عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج عن عطاء، ومقاتل بن سليمان عن الضحاك-: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ يريد: إنّ الذين جاءوا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم، ﴿لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم﴾ يريد: خيرًا لرسول الله ﷺ، وبراءة لسيدة نساء المؤمنين، وخيرًا لأبي بكر، وأم عائشة، وصفوان بن المعطل، ﴿لكل امرىء منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره﴾ يريد: إشاعتَه ﴿منهم﴾ يريد: عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، ﴿له عذاب عظيم﴾ يريد: في الدنيا؛ جلده رسول الله ﷺ ثمانين، وفي الآخرة مصيره إلى النار، ﴿لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا أفك مبين﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ استشار فيها أسامةَ وبريرةَ وأزواجَ النبي ﷺ، فقالوا خيرًا، وقالوا: هذا كذب عظيم، ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين، ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ يريد: الكذب بعينه، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يريد: فلولا ما منَّ الله به عليكم وستركم... ﴿هذا بهتان عظيم﴾ يريد [بالبهتان]: الافتراء، مثل قوله في مريم: ﴿بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٦]، ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله﴾ يريد: مسطحًا، وحمنة، وحسان، ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ التي أنزلها في عائشة، والبراءة لها، ﴿والله عليم﴾ بما في قلوبكم مِن الندامة فيما خضتم به، ﴿حكيم﴾ حَكَم في القذف ثمانين جلدة، ﴿ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ يريد: بعد هذا ﴿في الذين آمنوا﴾ يريد: المحصنين والمحصنات من المصدقين؛ ﴿لهم عذاب أليم﴾ وجيع ﴿في الدنيا﴾ يريد: الحد، ﴿و﴾في ﴿الآخرة﴾ العذاب في النار، ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ سوء ما دخلتم فيه، وما فيه من شدة العذاب، وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا، ﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ يريد: لولا ما تفضل الله به عليكم، ﴿ورحمته﴾ يريد: مسطحًا، وحمنة، وحسان، ﴿وأن الله رؤوف رحيم﴾ يريد: من الرحمة رؤوف بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحق، ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يريد: صَدَّقوا بتوحيد الله، ﴿لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ يريد: الزلّات؛ ﴿فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ يريد بالفحشاء: عصيان الله. والمنكر: كل ما يكره الله، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يريد: ما تفضل الله به عليكم ورحمكم؛ ﴿ما زكي منكم من أحد أبدا﴾ يريد: ما قبل توبة أحد منكم أبدًا، ﴿ولكن الله يزكي من يشاء﴾ فقد شئتُ أن أتُوبَ عليكم، ﴿والله سميع عليم﴾ يريد: سميع لقولكم، عليم بما في أنفسكم مِن الندامة في التوبة، ﴿ولا يأتل﴾ يريد: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم والسعة﴾ يريد: ولا يحلف أبو بكر ألّا يُنفِق على مِسْطَح ﴿أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ فقد جعلت فيك -يا أبا بكر- الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله، فتعطف -يا أبا بكر- على مسطح، فله قرابة، وله هجرة ومسكنة ومشاهد رضيتها منه يوم بدر، ﴿ألا تحبون﴾ يا أبا بكر ﴿أن يغفر الله لكم﴾ يريد: فاغفِر لمسطح، ﴿والله غفور رحيم﴾ يريد: فإنِّي غفور لمن أخطأ، رحيم بأوليائي، ﴿ان الذين يرمون المحصنات﴾ يريد: العفائف ﴿الغافلات المؤمنات﴾ يريد: المُصَدِّقات بتوحيد الله وبرسله. وقد قال حسان بن ثابت في عائشة: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُوم الغَوافِل فقالت عائشة: لكنَّك لست كذلك. ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ يقول: أخرجهم من الإيمان. مثل قوله في سورة الأحزاب [٦١] للمنافقين: ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾، ﴿والذي تولي كبره﴾ يريد: كِبَر القَذْفِ وإشاعته؛ عبد الله بن أبي سلول الملعون، ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ يريد: أنّ الله ختم على ألسنتهم، فتَكَلَّمت الجوارح، و[شهدت] على أهلها، وذلك أنهم قالوا: تعالوا نحلف بالله ما كنا مشركين. فختم الله على ألسنتهم، فتكلمت الجوارح بما عملوا، ثم شهدت ألسنتهم عليهم بعد ذلك، ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ يريد: يجازيهم بأعمالهم بالحق، كما يجازي أولياءه بالثواب كذلك يجازي أعداءَه بالعقاب. كقوله في الحمد: ﴿مالك يوم الدين﴾ يريد: يوم الجزاء، ﴿ويعلمون﴾ يريد: يوم القيامة ﴿ان الله هو الحق المبين﴾ وذلك أنّ عبد الله بن أبي كان يشك في الدنيا، وكان رأس المنافقين، فذلك قوله: ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾، ويعلم ابن سلول ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ يريد: انقطع الشك، واستيقن حيث لا ينفعه اليقين، ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ يريد: أمثال عبد الله بن أبي، ومَن شك في الله، ويقذف مثل سيدة نساء العالمين، ﴿والطيبات للطيبين﴾ عائشة طَيَّبها اللهُ لرسوله؛ أتى بها جبريل في سَرَقَةٍ من حرير قبل أن تُصَوَّر في رَحِم أُمِّها، فقال له: عائشة بنت أبي بكر زوجتُك في الدنيا، وزوجتك في الجنة؛ عِوَضًا من خديجة. وذلك عند موتها، فسُرَّ بها رسولُ الله ﷺ، وقَرَّ بها عَيْنًا، ﴿والطيبون للطيبات﴾ يريد: رسول الله ﷺ، طَيَّبه اللهُ لنفسه، وجعله سيِّد ولد آدم، والطيبات يريد: عائشة، ﴿أولئك مبرؤن مما يقولون﴾ يريد: بَرَّأها الله مِن كذب عبد الله بن أبي، ﴿لهم مغفرة﴾ يريد: عصمة في الدنيا، ومغفرة في الآخرة، ﴿ورزق كريم﴾ يريد: رزق الجنة، وثواب عظيم
