ذكر ابنُ جرير (١٥‏/‏١٠٦) قراءة علي، وعلّق عليها بقوله: «ومن قرأ ذلك على هذه القراءة فإنه ينبغي أن يكون على مذهبه تأويل قوله: ﴿إني لأظنك يا موسى مسحورا﴾ [الإسراء:١٠١] إني لأظنك قد سحرت، فترى أنك تتكلم بصواب وليس بصواب. وهذا وجه من التأويل». وبنحوه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٥٢)، قال: «وتتقوى هذه القراءة لمن تأول ﴿مَسْحُورًا﴾ على بابه». ثم انتقدها ابنُ جرير مستندًا لمخالفتها قراءة قراء الأمصار، ورجّح قراءة الفتح، فقال: «غير أن القراءة التي عليها قراء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الحجة فيما جاءت به من القراءة مجمعة عليه. وبعد، فإنّ الله -تعالى ذكره- قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع مع علمهم بأنها من عند الله بقوله: ﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قومًا فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل:١٣]، فأخبر -جلَّ ثناؤه- أنهم قالوا: هي سحر مع علمهم واستيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله: ﴿لقد علمت﴾ إنما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالم بأنها آيات من عند الله. وقد ذكر عن ابن عباس أنه احتج في ذلك بمثل الذي ذكرنا من الحجة...». ورجّحها ابنُ القيم (٢‏/‏١٥٥-١٥٦) مستندًا إلى المعنى بقوله: «وقراءة الجمهور أحسن وأوضح وأفخم معنى، وبها تقوم الدلالة، ويتم الإلزام بتحقق كفر فرعون وعناده، ويشهد لها قوله تعالى إخبارًا عنه وعن قومه: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقابة المفسدين﴾، فأخبر سبحانه أن تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين- وهو أقوى العلم - ظلمًا منهم وعلوًا لا جهلًا». وعلى هذه القراءة ففى الآية احتمالين على ما ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٥٣): الأول: أن هذا خبر من موسى عليه السلام بعلم فرعون، وأنه كفر عنادًا. الثاني: أن ذلك مبالغة في توبيخ فرعون، أي: «أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون»

اختُلف في المراد بالزكاة على أقوال: الأول: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهّرهم، وتزكّي أبدانهم، ولا يوحِّدونه. الثاني: النفقة في الطاعات. الثالث: زكاة المال. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٨٠) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وكونه الأشهر في معنى الزكاة- القولَ الأخير الذي قاله الحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومجاهد، والربيع، فقال: «وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عُنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ مرادًا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله؛ لم يكن لقوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ معنى؛ لأنه معلوم أنّ مَن لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ قولَه: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ ما ينبئ عن أنّ الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال». ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٤٦٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «ويرجِّح هذا التأويل أنّ الآية من أوَّل المكيّ، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيرهما من الشرك والمعاصي». ورجَّح ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٥٦) -مستندًا إلى النظائر- أن الآية تتناول كل ما يتزكّى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة، كقوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات:١٨]، وقوله: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى:١٤]. وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٢١٩) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٥٦)، ثم وجَّهه بقوله: «اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصلُ الزكاة الصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١]، فأما الزكاة ذات النُّصب والمقادير فإنما بُيّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا»

