلالة على صحة ما قلنا من أنّ غشيانها حرامٌ إلا بعد الاغتسال، وأنّ معنى قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾: فإذا اغتسلن، فصِرْنَ طواهر الطُّهْرَ الذي يجزيهن به الصلاة». وكذا رَجَّحه ابنُ تيمية (١/٥١٣) مستندًا إلى القرآن، فقال: «وإنما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور؛ لأن قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيرها لتحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا بشرط الاغتسال، لا يبقى مُحَرَّمًا على الإطلاق؛ فلهذا قال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾»
اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾؛ فقال قوم: المعنى: فإذا أمنتم مِمَّن كنتم تخافونه على أنفسكم حال صلاتكم فصَلُّوا. وقال آخرون: المعنى: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٣٩٦ بتصرف) القولَ الأول، وانتَقَدَ الثانيَ الذي قاله مجاهد مستندًا إلى الإجماع، والسياق، فقال: «هذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد قولُ غيرِه أوْلى بالصواب منه؛ لإجماع الجميع على أنّ الخوف متى زال فواجبٌ على المصلي المكتوبةَ -وإن كان في سفرٍ- أداؤُها بركوعها وسجودها وحدودها، وقائمًا بالأرض غيرَ ماشٍ ولا راكب، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيمًا في مصره وبلده، إلا ما أبيح له مِن القصر فيها في سفره. ولم يجرِ في هذه الآية للسفر ذِكْرٌ، فيتوجه قوله: ﴿فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ إليه. فإن كان جرى للسفر ذِكْرٌ، ثم أراد الله -تعالى ذكره- تعريفَ خلقه صفةَ الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ولم يقل: ﴿فإذا أمنتم﴾». وعلَّق ابنُ عطية (١/٦٠٥) فقال: «وفي هذا تحويم على المعنى كثير». وذكَر قولَيْن آخَرَيْن: الأول: أن المعنى: فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاة من الصلوات، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه». الثاني: فإذا كنتم آمنين قبل، أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي: صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي: فصَلُّوا كما علَّمكم صلاةً تامةً، وذكر أن النقاش حكاه هو وغيره. ثم علَّق بقوله: «وقوله -على هذا التأويل- ﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من»ما«التي في قوله: ﴿كما﴾، وإلا لم يتَّسِق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ﴿ما﴾ مفعولة بـ﴿علمكم﴾»
اختلف المفسرون في المراد بالفرقان؛ فذهب قوم إلى أنّه مصدر، والمراد: الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى. وذهب قومٌ إلى أنّه القرآن، والمراد: الفصل بين الحق والباطل في أحكام الشرائع. ورَجَّح ابنُ جرير (٥/١٨٣-١٨٤) القولَ الأول الذي قاله ابنُ الزبير وابنُ إسحاق مُسْتَنِدًا إلى دلالة القرآن، والسياق؛ لتقدّم ذِكْرِ القرآن في قوله: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا﴾، ولا شكَّ أنّ ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرّة أخرى؛ إذ لا فائدة في تكريره، ولأنّ الله عَقَّب قولَه: ﴿وأنزل الفرقان﴾ بقوله: ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾، وهذا وعيدٌ صريحٌ لِمَن جَحَدَ الفَصْلَ الذي أنزله الله فرقانًا بين الحق والباطل وعانده. وكذا رجَّح ابنُ كثير (٣/٦) هذا القول. ووجَّه ابنُ عطية (٢/١٥٤) تفسيرَ الفرقان بالقرآن لكونه يُفَرِّق بين الحق والباطل، ثُمَّ جَمَع بين القولين، فقال: «والفرقانُ يَعُمُّ هذا كلَّه». وذكر أنّ بعض المفسرين قال بأنّ الفرقان هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، وعلَّق عليه، بقوله: «فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب، ثم توعد تعالى الكفار عمومًا بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار». ثم بيَّن أنّ الإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وذكر أنّ النقّاش قال بأنّه إلى اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم
اختُلِف في كلمة ﴿الراسخون﴾؛ أهِي مُسْتَأْنَفَةٌ، أم معطوفة. ورَجَّح ابنُ جرير (٥/٢٢١-٢٢٢) القولَ الأوّل الذي قال به ابن عباس من طريق طاووس، وعائشة، وعروة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأبو نهيك الأسدي مُسْتَنِدًا إلى القراءات، ودلالة العقل، وعلّل ذلك بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، ولِمُوافقتِه لِما بَلَغَهُ مِن قراءة أُبَيٍّ وابن عباس: (ويَقُولُ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ)، وقراءة عبد الله: (إن تَأْوِيلُهُ إلّا عِندَ اللهِ والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ). ورأى ابنُ عطية (٥/١٦١-١٦٢) قُرْبَ الخلاف بين القولين، فذكر أنّ المحكم هو المُتَّضِحُ المعنى لِكُلِّ مَن يفهم كلام العرب، والمُتشابِهُ يَتَنَوَّعُ؛ فمِنه ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ كأمر الروح، ومنه ما يُحْمَل على وجوهٍ في اللغة ويَحتاج إلى إزالةِ ما يعلق به من لَبْسٍ. فإن جعلنا ﴿والراسخون﴾ معطوفة على اسم الله؛ فالمعنى: إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، فذلك ليس إلا لله، بل علمُهم إنّما هو في النوع الثاني من المتشابه، وإن جعلنا قوله: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ رفعًا بالابتداء مقطوعًا مما قبله؛ فتسميتُهم راسخين يقتضي بأنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميعُ مَن يفهم كلام العرب. وكذا رأى ابنُ تيمية (٢/١٩) عدمَ المنافاة بين القولين، فقال: «إنّ السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾، بناءً على أنّ التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها لا يعلمها إلا هو، وطائفة منهم كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل. ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني، وهو: التفسير. فليس بين القولين تناقُضٌ في المعنى»
قال ابن عطية (٤/١٤٩-١٥٠بتصرف): «قوله: ﴿فثبتوا﴾ يحتمل أن يكون بالقتال معهم على ما روي، ويحتمل بالحضور في حَيِّزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد: فَثَبِّتوهم بأقوال مُؤْنِسَة مُقَوِّيَة للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة الآدميين، فكان أحدهم يقول للذي يليه من المؤمنين: لقد بلغني أن الكفار قالوا: لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن. ويقول آخر: ما أرى الغلبة والظفر إلا لنا. ويقول آخر: أقدِمْ يا فلان. ونحو هذا من الأقوال المثبتة... ، ويحتمل أيضًا أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان بلمته مِن تَوَهُّم الظَّفَر واحتقار الكفار، ويجري عليه من خواطر تشجيعه، ويقوِّي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾، وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت، ولكنه أشبه بهذا؛ إذ هي من جنس واحد... ، وعلى هذا التأويل يجيء قوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عن صورة الحال، كما تقول -إذا وصفت حربًا لمن تخاطبه-: لقينا القوم وهزمناهم، فاضرب بسيفك حيث شئت، واقتل، وخذ أسيرك. أي: هذه كانت صفة الحال... ، ويحتمل أن يكون ﴿سألقي﴾ إلى آخر الآية خبرًا يخاطب به المؤمنين عما يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعًا لهم وحضًّا على نصرة الدين». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١/٦٩)، وابنُ كثير (٧/٣٢). وقال ابنُ القيم (١/٤٣٨): «قيل في تفسيرها: قَوُّوا قلوبهم، وبَشِّروهم بالنصر. وقيل: احضروا معهم القتال. والقولان حقّ؛ فإنهم حضروا معهم القتال، وثبتوا قلوبهم»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في موضع المعيشة الضنك على أقوال: الأول: أنّ المعيشة الضنك في الدنيا، وفي صفتها قولان: أولهما: أنها بالكسب الحرام. وثانيهما: أن صاحبها ينفق من ماله على تكذيب منه بالخَلَف من الله، فتشتد لذلك عليه معيشته وتضيق. الثاني: أن المعيشة الضنك في البرزخ، وهي عذاب القبر. الثالث: أن المعيشة الضنك في الآخرة في جهنم، بأن جُعِل طعامهم فيها الضريع والزقوم. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/١٩٨-١٩٩) مستندًا إلى السنة والسياق القولَ الثاني، وهو قول أبي سعيد الخدري، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي صالح، والربيع، والسدي، وعلَّل ذلك بحديث أبي هريرة المرفوع الثالث المتقدم في آثار تفسير الآية، وبـ«أن الله -تبارك وتعالى- أتْبَع ذلك قولَه: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾، فكان معلومًا بذلك أنّ المعيشة الضنك التي جعلها الله لهم قبل عذاب الآخرة». وانتقد ابنُ جرير (١٦/١٩٩) القول الثالث بأن «ذلك لو كان في الآخرة لم يكن لقوله: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾ معنًى مفهوم؛ لأنّ ذلك إن لم يكن تقَدَّمه عذابٌ لهم قبل الآخرة، حتى يكون الذي في الآخرة أشدَّ منه؛ بطل معنى قوله: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾». وانتقد مستندًا لدلالة العقل القول الأول بأنّ المعيشة الضنك إن «كانت لهم في حياتهم الدنيا فقد يجب أن يكون كل مَن أعْرَض عن ذكر الله مِن الكفار فإنّ معيشته فيها ضنكٌ، وفي وجودنا كثيرًا منهم أوسَع معيشةً من كثيرٍ من المُقْبِلين على ذكر الله -تبارك وتعالى- القابلين له المؤمنين؛ ما يدل على أن ذلك ليس كذلك». ووجَّه ابنُ عطية (٦/١٤٢) القول الثاني بقوله: «وحمل هذه الفرقة على هذا التأويل أنّ لفظ الآية يقتضي أن المعيشة الضنك قبل يوم القيامة بقوله: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، وبقوله تعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾»
اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾؛ فقال بعضهم: ذهب مغاضبًا لقومه. وقال آخرون: ذهب مُغاضبًا لربه إذ رفع العذاب عن قومه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٧٧) مستندًا إلى السياق القول الثاني بقوله: «وهذا القول -أعني: قولَ مَن قال: ذهب عن قومه مغاضبًا لربه- أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ على ذلك». وانتقد (١٦/٣٧٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية والقرآن القول الأول، فقال: «على أنّ الذين وجَّهوا تأويل ذلك إلى أنّه ذهب مغاضبًا لقومه إنّما زعموا أنّهم فعلوا ذلك استنكارًا منهم أن يغاضب نبيٌّ من الأنبياء ربه، واستعظامًا له. وهم بقيلهم أنّه ذهب مغاضبًا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا؛ لأن ذهابه عن قومه مغاضبًا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، لا شك أن فيه ما فيه. ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله -تعالى ذِكْرُه- ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويَصِفه بالصِّفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ [القلم:٤٨]، ويقول: ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات:١٤٣]». وانتقد ابنُ عطية (٦/١٩٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، قائلًا: «وفي هذا القول مِن الضَّعْف ما لا خفاء به مِمّا لا يَتَّصِف به نبيٌّ». وذكر ابنُ عطية قولًا ثالثًا في الآية، فقال: «وقالت فرقة: إنما غاضب الملِك الذي كان على قومه». ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا نحوٌ مِن الأول [يعني قول من قال: غاضب قومه] فيما يلحق منه يونس عليه السلام»
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ على أقوال: الأول: أن الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله. والإقتار: المنع من حقوق الله. الثاني: أن السرف: هو مجاوزة الحد في النفقة. والإقتار: التقصير عن الحدِّ الذي لا بُدَّ منه. الثالث: أنّ الإسراف هو أكل مال الغير بغير حق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٠١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك قولُ مَن قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدَّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأنّ ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم». وانتقد ابنُ عطية (٦/٤٥٧-٤٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وقول مَن قال: الإسراف: أن تنفق مال غيرك، فقال: «هذه الأقوال غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر. والوجه أن يُقال: إنّ النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنَزَّهون عن ذلك». ثم رجّح أن «التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدبُ الشرع فيها أن لا يُفَرِّط الإنسان حتى يضيع حقًّا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وأن لا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشُّحّ، والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخِفَّة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها»
اختلف في معنى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أتقن كلَّ شيءٍ وأحْكَمَه. الثاني: الذي حسَّن خَلْق كلِّ شيء. وهذان القولان على قراءة من قرأ بفتح اللام. الثالث: أعْلَمَ كل شيء خَلْقه. وهذا القول على قراءة من قرأ بتسكين اللام. ووجَّه ابنُ عطية (٧/٦٩) القول الأول بقوله: «فهو حسنٌ من جهة ما هو لمَقاصِدِه التي أريد لها». ووجَّه ابنُ جرير (١٨/٥٩٩-٦٠٠) القول الثاني -وهو قول قتادة من طريق سعيد- بقوله: «وأما الذي وجَّه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خَلْقَ كلِّ شيء، فإنه جعل الخَلْقَ نصبًا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلَّ شيءٍ خَلْقًا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدَّم الذي معناه التأخير». ووجَّهه ابنُ كثير (١١/٩٢) بقوله: «كأنه جعله من المقدَّم والمؤخَّر». ووجَّه ابنُ جرير (١٨/٥٩٨-٥٩٩) القول الثالث بقوله: «كأنهم وجَّهوا تأويل الكلام إلى أنه ألْهَمَ خَلْقَه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إنما هو من قول القائل: فلانٌ يُحسِن كذا، إذا كان يَعْلَمُه... وعلى هذا القول، »الخَلْق«و»الكلّ«منصوبان بوقوع ﴿أحسن﴾ عليهما». ورجَّح ابنُ جرير (١٨/٥٩٩) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه لا معنى لذلك إذ قُرِئ كذلك إلا أحد وجهين؛ إمّا هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التَّحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسْن؛ فلما كان في خَلْقِه ما لا يُشَكُّ في قُبْحِه وسماجته عُلِمَ أنه لم يَعْنِ به أنه حسَّن كلَّ ما خلَق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته». وانتقد ابنُ عطية القول الثالث قائلًا: «وهذا قولٌ فيه بُعْد»
اختُلف هل علم النبي ﷺ بقدوم الجن عليه أم لا؟ وساق ابنُ عطية (٧/٦٣١) القولين، ثم رجَّح أنّ الوفد الوارد ذكره هنا غير الوفد المشار إليه في سورة الجن، فقال: «والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جنٌّ دون أن يعرف بهم، وهم المتفرّقون من أجل الرّجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن:١]، ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرْفه في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (١٣/٣١-٣٢) آثارًا تدل على عدم علم النبي بهم حال قراءته، وبيّن أنّ ما يعارضها مِن آثار تقتضي علمه، فيُحتمل أنه كان في مرة أخرى؛ إذ تكاثر الروايات يدل على تكرار توافد الجن عليه، فقال: «فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا، [وهو حديث ابن مسعود الآتي في الآثار المتعلقة بالآيات أن شجرة آذنت الني ﷺ بالجن] فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذَنَته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم». وعلَّق (١٣/٤٢) على ما جاء عن ابن مسعود من اختلاف في الروايات بأنه يحتمل الآتي: أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجنّ ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. الثاني: أن يكون أول مرّة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. وعلَّق ابن عطية (٧/٦٣٢) على ما روي عن ابن مسعود بقوله: «واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود... فاختصرتُ هذه الروايات وتطويلها؛ لعدم صحتها»