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تعملون﴾ على قولين: الأول: أنّ «ما» مصدرية، والمعنى: والله خلقكم وعملَكم. والثاني: أنّ «ما» موصولة، والمعنى: والله خلقكم والذي تعملونه. وزاد ابنُ عطية (٧/٢٩٩) قولين آخرين، وهما: الثالث: أنّ «ما» نافية، والمعنى: والله خلقكم وأنتم لا تعملون شيئًا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على شيء. والرابع: أنّ «ما» استفهاميّة. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧/٢٩٩) على القول الأول -وهو قول جماعة من المفسرين-، فقال: «هذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وذلك موافق لمذهب أهل السنة في ذلك». وعلَّقَ ابنُ جرير (١٩/٥٧٥) على القول الثاني بقوله: «معنى الكلام عند ذلك: واللهُ خلقكم والذي تعملونه، أي: والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب، والنحاس، والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم، وهذا المعنى الثاني قصد -إن شاء الله- قتادة بقوله:... بأيديكم». وبيَّن ابنُ كثير (١٢/٣٦ بتصرف) أنّ القولين الأول والثاني متلازمان، ولكنه مال إلى الأول، فقال: «كلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد... عن حذيفة مرفوعًا، قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته»». ورجَّحَ ابنُ القيم (٢/٣٧٠-٣٧٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، ونظائرها في القرآن، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، قال ابنُ القيم: «ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ أنها مصدرية، واحتجوا بها على خلق الأعمال، وليست مصدرية، وإنما هي موصولة، والمعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام، فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله، ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم؛ إذ يكون المعنى: أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟ فأي معنى في هذا، وأي حجة عليهم؟ والمقصود أنه كثيرًا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء. والصواب أنها موصولة، وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة... فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام، وبين أنها لا تستحق العبادة، ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترْك عبادته، وأن ما هو في معرض الإنكار عبادةُ من لا يستحق العبادة. فلو أنه قال: لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون. لتعينت المصدرية قطعًا، ولم يحسن أن يكون بمعنى: الذي؛ إذ يكون المعنى: كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم، فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق. فهذا وِزان ما قرروه مِن كونها مصدرية. فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادةَ مَن لا يستحق العبادة، فلا بُدَّ أن يبين فيه معنًى ينافي كونه معبودًا، فبيَّن هذا المعنى بكونه مخلوقًا له، ومَن كان مخلوقًا مِن بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يُعْبَد ولا تليق به العبادة، وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠] كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة، فهذا يبين المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله في سورة الأعراف [١٩٤]: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أي: هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق. وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه مِن حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: ﴿وما لِيَ لا أعبد الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس:٢٢] فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك، وهي كونه خالقًا لعابده فاطرًا له، وهذا إنعام منه عليه؛ فكيف يترك عبادته؟! ولو كان هذا هو المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم. فتأمله فإنه واضح». ثم بيَّن كيف يستدل بالآية على خلق الله لأعمال العباد، فقال: «ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير: أنّ الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها، وهي إنما صارت أصنامًا بأعمالهم، فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم، فإذا