رجَّحَ ابن جرير (٢‏/‏٣٩٧-٣٩٨)، وابن عطية (١‏/‏٣١٦) جوازَ أن يُنسِي اللهُ عز وجل نبيَّه ﷺ بعضَ ما قد كان أنزله إليه. وانتقدا القولَ بعدم الجواز استنادًا إلى القرآن، وما صحَّ من السنة، والسّياق، والدلالات العقلية، فقال ابن جرير (٢‏/‏٣٩٧-٣٩٨ بتصرف): «قد أنكر قومٌ قراءةَ من قرأ: (أوْ تُنْسَها) إذا عني به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله ﷺ نسي من القرآن شيئًا مما لم ينسخ، إلا أن يكون نسي منه شيئًا ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئًا لم يكن الذين قرؤوه وحفظوه من أصحابه بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء:٨٦] ما يُنبِئُ عن أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يُنسِ نبيَّه شيئًا مما آتاه من العلم. قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وغيرُ مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبيه ﷺ بعض ما قد كان أنزله إليه، فإذا كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز، وأما قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ فإنه -جل ثناؤه- لم يُخْبِر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله؛ بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾، فأخبر أنه يُنسِي نبيَّه منه ما شاء، فالذي ذهب منه الذي استثناه الله، فأما نحن فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله -تعالى ذِكْرُه- قد كان أنسى نبيَّه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله». وقال ابن عطية: «والصحيح في هذا أنّ نسيان النبي ﷺ لِما أراد الله تعالى أن ينساه، ولم يُرِد أن يثبت قرآنًا؛ جائزٌ، فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي ﷺ معصوم منه قبل التبليغ، وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يُحْفَظ فجائز عليه ما يجوز على البشر؛ لأنه قد بَلَّغ وأَدّى الأمانة، ومنه الحديث حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: «أفي القوم أُبَيٌّ؟». قال: نعم، يا رسول الله. قال: «فلِمَ لَمْ تذكِّرني؟». قال: حسبت أنها رفعت. فقال النبي ﷺ: «لم ترفع، ولكني نسيتها»»

رجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٩٤، ١٠٠-١٠١ بتصرف) أنّ نفس الرجل الحر قَوَد قصاصًا بنفس المرأة الحرة، وأنّ معنى الآية: أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. استنادًا إلى دلالة القرآن، والسُّنَّة، والقياس، فقال: «فإن قال قائل: فإنه -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر، ولا للأنثى إلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد، وللأنثى من الذَّكَر بقول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، وبالنقل المستفيض عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المسلمون تَتَكافأ دماؤهم»». وقال: «قد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ بالنقل العام أنّ نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصاصًا بنفس المرأة الحرة، فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الرجل والمرأة على ما قد بينّا من قول عليٍّ وغيره، وكان واضحًا فساد قول مَن قال بالقصاص في ذلك والتراجع بفضل ما بين الديتين بإجماع جميع أهل الإسلام على أنّ حرامًا على الرجل أن يتلف من جسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه -فدع ما جميعه-، وعلى أنّ حرامًا على غيره إتلاف شيء منه مثل الذي حرم من ذلك بِعِوَضٍ يعطيه عليه؛ فالواجب أن تكون نَفْسُ الرجل الحر بنَفْسِ المرأة الحرة قَوَدًا. وإذا كان ذلك كذلك كان بيِّنًا بذلك أنّه لم يُرِد بقوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقاد العبد بالحر، وأن لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى. وإذا كان ذلك كذلك كان بَيِّنًا أنّ الآية مَعْنِيٌّ بها أحدُ المعنيين الآخرين: إما قولنا من أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. وإما القول الآخر وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصةً، أمر النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومَن ذكرنا قوله. وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن المقاصّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أنّ الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نسخه، وإذا كان كذلك، وكان قوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ يُنبِئُ على أنه فرض؛ كان معلومًا أن القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة؛ لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه فلا خيار لهم فيه، والجميع مجمعون على أن لأهل الحقوق الخيار في مقاصّتهم حقوقهم بعضها من بعض، فإذا تبين فساد هذا الوجه الذي ذكرنا؛ فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا»

اختُلف في المراد بالشاهد، وبحسب هذا اختُلف في مكية السورة ومدنيتها على أقوال: الأول: أنّ الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ الضمير فيه عائد على قول محمد ﷺ في القرآن: إنه من عند الله. الثاني: أنه رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. الثالث: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام. الرابع: أن الشاهد موسى بن عمران، والآية مكية. وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٧١٥) على القول الأخير الذي قاله مسروق، والشعبي، بقوله: «قوله تعالى: ﴿على مثله﴾ يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد -على هذا التأويل- على القرآن، أي: جاء شاهدٌ مِن بني إسرائيل بمثله، وشهد أنّه مِن عند الله تعالى». ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏١٣١) أنّ الشاهدَ عبد الله بن سلام مستندًا إلى أقوال السلف، وأحوال النُّزول، كما قوّى القول الأخير من جهة السياق، فقال: «لأن قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ في سياق توبيخ الله -تعالى ذكره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيّه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذِكر فتُوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى». ثم قال: «غير أنّ الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به». ورجَّح ابنُ كثير (١٣‏/‏١١) -مستندًا إلى أحوال النزول والنظائر- أنّ الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام وغيره، ثم قال: «فإنّ هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ [القصص:٥٣]، وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء:١٠٧- ١٠٨]». وساق ابنُ عطية (٥‏/‏٩٥ ط: دار الكتب العلمية) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿فآمن﴾ -على هذا التأويل [يعني: قول مسروق]- يعني به: تصديق موسى بأمر محمد، وتبشيره به. فذلك إيمان به، وأما مَن قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمان بيّن، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله». ثم ذكر (٧‏/‏٦١٥) قولًا بأن الفاعل بـ«آمن» هو محمد ﷺ، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بقوله تعالى: ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ على أقوال: الأول: كان قائل ذلك رجلًا من اليهود، فمِن قائل: اسمه مالك بن الصيف. وهو قول سعيد بن جبير، وعكرمة. ومِن قائل: اسمه فِنْحاص. وهو قول السدي. الثاني: جماعة من اليهود سألوا النبي ﷺ آيات مثل آيات موسى. وهو قول قتادة، ومحمد القرظي، وابن عباس. الثالث: مشركو قريش، وأنهم قالوا: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾. وهو قول مجاهد. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٩٧-٣٩٨) مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية القول الثالث، وذلك أنّ سياق الآيات في الإخبار عن كفار قريش، ولم يَجْرِ لليهود قبل هذا ذكرٌ، إضافةً إلى أن المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، ولم يُعرَف عنهم إنكار إنزال الكتب من السماء. ثم وجَّه القول الأول والثاني، فقال: «ولكنِّي أظنُّ أنّ الذين تأوَّلوا ذلك خبرًا عن اليهود؛ وجدوا قوله: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا وعُلِّمْتُم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾، فوجَّهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾، فجعلوا ابتداء الآية خبرًا عنهم، إذ كانت خاتمتها خطابًا لهم عندهم». ووافقه ابنُ كثير (٦‏/‏١١٠-١١١) وزاد مستند أحوال النزول؛ وذلك أنّ الآية مكية، والعرب قاطبة كانوا يُبعِدون إرسال رسولٍ من البشر، واستدل بقوله تعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢]، وبقوله تعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء:٩٤]. وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٤١٥) بقوله: «مَن قال: إنّ المراد: كفار العرب. فيجيء الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ احتجاجًا بأمر مشهور منقول بكافة قوم لم تكن العرب مكذبة لهم. ومن قال: إن المراد: بنو إسرائيل. فيجيء الاحتجاج عليهم مستقيمًا؛ لأنهم يلتزمون صحة نزول الكتاب على موسى». ثم عقَّب ابنُ جرير (٩‏/‏٣٩٨) على القراءة، فقال: «والأصوب من القراءة في قوله: ‹يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا› أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى: أنّ اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، ويكون الخطاب بقوله: ﴿قل من أنزل الكتاب﴾ لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد -إن شاء الله- في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ»

