اختُلِف في تأويل قوله تعالى:﴿والذين هم به مشركون﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: والذين هم بالله مشركون. وهو قول مجاهد، والضحاك. والثاني: مشركو الشيطان في أعمالهم. وهو قول الربيع. والثالث: والذين هم لأجل الشيطان وبسببه مشركون. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٦١-٣٦٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى القرآن، وقال مُعَلِّلًا اختياره، ومسْتَدْرِكًا على القول الثاني: «ذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم، وذبائحهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان، ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع لكان التنزيل: الذين هم مشركوه. ولم يكن في الكلام ﴿به﴾، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك: والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجِّه مُوَجِّه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصِحُّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطانًا، وقال في كل موضع تقدم إليهم بالزجر عن ذلك: لا تشركوا بالله شيئًا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن خبرًا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء، فيجوز لنا توجيه معنى قوله: ﴿والذين هم به مشركون﴾ إلى: والذين هم بالشيطان مشركو الله، فبين إذًا -إذ كان ذلك كذلك- أن الهاء في قوله: ﴿والذين هم به﴾ عائدة على»الرب«في قوله: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾». وذَهَبَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٧) إلى القول الثالث مستندًا إلى اللغة، حيث قال عن الضمير في ﴿به﴾: «الظاهر أنه يعود على اسم إبليس، بمعنى من أجله وبسببه، كما تقول لمعلمك: أنا عالم بك. أي: بسببك، فكأنه قال: والذين هم بسببه مشركون بالله»

اختُلف هل علم النبي ﷺ بقدوم الجن عليه أم لا؟ وساق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٣١) القولين، ثم رجَّح أنّ الوفد الوارد ذكره هنا غير الوفد المشار إليه في سورة الجن، فقال: «والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جنٌّ دون أن يعرف بهم، وهم المتفرّقون من أجل الرّجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن:١]، ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرْفه في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١-٣٢) آثارًا تدل على عدم علم النبي بهم حال قراءته، وبيّن أنّ ما يعارضها مِن آثار تقتضي علمه، فيُحتمل أنه كان في مرة أخرى؛ إذ تكاثر الروايات يدل على تكرار توافد الجن عليه، فقال: «فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا، [وهو حديث ابن مسعود الآتي في الآثار المتعلقة بالآيات أن شجرة آذنت الني ﷺ بالجن] فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذَنَته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم». وعلَّق (١٣‏/‏٤٢) على ما جاء عن ابن مسعود من اختلاف في الروايات بأنه يحتمل الآتي: أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجنّ ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. الثاني: أن يكون أول مرّة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. وعلَّق ابن عطية (٧‏/‏٦٣٢) على ما روي عن ابن مسعود بقوله: «واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود... فاختصرتُ هذه الروايات وتطويلها؛ لعدم صحتها»

اختُلِف في الذي عنى بهذه الآية على أقوال: الأول: عُني بذلك: الجزية والخراج. الثاني: عني بذلك: الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوهم من أهل الحرب بالقتال عنوة. الثالث: عني بذلك: الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والرّكاب، وأُخذتْ بالغلبة، وقالوا: كانت الغنائم في بدو الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله في هذه الآيات دون المُرجفين عليها، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال. الرابع: عني بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآيات، بيان قَسْم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. ذكر هذا ابن جرير عن بعض المتفقهة من المتأخرين. وعلّق ابنُ عطية (٨‏/‏٢٦٤) على القول الأول، فقال: «وليس في الآية نسخٌ على هذا التأويل». وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال: «والصواب من القول في ذلك عندي: أنّ هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أنّ الآية التي قبلها مالٌ جعله الله عز وجل لرسوله ﷺ خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب». وذكر أثرًا عن عمر، ثم قال: «فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله ﷺ، ولم يجعل لأحد معه شيئًا، وكانت هذه الآية خبرًا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى؛ كان معلومًا بذلك أنّ المال الذي جعله لأصناف من خلْقه غير المال الذي جعله للنبي ﷺ خاصة، ولم يجعل له شريكًا». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢٦٤) قول قتادة، وانتقده مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وهذا القول يضعف؛ لأن آية الأنفال نَزَلَتْ إثر بدر، وقبل بني النَّضِير، وقبل أمر هذه القرى بسنة ونيّف»

سورة البقرة — الآية ١

عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رِئاب، قال: مرَّ أبو ياسر بن أخْطَبَ في رجال من يهودَ برسول الله - ﷺ -، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب﴾، فأتى أخاه حُيَيّ بن أخْطَب في رجال من اليهود، فقال: تعلمون -والله- لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أُنزِل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقالوا: أنتَ سَمِعْتَه؟ قال: نعم. فمشى حُيَيٌّ في أولئك النفر إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا محمد، ألم يُذكر أنك تتلو فيما أُنزِل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ قال: «بلى». قالوا: قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: «نعم». قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بَيَّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّة ملكه، وما أجل أمته غيرك. فقال حُيَيُّ بن أخطب -وأقبل على مَن كان معه-: الألِف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبيٍّ إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟! ثم أقبل على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم». قال: وما ذاك؟ قال: «﴿المص﴾». قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم». قال: وما ذاك؟ قال «﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فهل معهذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: فهذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان. ثم قال: لقد لُبّس علينا أمرك، يا محمد، حتى ما ندري أقليلًا أُعْطِيتَ أم كثيرًا؟ ثم قاموا، فقال أبو ياسر لأخيه حُيَيّ ومَن معه مِن الأحبار: ما يُدريكم، لعله قد جُمع هذا لمحمد كلُّه؛ إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]