كان سبحانه هو الخالقُ اقتضى صِحَّة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها، أعني: مادتها وصورتها، فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أنّ مادتها كذلك لزم أن يكون خالقًا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة؛ لأنه متولد عن نفس حركاتهم، فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له، وهذا أحسن استدلالًا وألطف من جعل»ما«مصدرية، ونظيره من الاستدلال سواء قوله: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ وخَلَقْنا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١-٤٢]، والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن، وقد أخبر أنها مخلوقة، وهي إنما صارت سفنًا بأعمال العباد، ونظير هذا الاستدلال أيضًا قوله تعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١] والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم، وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها، وإنما صارت سرابيل بعملهم، ونظيره: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وجَعَلَ لَكُمْ مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٨٠] والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام، وإنما صارت بيوتًا بعملهم. فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة. قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها، وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال. والله أعلم. فالأولى أن تكون»ما«موصولة، أي: والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، لا آلهة شركاء معه، فأخبر أنه خلق معمولهم، وقد حله عملهم وصنعهم، ولا يقال:»المراد مادته«فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولًا بعد عملهم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥/٣٤٨-٣٥١)، وضعَّفَ القول الأول جدًّا، بل غلَّطه
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿إلا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أقوال: الأول: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى عليه السلام. الثاني: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت الكتابيّ. الثالث: إلا ليؤمنَنَّ بمحمد ﷺ قبل موت الكتابيّ. وعَلَّق ابنُ كثير (٤/٣٤٥) على القول الثاني والثالث قائلًا: «فأمّا من فسَّر هذه الآية بأنّ المعنى: أن كل كتابيٍّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأَْسَنا قالُوا آمَنّا باللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤-٨٥]. ومَن تأمل هذا جيِّدًا وأمعن النظر اتَّضَح له أنّ هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا». ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٦٧٢-٦٧٥) مستندًا إلى دلالة السنّة، والعقل، والسياق القول الأول، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد. وانتَقَدَ (٧/٦٧٢) القول الثاني بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- حَكَمَ لكل مؤمنٍ بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته لوَجَب أن لا يرث الكتابيَّ إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم مِن أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ أن يكون ميراثه منصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمُه حكمَ المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن مَن مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميع الرسل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤/٣٤٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية كلام ابن جرير هذا بقوله: «هذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردّى مِن شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى. فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدَّمناه». ووافق ابنُ كثير (٤/٣٤٤-٣٤٥ بتصرف) ابنَ جرير في نقده للقول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنّة، فقال: «لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بُطْلان ما ادَّعته اليهود من قَتْل عيسى وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٧/٦٧٤، ٦٧٥) القول الثالث بقوله: «وأمّا الذي قال: عنى بقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فما لا وجْه له مفهوم؛ لأنّه مع فساده مِن الوجه الذي دلَّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موت الكتابيّ. يزيده فسادًا أنّه لم يَجْرِ لمحمد ﷺ في الآيات التي قَبْل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِن ذكره، وإنّما قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْر عيسى وأمه واليهود، فغيرُ جائزٍ صرْفُ الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجةٍ يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبرٍ عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدَّعاوى فلا تتعذر على أحدٍ». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٢/٣٦٣-٣٦٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والعموم، ودلالة العقل القول الثاني والثالث بأنه: «لو آمَنَ به قبل الموت لنفعه إيمانه به، فإنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر. وإن قيل: المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة، لم يكن في هذا فائدة؛ فإنّ كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده، فلا اختصاص للمسيح به، ولأنّه قال: ﴿قبل موته﴾، ولم يقل: بعد موته. ولأنّه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد -صلوات الله عليهما وسلامه-، واليهودي الذي يموت على اليهودية يموت كافرًا بمحمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام-، ولأنه قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فِعْلٌ مُقْسَمٌ عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا، ولو أريد به قبل موت الكتابي لقال: وإن من أهل الكتاب إلا مَن يؤمن به، لم يقل: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإن مِن أهل الكتاب﴾، وهذا يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أنّ جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنّه رسول الله، ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى مِن أن يُدَّعى أنّ كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابيّ، فإنّ هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع، وهو لَمّا قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ دلَّ على أنّ المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو عُلِم أنّه أُرِيد بالعموم عمومَ مَن كان موجودًا حين نزوله، أي: لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به، لا إيمان من كان منهم ميتًا»
عن ابن عمر، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقْرَع بين نسائه ثلاثًا، فمَن أصابته القُرْعَة خرج بها معه، فلمّا غزا بني المُصْطَلِق أقرَعَ بينهنَّ، فأصابت عائشةَ وأمَّ سلمة، فخرج بهما معه، فلمّا كانوا في بعض الطريق مال رحل أمِّ سلمة، فأناخوا بعيرَها لِيُصْلِحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلمّا أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي: إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي. قالت: فنزلت مِن الهَوْدَج، ولم يعلموا بنزولي، فأتيت جَوْبَةً، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونِظامها، وبعث القومُ إبلهم، ومضوا، وظنوا أنِّي في الهودج، فخرجت ولم أرَ أحدًا، فاتبعتهم حتى أعييت، فقلت في نفسي: إنّ القوم سيفقدوني، فيرجعون في طلبي. فقُمتُ على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المُعَطِّل، وكان سأل النبيَّ ﷺ أن يجعله على السّاقَةِ، فجعله، وكان إذا رحل الناسُ قام يُصَلِّي، ثُمَّ اتَّبَعَهُم، فما سقط منهم مِن شيء حمله حتى يأتي به أصحابَه، قالت عائشة: فلمّا مَرَّ بي ظَنَّ أني رجل، فقال: يا نَوْمانُ، قُمْ؛ فإنّ الناس قد مضوا. فقلت: إني لست رجلًا، أنا عائشة. قال: إنّا لله وإنا اليه راجعون. ثم أناخ بعيرَه، فعقل يديه، ثم ولّى عَنِّي، فقال: يا أُمَّه، قومي فاركبي، فإذا ركبتُ فآذِنيني. قالت: فركبتُ، فجاء حتى حَلَّ العِقال، ثم بعث جمله، فأخذ بخِطام الجمل. قال ابن عمر: فما كلَّمها كلامًا حتى أتى بها رسولَ الله ﷺ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول المنافق: فَجَرَ بِها، وربِّ الكعبة. وأعانه على ذلك حسّان بن ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَةُ، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فكان في قلب النبي ﷺ مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدُ الله بن أُبَيٍّ هذا الحديثَ في المدينة، واشْتَدَّ ذلك على رسول الله ﷺ. قالت عائشةُ: فدخلتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السَّطْلَ وفيه ماءٌ، فوقع السطل منها، فقالت: تَعِس مِسْطَح. قالت لها عائشة: سبحان الله! تَسُبِّين رجلًا مِن أهل بدر، وهو ابنُكِ؟ قالت لها أم مسطح: إنّه سال بكِ السَّيْلُ وأنتِ لا تدرين! وأخبَرَتْها بالخبر. قالت: فلمّا أخبرتني أخذتني الحُمّى، فتَقَلَّص ما كان، ولم أجد المذهب. قالت عائشة: وقد كنت أرى مِن النبي ﷺ قبل ذلك جفوةً، ولم أدرِ مِن أيِّ شيء هو، فلما حدثتني أمُّ مِسْطَحٍ علمتُ أنّ جفوةَ رسول الله ﷺ كانت لِما أخبرتني أمُّ مسطح، فقلتُ للنبيِّ ﷺ: أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال: «اذهبي». فخرجت عائشةُ حتى أتت أباها، فقال لها: ما لكِ؟ قلت: أخرجني رسول الله ﷺ مِن بيته. قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله ﷺ من بيته وآويك أنا؟! واللهِ، لا آويك حتى يأمر رسول الله ﷺ. فأمره رسولُ الله ﷺ أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: واللهِ، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بالإسلام؟ فبَكَتْ عائشةُ، وأمُّها أمُّ رَومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فصعد المنبر، فحَمِد الله، وأثنى عليه، فقال: «أيها الناسُ، مَن يعذرني مِمَّن يؤذيني؟». فقام إليه سعد بن معاذ، فسَلَّ سيفَه، وقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن يكن مِن الأوسِ أتيتُك برأسه، وإن يكن مِن الخزرج أمرتَنا بأمرك فيه. فقام سعدُ بن عبادة، فقال: كذبتَ، واللهِ، ما تقدر على قتله، إنّما طلبتنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينكم في الجاهلية. فقال هذا: قال الأوس. وقال هذا: قال الخزرج. فاضطربوا بالنِّعال والحجارة، وتلاطموا، فقام أسيد بن حُضَير، فقال: فيمَ الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره، فينفُذُ عن رغم أنف مَن رغِم. ونزل جبريلُ وهو على المنبر، فلمّا سُرِّي عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩] إلى آخر الآيات. فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله. وقام بعضُهم إلى بعض، فتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبيُّ ﷺ عن المنبر، وانتظر الوحيُ في عائشة، فبعث النبيُّ ﷺ إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يَعْدُ عَلِيًّا، وأسامةَ بعد موت أبيه زيد. فقال لعلي: «ما تقول في عائشة؟ فقد أهمني ما قال الناس». قال: يا رسول الله، قد قال الناس، وقد حلَّ لك طلاقُها. وقال لأسامة: «ما تقول أنت؟». قال: سبحان الله! ما يَحِلُّ لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال لبريرة: «ما تقولين، يا بريرة؟». قالت: واللهِ، يا رسول الله، ما علِمْتُ على أهلِكَ إلا خيرًا، إلا أنها امرأة نَؤُوم، تنام حتى تجيءَ الدّاجِنُ فتأكل عجينها، وإن كان شيءٌ مِن هذا ليخبرنك اللهُ. فخرج ﷺ حتى أتى منزلَ أبي بكر، فدخل عليها، فقال لها: «يا عائشة، إن كنتِ فعلتِ هذا الأمرَ فقولي لي حتى أستغفرَ اللهَ لكِ». فقالت: واللهِ، لا أستغفر الله منه أبدًا، إن كنتُ قد فعلتُه فلا غَفَرَ الله لي، وما أجد مَثَلي ومَثَلُكم إلا مَثَلَ أبي يوسف -وذهب اسم يعقوب مِن الأسف-، قال: ﴿انما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ [يوسف:٨٦]. فبينا رسول الله ﷺ يُكَلِّمها إذ نزل جبريلُ بالوحي، فأخذتِ النبيَّ ﷺ نعسةٌ، فسُرِّي وهو يتبسم، فقال: «يا عائشةُ، إنّ الله قد أنزل عذركِ». فقالت: بحمد الله، لا بحمدك. فتلا عليها سورةَ النور إلى الموضع الذي انتهى خبرُها وعذرُها وبراءتُها، فقال رسول الله ﷺ: «قُومي إلى البيت». فقامت، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فجيء به، فضربه النبيُّ ﷺ حَدَّيْن، وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة، فضُرِبوا ضربًا وجيعًا، ووَجَأَ في رقابهم. قال ابن عمر: إنّما ضرب رسولُ الله ﷺ عبد الله بن أُبَيٍّ حَدَّيْن؛ لأنّه مَن قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حَدّان. فبعث أبو بكر إلى مِسْطَح: لا وصَلْتُك بدرهمٍ أبدًا، ولا عطفتُ عليك بخير أبدًا. ثم طرده أبو بكر، وأخرجه من منزله، فنزل القرآن: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ إلى آخر الآية. فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأُضاعِفَنَّ لك. وكانت امرأة عبد الله بن أُبَيٍّ مُنافقة معه؛ فنزل القرآن: ﴿الخبيثات﴾ يعني: امرأة عبد الله ﴿للخبيثين﴾ يعني: عبد الله، ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ يعني: عبد الله وامرأته، ﴿والطيبات﴾ يعني: عائشة وأزواج النبي ﷺ ﴿للطيبين﴾ يعني: النبي ﷺ
اختُلف في فاعل «زكّى» على قولين: الأول: أن يكون هو الله تعالى. الثاني: أن يكون الإنسان وعليه تقع ﴿مَن﴾. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٦٢٩) القول الأول بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زَكّاها الله تعالى، و﴿مَن﴾ تقع على جمع أو أفراد». ووجَّه القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلح مَن زكّى نفسه، أي: اكتسب الزكاء الذي قد خَلَقه الله تعالى له». ثم ذكر حديث سعيد بن أبي هلال السابق، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الحديث يُقوِّي أنّ المُزكِّي هو الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٤) معنى الاحتمال الأول، فقال: «وقيل: قد أفلحتْ نفسٌ زَكّاها الله، وقد خابتْ نفس دسّاها الله. وهذا قول الفراء والزّجّاج، وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس». ثم انتقده -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهو منقطع، وليس هو مراد من الآية، بل المراد بها الأول[يقصد القول بأن فاعل زكى هو الإنسان] قطعًا لفظًا ومعنى. أما اللفظ فقوله: ﴿مَن زَكّاها﴾ اسم موصول، ولا بُدّ فيه مِن عائد على ﴿مَن﴾، فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زَكّاها. كان ضمير الشخص في ﴿زَكّاها﴾ يعود على ﴿مَن﴾، وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته، كما يقال: قد أفلح مَن اتقى الله، وقد أفلح مَن أطاع ربه، وقد أفلح مَن خاف منه. وأمّا إذا كان المعنى: قد أفلح مَن زَكّاه الله. لم يبق في الجملة ضمير يعود على ﴿مَن﴾، فإنّ الضمير على هذا يعود على الله، وليس هو ﴿مَن﴾، وضمير المفعول يعود على النفس المتقدّمة، فلا يعود على ﴿مَن﴾ لا ضمير الفاعل ولا المفعول، فتخلو الصلة من عائد، وهذا لا يجوز. نعم، لو قيل: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه، أو مَن زَكّاها الله له، ونحو ذلك صحّ الكلام، وخفاء هذا على مَن قال به مِن النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحتْ نفس زَكّاها. فإنه هنا كانت تكون زَكّاها صفة لنفس لا صلة، بل قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فالجملة صلة لـ﴿مَن﴾ لا صفة لها. ولا قال أيضًا: قد أفلحتْ النفس التي زَكّاها. فإنه لو قيل ذلك وجعل في ﴿زكاها﴾ ضمير يعود على اسم الله صحّ. فإذا تكلّفوا وقالوا: التقدير ﴿قد أفلح مَن زَكّاها﴾ هي النفس التي زَكّاها. وقالوا: في زَكّى ضمير المفعول يعود على ﴿مَن﴾، وهي تصلح للمذكر والمؤنث، والواحد والعدد، فالضمير عائد على معناها المؤنث، وتأنيثها غير حقيقي، ولهذا قيل: ﴿قد أفلح﴾، ولم يقل: قد أفلحتْ، قيل لهم: هذا مع أنه خروج مِن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، فإنّ قوله: ﴿منكن﴾ دلَّ على أنّ المراد: النساء، فقيل:»تعمل«، وكذا قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] ونحو ذلك، وأمّا هنا فليس في لفظ ﴿مَن﴾ وما بعدها ما يدل على أنّ المراد به النفس المؤنثة، فإنه لم يقل: قد أفلحتْ، ولا قال: قد أفلح من النفوس مَن زَكّاها، وقد تقدّمها قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس:٧-٨]، ثم قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، فتقدّم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدّم دليل على عوده إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يُراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإنّ مثل هذا مما يصان كلام الله عنه، فلو قُدِّر احتمال عود ضمير ﴿زكاها﴾ إلى»نفس«وإلى ﴿مَن﴾ مع أنّ لفظ ﴿من﴾ لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإنّ الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومَن تكلّف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن مُنَزّه عن ذلك، والعدول عما يدُلُّ عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ألبتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى؟! فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور، ولبسط هذا موضع آخر. والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم، والتحذير من تدسيتها، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فلو قُدِّر أنّ المعنى: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر، فلا يقول: مَن جعله الله مؤمنًا. بل يقول: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلًا؛ فكيف بكلام الله؟! ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد، والمدح والذم، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إمّا بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأمّا في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النِّعم. كقوله: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكى﴾ الآية [النور:٢١]، فهذا مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى». ورجَّح ابنُ القيم (٣/٣١٠) -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- الاحتمال الثاني، فقال: «هذا القول هو الصحيح، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علّقه بفعل المفلح، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى آخر الآيات». ثم ذكر حُجّة أصحاب الاحتمال الأول، فقال: «قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهّره، وخسارة مَن خذله، حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدرٍ سابق، وقضاء متقدم. قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة، قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، قالوا: ويشهد له حديث نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها قالت: انتبهت نفسي ليلة، فوجدتُ رسول الله وهو يقول: «ربِّ، أعطِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها، أنت وليّها ومولاها». قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنّ النبي كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ وقف، ثم قال: «اللهم، آتِ نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها». قالوا: وفي هذا ما يبيّن أنّ الأمر كلّه له سبحانه، فإنه هو خالق النفس ومُلهِمها الفجور والتقوى، وهو مُزكِّيها ومُدسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيء، ولا هو مالك من أمر نفسه شيئًا». ثم انتقدهم قائلًا: «هذا القول وإن كان جائزًا في العربية، حاملًا للضمير المنصوب على معنى ﴿مَن﴾ وإن كان لفظها مذكرًا، كما في قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] جمع الضمير وإن كان لفظ ﴿من﴾ مفردًا حملًا على نظمها، فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر، وههنا قد تقدم لفظ ﴿من﴾، والضمير المرفوع في ﴿زَكّاها﴾ يستحقه لفظًا ومعنًى، فهو أولى به، ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه، وأمّا عود الضمير الذي يلي ﴿من﴾ على الموصول السابق، وهو قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾، وإخلاء جاره الملاصق له وهو ﴿من﴾، ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على ﴿من﴾ ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة؛ فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه، فأمّا إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه، ولم تدع الضرورة إليه؛ فالحمل عليه ممتنع. قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه: أحدها: أن فيه إشارة إلى ما تقدّم مِن تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن. الثاني: أنّ فيه زيادة فائدة، وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ إثبات القضاء والقدر السابق، فتضمّنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن؛ كقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٤-٥٦]، وقوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] فتضمّنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية. الثالث: أنّ قولنا يستلزم قولكم دون العكس، فإنّ العبد إذا زَكّى نفسه ودسّاها فإنما يزُكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يُدسِّيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر ألبتة»
اختُلِف في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب﴾ على قولين: الأول: أنّه مِن قول يوسف. واختُلِف القائلون بهذا القول على وجهين: الوجه الأول: أنّ هذه المقالة مِن يوسف هي مُتَّصِلة بقوله للرسول: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير وهو قول ابن جريج. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥/١٠٤) بقوله: «فالإشارة بقوله: ﴿ذلك﴾ -على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن، والتماسه البراءة، أي: هذا ليعلم سيدي أنِّي لم أخنه. الوجه الثاني: أنّ يوسف قال هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾، وهو قول ابن عباس. ولم يذكر ابنُ جرير غيرَ هذا القولَ، واستشهد له باللغة، والنظائر، وأقوال السلف، فقال:»واتَّصَلَ قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ المعَرِّفَة السّامِعِين لمعناه، كاتِّصال قول الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، وذلك أنّ قوله: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ خَبَرُ مبتدإٍ. وكذلك قول فرعون لأصحابه في سورة الأعراف: ﴿فَماذا تَأْمُرُونِ﴾، وهو مُتَّصِلٌ بقول المَلَأِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف:١١٠]"". وعلَّق ابنُ عطية على هذا القول بقوله: «فالإشارة -على هذا- إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا يضعف؛ لأنّه يقتضي حضورُه مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ﴿ائتوني به﴾». ثم بَيَّن أنه على هذا القول يجيء قوله: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ «بتقدير: وليعلم أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». الثاني: أنّه مِن قول المرأة، ذكره ابنُ عطية (٥/١٠٤)، وعلَّق عليه بقوله (٥/١٠٥): «أي: قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أنِّي لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه، والتقدير على هذا التأويل: توبتي وإقراري ليعلم أنِّي لم أخنه، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». واختُلِف في قوله: ﴿وما أبرئ نفسي... ﴾، هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها، وذكر ابنُ عطية (٥/١٠٥) أنّ مَن قال إنها من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: لما قال يوسف: أني لم أخنه بالغيب. قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك. ومَن قال بأنّه مِن قول المرأة وجَّه كلامَها إلى الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببِدْعٍ، ولا ذلك نكير على البشر فأُبرِّئ أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. وانتقد ابنُ تيمية (٤/٤٥-٥٢بتصرف) قولَ مَن قال بأنّ الآيتين مِن قول يوسف، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وغيرهم، فقال: «وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدُلُّ على نقيضه». ورجَّح القولَ بأنّه مِن قول المرأة مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وذلك:١- أنّ حال يوسف الظاهر مِن القرآن أنّه صاحب نفس زكية عفيفة لم تستجب للإغراء الشديد، فكيف يقول: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وهو يعلم أنّ نفسه بريئة زكية غير أمارة. ٢- أنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه، فإنه لم يتقدم مِن يوسف كلام يشير به إليه، ولا تقدم أيضًا ذكرَ عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾. وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أوَّلًا، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إنّ قوله: ﴿ذلك﴾ من قول يوسف، مع أنّه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل؛ لا يَصِحُّ بحال. ٣- أنّ المعنى على هذا التقدير -لو كان هنا ما يشار إليه مِن قول يوسف أو عمله-: إنّ عِفَّتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيزُ أنِّي لم أخنه، ويوسف عليه السلام إنّما تركها خوفًا مِن الله ورجاء لثوابه؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فأخبر أنّه رأى برهان ربه، وأنّه مِن عباده المخلصين. ومَن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه، ولم يكن بذلك مخلصًا، فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحادُ الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على مَن عمل لأجله. ٤- أنّ الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه مَن لذلك عنده قدر، وهذا يناسب لو كان العزيز غيورًا، وللعِفَّة عنده جزاء كثير، والعزيز قد ظهرت عنه مِن قلة الغيرة وتمكين امرأته مِن حبس يوسف مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضي أنّ مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله، فإنّ النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني لأهله؛ بل سلَّطها ومكَّنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت مَن حاله هذا تفعل الفاحشة؛ إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإمّا إهمالًا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله. ٥- أنّ الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب، ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز، فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني. لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه، ولهذا قالت: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾. فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو من باب الظلم والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة. ٦- أنّ النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة كما قال القرآن: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. وقد علِمنا قطعًا أنّ نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء، وأمّا نفس يوسف عليه السلام فإن لم تكن من النفوس المرحومة عن أن تكون أمّارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإنّ مَن تدَّبر قصة يوسف علم أن الذي رُحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن. ٧-أن هذا الكلام فيه -مع الاعتراف بالذنب- الاعتذار بذكر سببه، فإنّ قولها: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ فيه اعتراف بالذنب، وقولها: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ إشارة تطابق لقولها: ﴿أنا راودته﴾، أي: أنا مُقِرَّة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي، ثم بينت السبب فقالت: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا منِّي، ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾. فإن قيل: فهذا كلام مَن يُقِرُّ بأن الزنا ذنب، وأن الله قد يغفر لصاحبه. قيل: نعم، والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: ﴿واستغفري لذنبك﴾. وهذا دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين؛ إذ الفواحش مما اتَّفق اهل الأرض على استقباحها. ٨-أنّ الله لم يذكر عن نبيٍّ ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ويوسف لم يذكر القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، وما نقل عن وقوعه في بعض مقدمات الذنب كحل السراويل ونحوها فهذا ليس مما ينقل عن النبي، بل عن أهل الكتاب، وقولهم في الأنبياء معروف، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف مِن الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لَكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعيَّن أن يكون تائبًا، واللهُ لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف. وانتقد ابنُ القيم (٢/٦٤-٦٥بتصرف) القول بأنه من قول يوسف، ورجَّح أنّه من قول امرأة العزيز مستندًا إلى اللغة، والسياق، وذلك:١- أنّه متصل بكلام المرأة السابق، وهو قولها: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته﴾، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه، والقول في مثل هذا لا يُحْذَف لئلا يوقع في اللبس، فإن غايته أن يحتمل الأمرين، فالكلام الأول أولى به قطعًا. ٢- أنّ يوسف لم يكن حاضرًا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن، والسياق صريح في ذلك فإنّه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾. ٣- أنّ الضمائر كلها في نسق واحد، وذلك قول النسوة: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾، وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾، فهذا هو المذكور أولًا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قولٌ لا دليل عليه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨/٥٠-٥١)