اختُلف في معنى: ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ على أقوال: الأول: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة. الثاني: الشاهد: محمد ﷺ، والمشهود: يوم القيامة. الثالث: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم القيامة. الرابع: الشاهد: محمد ﷺ، والمشهود: يوم القيامة. الخامس: الشاهد: الله، والمشهود: يوم القيامة. السادس: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود: يوم الجمعة. السابع: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود: يوم عرفة. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧٧) بقوله: «ووصف هذه الأيام بشاهدٍ لأنها تشهد لحاضريها بالأعمال». الثامن: الشاهد: آدم عليه السلام وجميع ذريته، والمشهود: يوم القيامة. التاسع: الشاهد: يوم عرفة يوم الجمعة، والمشهود: يوم القيامة. العاشر: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة. الحادي عشر: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم النحر. الثاني عشر: الشاهد: يوم التروية، والمشهود: يوم عرفة. الثالث عشر: الشاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة. الرابع عشر: الشاهد: أنت، يا ابن آدم، والمشهود: الله. الخامس عشر: الشاهد: يوم القيامة، والمشهود: الناس. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٧٠) العموم، «وأن يقال: إنّ الله أقسم بشاهدٍ شَهِد، ومشهود شُهِد، ولم يُخْبِرنا مع إقسامه بذلك أيَّ شاهد وأيَّ مشهود أراد، وكلّ الذي ذكرنا أنّ العلماء قالوا هو المعنيُّ مما يستحق أن يقال له: شاهدٌ ومشهودٌ». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٢٧٧)، وقال: «وأعمُّ المعاني فيه أنه المُدرك والمُدرك، والعالم والمعلوم، والرائي والمرئي». ثم علَّق بقوله: «وهذا أليق المعاني به، وما عداه من الأقوال ذُكِرَتْ على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص». وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧٦ بتصرف) أقوالًا أخرى، وعلَّق على بعضها، فقال: «عن أبي مالك: أنّ الشاهد: عيسى، والمشهود: أُمّته. وعن بعض الناس -كما في كتاب النقاش-: الشاهد: يوم الاثنين، والمشهود: يوم الجمعة. وقال الترمذي: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود عليهم: الناس. وقال عبد العزيز بن يحيى عند الثعلبي: الشاهد: محمد، والمشهود عليهم: أُمّته، نحو قوله تعالى: ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]، أي: شاهدًا، قال: الشاهد: الأنبياء، والمشهود عليهم: أممهم. وقال الحسين بن الفضل: الشاهد: أُمّة محمد، والمشهود عليهم: قوم نوح، وسائر الأمم حسب الحديث المقصود في ذلك. وقال ابن جبير أيضًا: الشاهد: الجوارح التي تنطق يوم القيامة فتشهد على أصحابها، والمشهود عليهم: أصحابها. وقال بعض العلماء: الشاهد: الملائكة المتعاقبون في الأُمّة، والمشهود: قرآن الفجر، وتفسيره قول الله تعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٨٧]. وقال بعض العلماء: الشاهد: النجم، والمشهود عليه: الليل والنهار، أي: يشهد النجم بإقبال هذا وتمام هذا، ومنه قول النبي ﷺ: «حتى يطلع الشاهد»، «والشاهد: النجم». وقال بعض العلماء: الشاهد: الله تعالى والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، وأنّ الدين عند الله الإسلام. وقيل: الشاهد: مخلوقات الله تعالى، والمشهود به: وحدانيته»

اختلف القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿لِتزولَ﴾ بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، بمعنى: وما كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال. الثانية: ‹لَتَزُولُ› بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، بمعنى: اشتدَّ مكرهم حتى زالت منه الجبال، أو كادت تزول منه، على تأويل قراءة من قرأ ذلك: (وإن كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنهُ الجِبالُ). ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٧٢٣-٧٢٤) القراءة الأولى، وانتقد القراءة الثانية مستندًا إلى الدلالة العقلية، وإجماع الحجة من القرأة على القراءة الأولى، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ اللام الأولى إذا فُتِحَت فمعنى الكلام: وقد كان مكرُهم تزولُ منه الجبال، ولو كانت زالت لم تكن ثابتة، وفي ثبوتها على حالتها ما يُبِينُ عن أنها لم تَزُل، وأخرى: إجماع الحجَّة مِن القرأة على ذلك، وفي ذلك كفاية عن الاستشهاد على صحتها وفساد غيرها بغيره. فإن ظنَّ ظانٌّ أنّ ذلك ليس بإجماع مِن الحُجَّة، إذ كان من الصحابة والتابعين مَن قرأ ذلك كذلك، فإنّ الأمر بخلاف ما ظنَّ في ذلك، وذلك أنّ الذين قرءوا ذلك بفتح اللام الأولى ورفع الثانية قرءوا: (وإن كادَ مَكْرُهُمْ) بالدال، وهي إذا قُرِئَت كذلك، فالصحيح من القراءة مع: (وإن كادَ) فتح اللام الأولى ورفع الثانية على ما قرءوا، وغير جائزٍ عندنا القراءة كذلك؛ لأنّ مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنما خط مصاحفنا: ﴿وإن كانَ﴾ بالنون لا بالدال، وإذ كانت كذلك فغير جائزٍ لأحدٍ تغيير رسم مصاحف المسلمين، وإذا لم يَجُزْ ذلك لم يكن الصحاح من القراءة إلا ما عليه قرأة الأمصار، دون مَن شذَّ بقراءته عنهم». ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٧٢٦) بناءً على القراءة الأولى أنّ المعنى: «وقد أشرك الذين ظلموا أنفسهم بربهم، وافتَرَوا عليه فِرْيَتهم عليه، وعند الله عِلْمُ شركهم به وافترائهم عليه، وهو مُعاقِبُهم على ذلك عقوبتهم التي هم أهلها، وما كان شِرْكهم وفريتهم على الله لتزولَ منه الجبال، بل ما ضرُّوا بذلك إلا أنفسهم، ولا عادت مَغَبَّةُ مكروهه إلا عليهم». واستشهد على ذلك بقولِ عليّ رضي الله عنهما. وعلَّق ابنُ كثير (٨‏/‏٢٣٢) على هذا المعنى بقوله: «ويشبه هذا إذًا قوله تعالى: ﴿ولا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء:٣٧]». ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٢٦٢) القراءة الأولى بقوله: «وهذا على أن تكون ﴿إن﴾ نافية بمعنى: ما، ومعنى الآية: تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، وهذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين». ثم ذكر لها معنًى آخر، فقال: «وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديدًا إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور». ووجَّه القراءة الثانية بقوله: «وهذا على أن تكون ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، ومعنى الآية: تعظيم مكرهم وشدته، أي: أنه مما يُشْقى به، ويزيل الجبال من مستقراتها بقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ وفي المراد به على أقوال:- فعلى قراءة مَن قرأ ذلك: ‹لتركبَنَّ› بفتح الباء وفي معناها أربعة أقوال: الأول: لتركبَنَّ -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد. الثاني: لتركبَنَّ -يا محمد- سماء بعد سماء. الثالث: لتركبَنَّ الآخرة بعد الأولى. الرابع: أنّ الإشارة إلى السماء، والمراد: أنها تتغير ضروبًا من التغيير، فتارة كالمُهل وتارة كالدّهان. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٢٧٤) أنه على الثلاثة الأولى فالتاء للمخاطب، وعلى القول الرابع فالتاء للغيبة. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧٣) معنًى آخر على هذه القراءة، ووجّهه، فقال: «وقيل: هي عِدة بالنصر، أي: لتركبن أمر العرب قبيلًا بعد قبيل، وفتحًا بعد فتح، كما كان ووجد بعد ذلك». وبيّن ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٩٨-٢٩٩) أنّ قول مَن قال: معناه: سماء بعد سماء. فإنما عنى به ليلة الإسراء. وعلّق ابنُ القيم على القول الرابع بقوله: «ودل على السماء ذِكر الشَّفَق والقمر». ثم وجّهه بقوله: «وعلى هذا فيكون قسمًا على المعاد وتغيير العالم».- وعلى قراءة مَن قرأ ذلك: ﴿لتركبُنَّ﴾ بضم الباء على وجه الخطاب للناس كافة، يكون المعنى: لتركبُنَّ -أيها الناس- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر؛ من الفقر والغنى، أو من الشدائد والموت والبعث والحساب، أو من النُّطفة إلى الهرم، أو منزلة بعد منزلة مِن الرفعة والضّعة. وزاد ابنُ عطية معنيين آخرين على هذه القراءة، الأول: أنّ المعنى: لتركبُنَّ هذه الأحوال أُمّة بعد أُمّة. وعلّق عليه قائلًا: ""ومنه قول العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه السلام:وأنت لما بُعثتَ أشرقت الأ... رض وضاءت بنورك الطرقتنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى علم بدا طبق"". والثاني: «لتركبُنَّ سنن من قبلكم». وعلّق عليه بقوله: «كما جاء في الحديث: «شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، فهذا هو طبق عن طبق»». وبنحوه قال ابنُ كثير، وعزاه للسُّدِّيّ. وذكر ابنُ عطية أنّ هذا المعنى يلتئم مع قراءة عمر بن الخطاب (لَيَرْكَبُنَّ). وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٥٦) -مستندًا إلى أقوال السلف- قراءة: ‹لَتَرْكَبَنَّ› وأنّ المعنى: لتركبَن أنت -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد. فقال: «وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب: قراءة مَن قرأ بالتاء وبفتح الباء؛ لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد، وإن كان للقراءات الأُخر وجوه مفهومة. وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا فالصواب من التأويل قول مَن قال: ‹لَتَرْكَبَنَّ› أنت -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد». ثم بيّن أنه وإن كان الخطاب إلى رسول الله ﷺ، فليس خاصًّا به، بل خوطب به جميع الناس أنهم يَلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالًا؛ وذلك لدلالة السياق، فقال: «وإنما قلنا: عني بذلك ما ذكرنا، أنّ الكلام قبل قوله: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ جرى بخطاب الجميع، وكذلك بعده، فكان أشبه أن يكون ذلك نظير ما قبله وما بعده»

سورة الأعراف — الآية ١٧١

عن الكلبي، قال: كتَب هِرَقْل مَلِكُ الرُّوم إلى معاوية يَسأله عن الشيء، وعن لا شيء، وعن دينٍ لا يَقبَلُ الله غيرَه، وعن مفتاح الصلاة، وعن غَرْس الجنة، وعن صلاة كلِّ شيء، وعن أربعةٍ فيهم الرُّوح ولم يرَكُضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء، وعن رجلٍ لا أبَ له، وعن رجلٍ لا قومَ له، وعن قبرٍ جرى بصاحبه، وعن قوسِ قُزَحَ، وعن بُقعةٍ طلَعت عليها الشمس مرةً لم تَطلُعْ عليها قبلَها ولا بعدها، وعن ظاعنٍ ظعَنَ مرةً لم يَظعَنْ قبلَها ولا بعدها، وعن شجرة نَبتَتْ بغير ماء، وعن شيءٍ يَتنفَّسُ لا رُوحَ له، وعن اليوم، وأمس، وغدٍ، وبعد غد، ما أجزاؤها في الكلام، وعن البرق والرعد وصوتِه، وعن المجَرَّة، وعن المحَو الذي في القمر. فقيل لمعاوية: لستَ هناك، وإنّك متى تُخطِئْ شيئًا في كتابك إليه يَغْتَمِزْ فيك، فاكتُبْ إلى ابن عباس. فكتَب إليه فأجابَه ابن عباس: أمّا الشيءُ فالماء؛ قال الله: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء:٣]. وأما لا شيء فالدنيا تَبِيدُ وتَفنى، وأما الدِّين الذي لا يَقبلُ الله غيرَه فلا إله إلا الله، وأما مِفتاح الصلاة فالله أكبر، وأما غَرْسُ الجنة فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأما صلاةُ كلِّ شيء فسبحان الله وبحمده، وأما الأربعة التي فيها الروح ولم يَرْكُضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء فآدمُ، وحواء، وعصا موسى، والكَبْشُ الذي فدى الله به إسحاق، وأما الرجلُ الذي لا أبَ له فعيسى ابن مريم، وأما الرجل الذي لا قَومَ له فآدم، وأما القبر الذي جرى بصاحبه فالحوت حيث سار بيونُس في البحر، وأما قوسُ قُزَح فأمانُ الله لعباده مِن الغَرق، وأما البقعةُ التي طلَعت عليها الشمس مَرَّةً ولم تَطلُعْ عليها قبلَها ولا بعدها فالبحر حيث انفَلَق لبني إسرائيل، وأما الظاعِنُ الذي ظعَنَ مرَّةً لم يظعَنْ قبلها ولا بعدها فجبلُ طُور سَيناء؛ كان بينه وبين الأرض المقدَّسة أربعُ ليالٍ، فلمّا عصَتْ بنو إسرائيل أطارَهُ الله بجناحَين من نور فيه ألوان العذاب، فأظلَّه الله عليهم، وناداهم منادٍ: إن قبِلتم التوراةَ كشفتُه عنكم، وإلا ألقيتُه عليكم. فأخذُوا التوراة مُعَذِّرينَ، فردَّه الله إلى موضِعه، فذلك قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم﴾ إلى آخِر الآية. وأما الشجرة التي نبتَتْ مِن غير ماء فاليقطينة التي أُنبِتَت على يونس، وأما الذي يَتَنفَّسُ بلا رُوح فالصبح؛ قال الله: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ [التكوير:١٨]. وأما اليوم فعملٌ، وأما أمسِ فمَثَلٌ، وأما غدٌ فأجَلٌ، وبعد غدٍ فأملٌ، وأما البرق فمَخارِيقُ بأيدي الملائكة تَضْرِبُ بها السَّحاب، وأما الرعد فاسم الملَك الذي يَسوقُ السحاب، وصوتُه زجْرُه، وأما المجَرَّةُ فأبواب السماء، ومنها تُفْتحُ الأبواب، وأما المحْو الذي في القمر فقول الله: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل﴾ [الإسراء:١٢]، ولولا ذلك المَحْوُ لم يُعرَفِ الليلُ من النهار، ولا النهار من الليل. فبعَث بها معاويةُ إلى قَيصر، وكتَب إليه جوابَ مسائله، فقال قيصر: ما يعلمُ هذا إلا نبيٌّ، أو رجلٌ مِن أهل بيت نبي