سورة التوبة — الآية ٩٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا﴾ إلى: ﴿بما كانوا يكسبون﴾، وذلك أنّ رسول الله ﷺ قيل له: ألا تغزو بني الأصفر؛ لعلك أن تُصِيب بنتَ عظيم الروم؛ فإنّهُنَّ حِسانٌ. فقال رجلان: قد علمتَ -يا رسول الله- أنّ النساءَ فِتنة؛ فلا تَفْتِنّا بِهِنَّ؛ فَأْذَن لَنا. فأذِن لهما، فلمّا انطَلقا قال أحدهما: إن هو إلا شَحْمَةٌ لِأَوَّلِ آكِلٍ. فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلمّا كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه: ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ [التوبة:٤٢]، ونزل عليه: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة:٤٣]، ونزل عليه: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة:٤٤]، ونزل عليه: ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾. فسمع ذلك رجلٌ مِمَّن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال: تعلمون أن قد أُنزِل على رسول الله ﷺ بعدكم قرآنٌ؟ قالوا: ما الذي سَمِعتَ؟ قال: ما أدري، غير أنِّي سمعتُ أنّه يقول: ﴿إنهم رجس﴾. فقال رجلٌ يُدْعى مخشيًّا: واللهِ، لَوَدِدتُ أنِّي أُجْلَد مائة جلدة وأنِّي لست معكم. فأتى رسولَ الله ﷺ، فقال: «ما جاء بك؟». فقال: وجْهُ رسولِ الله ﷺ تَسْفَعُه الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فأنزل الله عليه: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة:٤٩]، ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ [التوبة:٨١]. ونزل عليه في الرجل الذي قال: لَوَدِدتُ أنِّي أُجْلَدُ مائة جلدة؛ قولُ الله: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم﴾ [التوبة:٦٤]. فقال رجلٌ مع رسول الله: لَئِن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خيرٌ. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقال له: «أنت صاحبُ الكلمة التي سمعتُ؟». فقال: لا، والَّذي أنزَل عليك الكتابَ. فأنزل الله فيه: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ [التوبة:٧٤]. وأنزل فيه: ﴿وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾ [التوبة:٤٧]

رَجَّحَ ابنُ جرير (١‏/‏٤٣٨) بالسياق أن تكون هذه الآية نازلةً في كُفّارِ أحْبارِ أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وأن يكون المراد بالعهد ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتِّباع محمد ﷺ إذا بُعِث، والتصديق به، ونقضهم ذلك: هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْمَ ذلك الناسَ. ويدخل في أحكامهم كلُّ مَن كان على مِثْلِ ما كانوا عليه من الضَّلال، فقال: «وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات مَن قلتُ إنه عنى بها؛ لأن الآيات من ابتداء الآيات الخمس والست من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة:٤٠]، وخطابِه إيّاهم -جَلَّ ذكره- بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر؛ ما يَدُلُّ على أن قوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ مقصودٌ به كفارُهم ومنافقوهم ومَن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنّ الخطاب -وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين- فداخل في أحكامهم وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ كُلُّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق، وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي». وحَسَّنَ ابنُ كثير (١‏/‏٣٢٩-٣٣٠) أن يكون عُنِي بهذه الآية جميعُ أهل الشرك والكفر والنفاق، وأنّ المراد بالعهد: هو ما وضعه الله لجميع الكُفّار من الأدلة الدّالَّة على ربوبيته، وما احتج به لرسله من المعجزات. ونقضُهم إياه: تركُهم الإقرارَ بما ثبتت لهم صحتُه، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أنّ ما أتوا به حقٌّ. ونقل ابن عطية (١‏/‏١٥٩) في معنى العهد أقوالًا أخرى، فقال: «وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله: أن يوحدوه، وأن لا يعبدوا غيره... وقال قتادة: هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي ﷺ ثم كفر به فنقض العهد»

اختُلف في قوله: ﴿لإيلاف قريش إلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾، وفي المعنى الجالب للام في قوله: ﴿لإيلاف﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى الجالب لها قوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل:٥]، فاللام صلة لـ﴿جعلهم﴾، ومعنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل، نعمة مِنّا على أهل هذا البيت، وإحسانًا مِنّا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف، أو يكون الامتنان عليهم بألفة بعضهم بعضًا. الثاني: أن تكون اللام هاهنا للتعجب، والمعنى: اعجب -يا محمد- لنِعم الله على قريش، في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ثم قال: فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٤٩-٦٥١) -مستندًا إلى اللغة، وإلى آثار السلف- القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ هذه اللام بمعنى التعجب، وأن ّمعنى الكلام: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وترْكهم عبادة ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجّب، اكتفوا بها دليلًا على التعجّب من إظهار الفعل الذي يجلبها... وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وذكر آثار السلف على هذا المعنى. وانتقد (٢٤‏/‏٦٥٠) -مستندًا إلى اللغة، وإجماع المسلمين على أنّ السورتين منفصلتين- القول الأول، فقال: «وأمّا القول الذي قاله مَن حكينا قوله أنه من صلة قوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ فإنّ ذلك لو كان كذلك لوجب أن يكون ﴿لإيلاف﴾ بعض ﴿ألم تر﴾، وأن لا تكون سورة منفصلة من ﴿ألم تر﴾، وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان كلّ واحدة منهما منفصلة عن الأخرى ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: ﴿لإيلاف قريش﴾ من صلة قوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ لم تكن ﴿ألم تر﴾ تامة حتى توصل بقوله: ﴿لإيلاف قريش﴾؛ لأنّ الكلام لا يتم إلا بانقضاء الخبر الذي ذكر»

نقل ابنُ جرير اختلاف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ ذلك كان يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم. الثاني: أنّ معناه: ما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يُكَذِّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم عليه السلام. الثالث: أنّ معنى الآية: ما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله لِيؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٣٣٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني الذي هو قول أبي بن كعب، والربيع، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «وذلك أنّ مَن سبق في علم الله -تبارك وتعالى- أنّه لا يؤمن به فلن يؤمن أبدًا، وقد كان سبق في علم الله تعالى لمن هلك من الأمم التي قصَّ نبأَهم في هذه السورة أنّه لا يؤمن أبدًا، فأخبر -جلَّ ثناؤه- عنهم أنّهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض -يا محمد- من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده. كان وجهًا ومذهبًا، غير أني لا أعلم قائلًا قاله مِمَّن يُعْتَمد على علمه بتأويل القرآن». وهذا القول الذي جوّز صوابَه ابنُ جرير غيرَ ألاّ قائل له من أهل التأويل الذين يُعتمدُ على قولِهم قال به مقاتل بن سليمان، كما سيأتي في آثار تفسير الآية. وقد أشار ابنُ عطية (٤‏/‏١١) إلى قول أبي كعب، ثم علَّق عليه قائلًا: «فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم، لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.. ﴾ على أقوال: الأول: أنها رؤيا عين، وهي ما رأى النبي ﷺ لما أسري به من مكة إلى بيت المقدس. الثاني: أنها رؤيا منام، وهي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة. الثالث: أنها رؤيا منام؛ إنما كان رسول الله ﷺ رأى في منامه قومًا يعلون منبره. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٤٦-٦٤٧) مستندًا لإجماع الحجة من أهل التأويل القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: رؤيا رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أنّ هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها». وبنحوه ابنُ كثير (٩‏/‏٣٦-٣٧). ووجّه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٠٣) قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ على القول الأول، فقال: «فعلى هذا يحسن أن يكون معنى قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما خلق له، أي: فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك: إن الله محيط بهم، مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر. وسميت الرؤية في هذا التأويل: رؤيا، إذ هما مصدران من رأى». ووجّه القول الثالث، فقال: «ويجيء قوله: ﴿أحاط بالناس﴾ أي: بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك، وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء:١١١]». ثم انتقده بقوله: «وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية»

جاء في قول مقاتل والحسن في تفسير آية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ما يفيد أنّ الخطاب في الآية معنيّ به الكافرين. وقد ذكر ذلك ابنُ القيم (٣‏/‏٣٥٩-٣٦١بتصرف)، وانتقده مستندًا إلى السنة، وفهم السلف، والدلالة العقلية، فقال: «ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضى اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكلّ مَن اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك قول النبى عند قراءة هذه السورة: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِستَ فأبليت؟». الحديث، وهو في صحيح مسلم. وقائل ذلك قد يكون مسلمًا، وقد يكون كافرًا، ويدل عليه أيضًا الأحاديث التى تقدّمتْ، وسؤال الصحابة النبي، وفهْمهم العموم، حتى قالوا له: وأي نعيم نُسأل عنه، وإنما هو الأسوَدان؟! فلو كان الخطاب مختصًّا بالكفار لبيَّن لهم ذلك، وقال: ما لكم ولها إنما هي للكفار، فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم، والذى أُنزل عليه القرآن أقرّهم على فهم العموم... وأيضًا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأنّ الإلهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيرًا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر، وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول مَن دخل فيه المعاصرين لرسول الله فهو متناول لمن بعدهم، وهذا معلوم بضرورة الدين وإن نازع فيه من لا يُعتدّ بقوله من المتأخرين». وذكر أنّ حديث أبي بكر -الوارد في المتن من رواية ابن مسعود في آخره: «المؤمن لا يثرب عليه...»- والمفيد تخصيص السؤال بالكافرين ضعيف لا يُحتجُّ به، ومع ضعفه عارضه حديث آخر لأبي بكر -وهو الوارد في المتن قبله من رواية أبي هريرة- والمفيد عموم السؤال عن النعيم لجميع الناس