اختُلف في المراد بـ﴿مَن﴾ على قولين: الأول: النساء والجواري. الثاني: الأصنام. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٥٦٥) -مستندًا إلى السياق- القول الأول الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدّيّ، ومقاتل، فقال: «لأنّ ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلّة معرفتهم بحقّه، ونُحلتهم إياه مِن الصفات والنِّحَل، وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم، والمنعم عليهم النِّعَم التي عدّدها في أول هذه السورة -ما لا يرضونه لأنفسهم-؛ فإتباع ذلك مِن الكلام ما كان نظيرًا له أشبه وأولى مِن إتباعه ما لم يجْر له ذِكر»
قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣): «الذين قاتلوا في الدّين وأَخْرَجوا: هم مَرَدة قريش». وقال ابنُ القيم (٣/١٤٩): «الله سبحانه لمّا نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم؛ تَوهَّم بعضُهم أنّ برَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودّة، فبيَّن الله سبحانه أنّ ذلك ليس مِن الموالاة المنهي عنها، وأنه لم يَنْهَ عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبّه ويرضاه، وكتبه على كلّ شيء، وإنما المنهيّ عنه تَولّي الكفار، والإلقاء إليهم بالمودّة»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣١٢-٣١٣) هذا الحديث، ثم بيَّن أنه جاء في حديث آخر: «لو علمتُ أني إن زدتُ على السبعين غُفر لهم لزدتُ». وعلَّق عليه بقوله: «فكأنه ﷺ رجا أنّ هذا الحدّ ليس على جهة الحتم جملة، بل على أنّ ما يجاوزه يخرج عن حكمه، فلما فعل ابن أبيّ وأصحابه ما فعلوا شدّد الله تعالى عليهم في هذه السورة، وأعلم أنه لن يَغفر لهم دون حدٍّ في الاستغفار، وفي قول رسول الله ﷺ: «لو أعلم أني إن زدتُ غفر لهم» نصٌّ على رفض دليل الخطاب»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٢ بتصرف يسير) الاختلاف في مكّيّة السورة ومدنيتها، وبيّن أنّ القول بمكيتها أشهر. وذكر (٨/٦٦٣-٦٦٤ بتصرف) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.. ﴾ [البينة:٥] -مستندًا إلى النظائر، وأحوال النزول- أنّ القول بمدنيتها يقوّيه «كون الصلاة مع الزكاة في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها؛ لأنّ الزكاة فُرِضتْ بالمدينة، ولأنّ النبي ﷺ إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة»
اختلف القراء في قراءة ﴿زكريا﴾ بالمدّ أو بالقصر، فقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وحفص بالقصر من غير همز، وقرأ الباقون بالمد والهمز. وذكر ابنُ جرير (٥/٣٤٧) أنه لا فرق في ذلك فهما لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان، فقال: «اختلفت القراء في قراءة ﴿زكريا﴾؛ فقرأته عامّة قرّاء المدينة بالمدّ، وقرأته عامّة قرّاء الكوفة بالقصر، وهما لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في قراءة المسلمين، وليس في القراءة بإحداهما خلاف لمعنى القراءة الأخرى، فبأيّتهما قرأ القارئ فهو مصيب». ثم قال: «غير أنّ الصواب عندنا إذا مد ‹زَكَرِيَّآء› أن ينصب بغير تنوين؛ لأنّه اسم من أسماء العجم لا يُجْرى، ولأنّ قراءتنا في ﴿كفلها﴾ بالتشديد وتثقيل الفاء، فـ‹زَكَرِيَّآءَ› منصوب بالفعل الواقع عليه»
قال ابنُ عطية (٣/٥٧٩-٥٨٠): «وأخذ المفسرون الخَلْق بمعنى: المخلوقات، أي: هي له كلها وملكه واختراعه، وأخذوا الأَمْرُ مصدرًا من أمر يأمر، وعلى هذا قال النقّاش وغيرُه: إنّ الآية ترُدُّ على القائلين بخلق القرآن؛ لأنّه فرق فيها بين المخلوقات وبين الكلام؛ إذ الأمر كلامه عز وجل. ويحتمل أن تؤخذ لفظة الخَلْق على المصدر مِن خلق يخلق خلقًا، أي: له هذه الصفة؛ إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ الأَمْرُ على أنّه واحد الأمور، إلا أنّه يدل على الجنس فيكون بمنزلة قوله: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣]، وبمنزلة قوله: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فإذا أُخِذَت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام»
قال ابنُ عطية (٤/٢٩٢-٢٩٣): «الذي كثر في كتب أهل العلم: أنّ فرقة من اليهود تقول هذه المقالة. ورُوِي: أنّه لم يقلها إلا فِنْحاص. وقال ابن عباس: قالها أربعة مِن أحبارهم: سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف. وقال النقاش: لم يبقَ يهوديٌّ يقولها، بل انقرضوا. قال القاضي أبو محمد: فإذا قالها واحدٌ فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة؛ لأجل نباهة القائل فيهم، وأقوال النبهاء أبدًا مشهورة في الناس، يحتج بها، فمن هنا صحَّ أن تقول الجماعة قول نَبِيهها». وقال ابنُ تيمية (٣/٣٤١): «جِنسُ اليهود قال هذا، لم يقل هذا كلُّ يهوديٍّ»
ذكر ابنُ عطية (٥/٦٢٠-٦٢١) أن الضمير في قوله: ﴿ما أشهدتهم﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يعود على الكفار، وعلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف المنجمين وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من مُتَخَرِّص في هذه الأشياء. وثانيهما: أن يعود على ذرية إبليس، فتكون الآية متضمنة تحقيرهم. ثم قال معلِّقًا: «والقول الأول أعظم فائدة، وأقول: إن الغرض المقصود أولًا بالآية هم إبليس وذريته، وبهذا الوجه يتَّجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكُهّان والعرب المصدقين لهم والمعظمين للجن حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي. إذ الجميع من هذه الفِرق متعلقون بإبليس وذريته، وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأول بالمضلِّين، وتندرج هذه الطوائف في معناهم»
ذكر ابنُ عطية (٧/٣١٥) قولين في الاستثناء الواقع في الآية، فقال: «نزَّه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، ومن هذا استثنى العباد المخلصين؛ لأنهم يصفونه بصفاته العلى، وقالت فرقة: استثناهم من قوله: ﴿إنهم لمحضرون﴾. وهذا يصح على قول من رأى الجنة: الملائكة». وذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/٦٤٧) إلى الثاني مستندًا لأقوال السلف. وذهب ابنُ القيم (٢/٣٧٥)، وكذا ابنُ كثير (١٢/٦٢) إلى الأول، وهو الظاهر من كلام ابن عطية، ولم يذكروا مستندًا. وعقَّبَ ابنُ كثير (١٢/٦٢) على كلام ابن جرير بقوله: «جعل ابنُ جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إنهم لمحضرون... إلا عباد الله المخلصين﴾، وفي هذا الذي قاله نظر»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ذي الذكر﴾ على قولين: الأول: ذي الشرف. الثاني: ذي التذكير، ذكركم الله به. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٩) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله أتبع ذلك قوله: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾، فكان معلومًا بذلك أنّه إنما أخبر عن القرآن أنّه أنزله ذِكرًا لعباده ذَكَّرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق». وذكر ابنُ كثير (١٢/٧١) القولين، وعلّق عليهما بقوله: «ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار». وزاد ابنُ عطية (٧/٣٢٠) قولًا ثالثًا، فقال: «وقالت فرقة: معناه: ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب»