اختُلِف في الروح المسئول عنه على أقوال: الأول: أرواح بني آدم. الثاني: ملك له عشرة الآف جناح. الثالث: طائفة من الملائكة على صور بني آدم. الرابع: أنه جبريل ﷺ. الخامس: ملك له سبعون ألف وجه. السادس: أنه القرآن. السابع: طائفة مع الملائكة ولا تراهم الملائكة. الثامن:عيسى بن مريم. ذكره ابن عطية (٥/٥٣٥). وذكر أن الجمهور على القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي [الوارد في نزول الآية]، وبيّن أن الرُّوح على هذا القول اسم جنس، ورجَّحه، وانتقد البقية مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا هو الصواب، وهو المشْكل الذي لا تفسير له... وهذه كلها أقوال مفسِّرة، والأول أظهرها وأصوبها». وذكر ابنُ تيمية (٥/٢٤٥) أنه على القول بأن المراد بالروح: أرواح بني آدم؛ فإن النص لم يخبر بكيفيتها؛ لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله، وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان، فلا يمكن تعريفها بكيفيتها، وإن كانت لها كيفية في نفسها. وذكر ابنُ القيم (٢/١٥٣) أن أكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم، بل الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم، وساق حديث ابن مسعود [الوارد في نزول الآية]، ثم رجَّح (٢/١٥٣-١٥٤بتصرف) القول بأنه مَلَك، وانتقد القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، والقرآن، فقال: «ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي، وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس، أما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس مِن أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة... ولم تقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس، قال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر:٢٧]، ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة:٢]، ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران:١٨٥]، وأما السنة فجاءت بلفظ النفس والروح»
اختُلف في الذين عُنوا بقوله: ﴿وآخرين منهم﴾ على أقوال: الأول: فارس. الثاني: الرّوم والعَجَم. الثالث: التابعين من أبناء العرب. الرابع: أنهم جميع طوائف الناس. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٦٣١) -مستندًا إلى دلالة العموم- القول الأخير الذي قاله مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن زيد، والضَّحّاك، فقال: «لأن الله عز وجل عمّ بقوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ كلّ لاحقٍ بهم من»آخرين«، ولم يخصّص منهم نوعًا دون نوع، فكلّ لاحقٍ بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأولين الذين كان رسول الله ﷺ يتلو عليهم آيات الله». وكذا رجَّحه ابن تيمية (٦/٣٠٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، والنظائر، فقال: «فإنّ قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ أي: في الدّين دون النّسب؛ إذ لو كانوا منهم في النّسب لكانوا من الأُمّيين. وهذا كقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ [الأنفال:٧٥]». وساق ابنُ كثير (١٣/٥٥٥ بتصرف) الحديث الوارد عن أبي هريرة في تفسير قوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾، ثم بيّن دلالته على العموم، فقال: «ففي هذا الحديث دليل... على عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسّر قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ بفارس، ولهذا كتب كُتبه إلى فارس والرّوم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله عز وجل، وإلى اتّباع ما جاء به». وذكر ابنُ عطية (٨/٣٠١) أن قوله تعالى: ﴿منهم﴾ على هذا القول إنما يريد: في البشرية والإيمان، كأنه قال: وفي آخرين من الناس. ثم قال: «وذلك أنّا نجد بَعْثه ﷺ إلى جميع الخلائق». وذكر ابنُ القيم (٣/١٥٤) أنه اختُلف في هذا اللحاق المنفي، فقيل: هو اللحاق في الزمان، أي: يتأخر زمانهم عنهم. وقيل: هو اللحاق في الفضل والسّبق. ثم علَّق بقوله: «وعلى التقديرين فامتنّ عليهم سبحانه بأنْ علّمهم بعد الجهل، وهَداهم بعد الضلالة، ويا لَها مِن مِنّة عظيمة فاقَت المِنن وجَلّت أن يقدر العباد لها على ثمن»
اختُلف في قوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ على أقوال: الأول: يؤخِّرونها عن وقتها، فلا يُصلُّونها إلا بعد خروج وقتها. الثاني: يتركونها فلا يُصلُّونها. الثالث: يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويلهون. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٦٦٣) -مستندًا إلى السنة- القول الثالث بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: ﴿ساهون﴾ لاهون يتغافلون عنها». ثم بيّن أنّ هذا القول يَعمُّ القولين الآخرين، فقال: «وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحّ بذلك قول مَن قال: عني بذلك: ترْك وقتها. وقول مَن قال: عني به: ترْكها. لما ذكرتُ من أنّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت». واستدل ابنُ جرير لهذا بالأثرين الواردين عن رسول الله ﷺ عن أبي برزة وسعد بن أبي وقاص في تفسير الآية، ثم علّق قائلًا: «وكلا المعنيين اللذين ذكرتُ في الخبرين اللذين روينا عن رسول الله ﷺ محتمل عن معنى السهو عن الصلاة». وبنحوه ابنُ كثير (١٤/٤٦٨-٤٦٩)، فقال: «اللفظ يشمل هذا كلّه، ولكلّ من اتصف بشيء مِن ذلك قسطٌ من هذه الآية، ومَن اتصف بجميع ذلك فقد تمّ نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي». ورجّح ابنُ تيمية (٧/١٩١-١٩٢) -مستندًا إلى السنة- أنّ الآية تعمّ القولين الأول والثالث، فقال: «وكلا المعنيين حقّ، والآية تتناول هذا وهذا، كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»». ووافقه ابنُ القيم (٣/٣٧٠بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب». وانتقد القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسياق، فقال: «وليس السهو عنها ترْكها، وإلا لم يكونوا مُصلِّين، وأيضًا فإنه وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترْك لما كان هناك رياء»
اختُلِف في معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ على أقوال: الأول: أنّه استثناء استثناه الله في أهل التوحيد؛ أنه يخرجهم من النار إذا شاء بعد أن أدخلهم فيها. الثاني: أنّه استثناء في أهل التوحيد أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. الثالث: أن المقصود بالاستثناء أهل النار وكل مَن دخلها. الرابع: أنّ الله أخبر بمشيئته لأهل الجنة أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض بقوله تعالى في معنى الاستثناء: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، ولم يخبر بمشيئته في أهل النار، فجائز أن تكون في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٠ بتصرف) القول الأول الذي قاله الضحاك، وقتادة، وخالد بن معدان، وخالد بن مهران، والسدي، ومقاتل، بقوله: «فيجيء قوله: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أي: لقومٍ ما... وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من ﴿خالِدِينَ﴾». ووجَّه ابنُ جرير (١٢/٥٨١) القول الثاني الذي قاله أبو سعيد الخدري، وأبو مجلز، فقال: «ووجَّهوا الاستثناء أنّه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا في النار﴾ - ﴿إلا ما شاء ربك﴾ لا من الخلود». ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٨٣) القول الأول، وانتقد الثاني، والثالث الذي قاله ابن عباس من طريق المسيب، وابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وقول أهل العلم، فقال: «لأنّ الله عز وجل أوْعَد أهل الشرك به الخلودَ في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائزٍ أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أنّ الله يُدخِل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائزٍ أن يكون ذلك استثناءً في أهل التوحيد قبل دخولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ». وعلى القول الثالث فالاستثناء من طول المدة، وهو ما وجَّهه ابنُ عطية بقوله: «فهم -على هذا- يُخَلَّدون حتى يصير أمرهم إلى هذا... والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره إنّما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمي جهنم، وسمي الكل به تَجَوُّزًا». ثم انتقده بقوله: «وهذا قول مختل». ونقل (٥/٢١) قولًا عن الفراء: أنّ ﴿إلا﴾ في هذه الآية بمعنى: سوى، والاستثناء منقطع، ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء الله زائدًا على ذلك». ثم علَّق بقوله: «ويؤيد هذا التأويل قوله بعد: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». وزاد ابنُ عطية أقوالًا أخرى في معنى الاستثناء: الأول: أنّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، وعلَّق عليه بقوله: «فهو على نحو قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط، كأنّه قال: إن شاء الله. فليس يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا بمنقطع». ثم قال: «ويؤيد هذا قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». الثاني: أنّ المعنى: سوى ما أعده لهم من أنواع العذاب مما لا يعرف كالزمهرير ونحوه. الثالث: أنه استثناء من مدة السماوات والأرض، المدة التي فرطت لهم في الحياة الدنيا. الرابع: أنّه استثناء من مدة البرزخ بين الدنيا والآخرة. الخامس: أنّه استثناء من مُدَّة المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولهم إنما هو زُمَرًا بعد زُمَر. وذكر ابنُ كثير (٧/٤٧٣) ترجيح ابن جرير، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الذي عليه كثيرٌ من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة». ثم قال: «وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز، والشعبي، وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة أقوال غريبة»
اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١/٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧/٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بقوله تعالى: ﴿ألا تعولوا﴾، على قولين: أحدهما: أنّ المراد: ألّا تميلوا ولا تجوروا. وهذا قول الجمهور. والآخر: أنّ المراد: ألا تكثر عيالُكم فتفتَقِرُوا، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة:٢٨]. وهذا قول زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة. ورَجَّحَ ابنُ كثير (٣/٣٤٧) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ عقلًا، فقال: «في هذا التفسير ههنا نظر، فإنّه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى مِن تعداد السراري أيضًا. والصحيح قول الجمهور». وكذلك رجَّحَ ابنُ القيم (١/٢٦٥-٢٦٦) القولَ الأولَ، وأيَّدَه بأوجهٍ، منها: أنّه المعروف لغة، وقد روي عن النبي ﷺ، وروي عن عائشة، وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين، إلى غير ذلك من الأوجه التي تعود إلى اللغة، والسنّة، وأقوال السلف، والسياق، ودلالة العقل. ويُفهَم الترجيح أيضًا من كلام ابن جرير (٦/٣٧٦)، وكلام ابن تيمية (٢/١٩٧) حيث لم يذكر ابنُ جرير في المسألة إلا القولَ الأولَ، وعرَّض من خلاله بالقول الثاني. وبيَّنَ ابنُ تيمِيَّة قَدْحَ أكثرِ العلماء وتغليطَهم القولَ الثاني، فقال: «ظنَّ طائفةٌ مِن العلماء أنّ المراد: أن لا تكثر عيالُكم. وقالوا: هذا يدلُّ على وجوب نفقة الزوجة. وغلَّط أكثرُ العلماء مَن قال ذلك لفظًا ومعنى. أمّا اللفظ فلأنّه يُقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: ﴿تعولوا﴾، لم يقل: تعيلوا. وأما المعنى فإنّ كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسرِّي كما يحصل بالزوجات». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٤٦٨) هذا القدحَ مِن جهة الواقع، فقال: «هذا القدحُ غيرُ صحيحٍ؛ لأنّ السراري إنما هُنَّ مالٌ يتصرف فيه بالبيع، وإنّما العيال الفادح الحرائرُ ذوات الحقوق الواجبة»
انتقد ابنُ جرير (١٣/١٧١-١٧٢) قول قتادة مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي قاله قتادة مِن أنّ عبارة الرؤيا ظنٌّ فإنّ ذلك كذلك مِن غير الأنبياء. فأمّا الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنّه كائن ثم لا يكون، أو أنّه غير كائن ثم يكون مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن؛ لأنّ ذلك لو جاز عليها في إخبارها لم يؤمن مثل ذلك في كل أخبارها، وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها سقطت حجَّتُها على مَن أرسلت إليه. فإذا كان ذلك كذلك كان غير جائز عليها أن تُخْبِر بخبر إلا وهو حقٌّ وصِدْقٌ. فمعلوم إذ كان الأمر على ما وصفت أنّ يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن، فيقول لأحدهما: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ ثم يؤكد ذلك بقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ عند قولهما: لم نر شيئًا، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه أنّه كائن لا محالة لا شك فيه، وليقينه بكون ذلك قال للناجي منهما: ﴿اذكرني عند ربك﴾. فبَيِّنٌ إذن بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة». وذكر ابنُ عطية (٥/٩١) أنّ الظنَّ هاهنا بمعنى اليقين؛ لأنّ ما تقدم من قوله: ﴿قضي الأمر﴾ يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود. ثم قال: «وقول يوسف عليه السلام: ﴿قضي الأمر﴾ دالٌّ على وحيٍ». ووجّه قول قتادة، فقال: «ولا يَتَرَتَّب قولُ قتادة إلا بأن يكون معنى قوله: ﴿قضي الأمر﴾ أي: قُضِي كلامي وقُلْتُ ما عندي وتَمَّ، والله أعلم بما يكون بعد». ثم ساق احتمالًا آخر في تفسير الآية، فقال (٥/٩٢): «وفي الآية تأويل آخر، وهو: أن يكون ﴿ظن﴾ مسندًا إلى الذي قيل له: إنه يسقي ربه خمرًا. لأنّه دخلته أُبَّهة السرور بما بُشِّر به، وصار في رتبة مَن يؤمل حين ظنَّ وغلب على معتقده أنه ناج، وذلك بخلاف ما نزل بالآخر الـمُعَرَّف بالصلب». وبيّن أنّ قوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ يحتمل ثلاثة احتمالات: الأول: أن يذكره بعلمه ومكانته. الثاني: أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق. الثالث: أن يذكره بهما
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ على أقوال: الأول: عنى بالسكر: الخمر. وبالرزق الحسن: التمر والزبيب. وقال أصحاب هذا القول: إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بعد. الثاني: السكر بمنزلة الخمر في التحريم، وليس بخمر، وقالوا: هو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد وصار يسكر شاربه. الثالث: السكر: هو كل ما كان حلالًا شربه؛ كالنبيذ الحلال، والخل، والرطب. والرزق الحسن: التمر، والزبيب. وقد علّق ابنُ جرير (١٤/٢٨٤-٢٨٥ بتصرف) على القول الثالث بقوله: «وعلى هذا التأويل الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت». ثم رجّحه، ورجّح عدم النسخ في الآية، وانتقد بقية الأقوال مستندًا إلى لغة العرب، وعدم وجود دليل على النسخ، وقال: «وذلك أن السكر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثاني: ما طعم من الطعام. والثالث: السكون. والرابع: المصدر من قولهم: سكر فلان يسكر سُكْرًا وسَكْرًا وسَكَرًا، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يسكر من الشراب حرامًا، وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله -تعالى ذكره- بتحريم الخمر دليل على أن السكر الذي هو غير الخمر وغير ما يسكر من الشراب حرام، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو كل ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة؛ فوجب القول بما قلنا من أن معنى السكر في هذا الموضع: هو كل ما حل شربه مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه: الخمر، أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه: السكر نفسه؛ إذ كان السكر ليس مما يتخذ من النخل والكرم، ومن أن يكون بمعنى السكون». وقال ابنُ عطية (٥/٣٧٩): «والسكر: ما يسكر. هذا هو المشهور في اللغة». وانتقد دعوى النسخ، فقال: «وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر: إنّ هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر. وفي هذه المقالة درك؛ لأن النسخ إنما يكون في حكم مستقر مشروع»
اختُلف في معنى هذه الآية على أقوال: الأول: أنّ الله يُدخل الذّرية الجنة بإيمان الأباء تكرمة للآباء، وإن لم تبلغ ذُرّيتهم عملهم. الثاني: والذين آمنوا وأتبعناهم ذُرّياتهم التي بلغت الإيمان بإيمان، ألحقنا بهم ذُرّياتهم الصغار التي لم تبلغ الإيمان، وما ألتنا الآباء من عملهم من شيء. الثالث: والذين آمنوا واتّبعتهم ذُرّيتهم الصغار، وما ألتنا الكبار من عملهم من شيء. الرابع: أعطيناهم من الثواب مثل الآباء. وساق ابنُ عطية (٨/٩٢-٩٣) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿بِإيمان﴾ هو في موضع الحال، فمَن رأى أنّ الآية في الأبناء الصغار، فالحال من الضمير في قوله: ﴿اتَّبَعَتْهُمْ﴾ فهو من المفعولين. ومَن رأى أنّ الآية في الأبناء الكبار فيحتمل أن تكون الحال من المفعولين، ويحتمل أن تكون من المتبعِين الفاعلين». وبنحوه قال ابنُ القيم (٣/٦٠). ورجَّح ابن جرير (٢١/٥٨٣) -مستندًا إلى الأغلب لغة- القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق سعيد بن جُبَير، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، القول الذي ذكرنا عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، ... لأن ذلك الأغلب من معانيه، وإن كان للأقوال الأُخَر وجوه». ورجَّح ابن عطية (٨/٩٣) القول الأول -مستندًا إلى اللغة والسياق- فقال: «وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأول؛ لأن الآيات كلها في صفة إحسان الله –تعالى- إلى أهل الجنة فذكر من جملة إحسانه أنه يرعى المحسِن في المسيء، ولفظة ﴿ألْحَقْنا﴾ تقتضي أنّ للملحَق بعض التقصير في الأعمال»، وذكر أنه قول الجمهور. وعرض ابن القيم (٣/٦٢) الأقوال وناقشها، ثم رجَّح -مستندًا إلى الدلالة العقلية-، اختصاص الذُّرّية بالصغار، فقال: «واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر؛ لئلا يلزم استواء المتأخّرين بالسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار، فإن أطفال كل رجل وذُرّيته معه في درجته، والله أعلم». وذكر ابن كثير (١٣/٢٣٣) أن القول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، والضَّحّاك، راجع إلى القول الأول؛ إذ هو أصرح في التفسير من الثاني
اختُلف في معنى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ -بعد اتفاقهم على أنّ «المكنون»: المصون- على أقوال: الأول: أنه كتاب في السماء. الثاني: أنه التوراة والإنجيل. الثالث: اللوح المحفوظ. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٢١٠) القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: إنه لكتابٌ كريمٌ، ذُكِر كرمه وشرفه فِي كتابٍ مكنونٍ، فمعنى الآية -على هذا-: الاستشهاد بالكتب المنزّلة، وهذا كقوله عز وجل: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٦]». ونقل عن بعض المتأوِّلين أنّ المراد: «مصاحف المسلمين، وكانت يوم نَزَلَتْ الآية لم تكن». ثم وجَّهه بقوله: «فهي -على هذا- إخبار بغيب، وكذلك هو كتاب مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة المَسِّ؛ فإنها تشير إلى المصاحف، وهي مستعارة من مسِّ الملائكة». ورجَّح ابنُ القيم (٣/١١٧) -مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية- أنّ «الكتاب المكنون»: هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة، فقال: «والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٦]، ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسّونه، وهذا هو الصحيح في معنى الآية». ثم بيَّن أوجه ترجيح هذا القول، وانتقد قول من قال: إنّ المراد مصاحف المسلمين مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أحدها: أن ّالآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين، وأنّ محله لا يصل إليه فيمسّه إلا المطهّرون، فيستحيل على أخابث خلْق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسّوه، كما قال تعالى: ﴿وما تَنَزَلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠-٢١١]، فنفى الفعل وتَأَتِّيه منهم، وقدرتهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه، فإنّ الفعل قد ينتفي عمّن يحسن منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس [١٣-١٦]: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾، فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أنّ الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به، وتقرير هذا المعنى أهمّ وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسّه إلا طاهر. الوجه الثاني: أنّ السورة مكية، والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين، من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنّة السور المدنية. الثالث: أنّ القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله ﷺ، وإنما جُمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار، يوضّحه الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] وهكذا قال السلف، قال الكلبي: مكنون من الشياطين. وقال مقاتل: مستور. وقال مجاهد: لا يصيبه تراب ولا غبار. وقال أبو إسحاق: مصون في السماء. يوضّحه الوجه الخامس: أنّ وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا؛ فقوله: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] يوضحّه الوجه السادس: أنّ هذا أبلغ في الردّ على المكذّبين وأبلغ في تعظيم القرآن مِن كون المصحف لا يمسّه مُحدث. الوجه السابع: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنًى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا، ومَن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كلٍّ منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي. الوجه الثامن: أنه قال: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهّرون، ولو أراد به منع المُحدث مِن مسّه لقال: إلا المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وفي الحديث: «اللهم، اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». فالمتطهّر فاعل التطهير، والمطهّر الذي طهّره غيره، فالمتوضئ متطهّر، والملائكة مطهّرون. الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة؛ إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب، وهذا أمر مشترك، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزلٌ من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجهٍ ما، ولا يمسّ محله إلا المطهّرون وهم السّفرة الكرام البررة. الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو الأحوص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، قال: ﴿المطهّرون﴾ الملائكة. وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع، وقال الحاكم: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصحّ من تفسير مَن بعد الصحابة، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم. وقال حرب في مسائله: سمعت إسحاق في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال: النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة». وذكر ابنُ تيمية (٦/١٨٩) أن اللوح المحفوظ مراد من هذه الآية، فقال: «والصحيح اللوح المحفوظ الذي في السماء مراد من هذه الآية، وكذلك الملائكة مرادون مِن قوله: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ لوجوه: أحدهما: إنّ هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومَن بعدهم حتى الفقهاء الذين قالوا: لا يمس القرآن إلا طاهر، من أئمة المذاهب صرّحوا بذلك، وشبهوا هذه الآية بقوله: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١١-١٦]. وثانيها: أنه أخبر أن القرآن جميعه في كتاب، وحين نَزَلَتْ هذه الآية لم يكن نزل إلا بعض المكي منه، ولم يجمع جميعه في المصحف إلا بعد وفاة النبي ﷺ. وثالثها: أنه قال: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المحرّر الذي لا تناله أيدي المضلّين، فهذه صفة اللوح المحفوظ. ورابعها: أنّ قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصح الوصف بها، وإنما يوصف بالجملة الخبرية. وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل: فلا يمسه؛ لتوسط الأمر بما قبله. وسادسها: أنه قال: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل: المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وسابعها: أنّ هذا مسوق لبيان شرف القرآن، وعلوه، وحفظه»