اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿الله نور السموات والأرض﴾؛ فقال بعضهم: هادي السماوات والأرض. وقال آخرون: مُدَبِّر السماوات والأرض. وقال آخرون: ضياء السماوات والأرض. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٩٧) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنّه عقيب قوله: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين﴾ [النور:٣٤]، فكان ذلك بأن يكون خبرًا عن موقع يقع تنزيله مِن خلقه، ومِن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه؛ أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبيناتٍ الحقَّ مِن الباطل، ﴿ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين﴾ فهديناكم بها، وبيَّنّا لكم معالم دينكم بها؛ لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٢٤١) في معنى الآية قول ابن مسعود، ثم علّق بقوله: «وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقربُ إلى تفسير الآية مِن قول مَن فسَّرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض. وأمّا من فسرها بأنه منور السماوات والأرض؛ فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنّه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٣٨٤-٣٨٥): «النور في كلام العرب: الأضواء المدرَكة بالبصر. ويستعمل مجازًا فيما صحَّ من المعاني ولاح، فيقال: كلام له نور... والله تعالى ليس كمثله شيء، فبيِّنٌ أنه ليس كالأضواء المدركة، ولم يبق للآية معنًى إلا أنه أراد: اللَّهُ ذو نُورِ السَّماواتِ والأَرْضِ، أي: بقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول: الملك نور الأمة، أي: به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة؛ إذ هو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقل نورًا هاديًا؛ لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات، تبارك الله لا رب سواه. وقالت فرقة: التقدير: دين الله نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ. قال ابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض. والأول أعمُّ للمعاني وأوضح مع التأمل». ومحصلة كلام ابن عطية باطل، والحق إثبات صفة النور لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين. ينظر: الشريعة ٣‏/‏١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣‏/‏٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢‏/‏٤٥١-٤٨٠

اختُلف في معنى ﴿ما﴾ على قولين: الأول: أنها بمعنى: أي شيء يُكذِّبك؟ الثاني: أنها بمعنى: مَن الذي يُكذِّبك؟ وفي المخاطب أيضًا بـ﴿يكذبك﴾ قولان: أحدهما: أنّ المخاطب بذلك رسول الله ﷺ. الآخر: أنّ المخاطب بذلك الإنسان الكافر. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٩) أنّ مَن قال بأنّ ﴿ما﴾ بمعنى: أي شيء، تعيَّن على قوله أن يكون الخطاب للإنسان، والمعنى: فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مُكذِّبًا بالدين، وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق؟! ومَن جعلها بمعنى: فمن الذي يُكذِّبك، جعل الخطاب للنبي ﷺ. وبعد أن بيَّن ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤٩) أنّ الدين بمعنى الجزاء، ذكر أنه على القول بأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون «الدين بمعنى: جميع دينه وشرعه». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٢٤) أنّ ﴿ما﴾ بمعنى: مَن، وأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: معنى ﴿ما﴾ معنى: مَن. ووجّه تأويل الكلام إلى: فمَن يُكذِّبك -يا محمد- بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين؟! يعني: بطاعة الله، ومجازاته العباد على أعمالهم». ولم يذكر مستندًا. وذكر أنّ بعض أهل العربية تأوَّل أنّ المعنى: «فما الذي يُكذِّبك بأنّ الناس يدانون بأعمالهم؟ وكأنه قال: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له خَلْقنا الإنسان على ما وصفنا». وكذا رجح ابنُ تيمية (٧‏/‏٧٤- ٧٧) أنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، وأنّ الصواب ما ذكره ابنُ جرير عن بعض أهل العربية (الفراء والأخفش) مِن أنّ المعنى: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له أنّا خلقنا الإنسان على ما وصفنا. وانتقد أن يكون المُخاطَب: الإنسان الكافر مستندًا إلى النظائر، واللغة، والدلالة العقلية، وعلّل ذلك بـ«أنّ الإنسان في السورة إنما ذُكِرَ مُخبَرًا عنه لم يُخاطَب، والرسول ﷺ هو الذي أُنزِل عليه القرآن، والخطاب في هذه السور له كقوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى:٣]، وقوله: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح:١]... والإنسان إذا خوطب قيل له: ﴿يا أيها الإنسان﴾ [الانفطار:٦، الانشقاق:٦]. وأيضًا فبتقدير أن يكون خطابًا للإنسان يجب أن يكون خطابًا للجنس، كقوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الانشقاق:٦]، وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر، خاصة المُكذِّب بالدين، وأيضًا فإنّ قوله: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ إمّا أن يكون معناها: فما يجعلك مُكذِّبًا بالدين، أو يكون معناها: فما يجعلك كاذبًا بالدين، والأول فاسد من جهة العربية، والثاني فاسد مِن جهة المعنى، فإنّ الدين هو الجزاء الذي كَذَّب به الكافر، والكافر كذَّب به لم يُكذَّب هو به. وأيضًا فلا يُعرَف في المُخبِر أن يقول: كذبت به، بل يقال: كذبته، وأيضًا: فالمعروف في كذَّبه أي: نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه، فهذا كلّه تكلُّف لا يُعرَف في اللغة». وقد أجاب ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) عن الإشكال اللغوي الذي أورده ابن تيمية، فذكر أنّ قول القائل: «كذّب بكذا. معناه: كذّب المُخبِر به، ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي، وعدَّوا الفعل إلى المُخبِر به، فإذا قيل: مَن يُكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبوك بكذا سواء. أي: نسبوك إلى الكذب في الإخبار به». ثم ذكر إشكالًا على القول بأنّ المُخاطَب الإنسان، وأجاب عنه، فقال: «بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنّ الخطاب إذا كان للإنسان وهو المُكذِّب -أي: فاعل التكذيب- فكيف يقال: له ما يُكذِّبك؟ أي: يجعلك مُكذِّبًا. والمعروف كذبه إذا جعله كاذبًا لا مُكذّبًا، ومثل فسَّقَهُ إذا جعله فاسقًا لا مُفسِّقًا لغيره. وجواب هذا الإشكال: أنّ صدّق وكذّب بالتشديد يراد به معنيان: أحدهما النسبة، وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم. والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل. قال الكسائي: يقال: ما صدّقك بكذا أو ما كذّبك بكذا، أي: ما حملك على التصديق والتكذيب. قلتُ: وهو نظير ما أجرأك على هذا، أي: ما حملك على الاجتراء عليه، وما قدّمك وما أخّرك، أي: ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير، وهذا استعمال سائغ موافق للعربية». ورجّح ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) أنّ الخطاب في الآية للإنسان، فقال: «وقوله سبحانه: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أصح القولين أنّ هذا خطاب للإنسان، أي: فما يُكذِّبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان، فتقول: إنك لا تُبعث ولا تُحاسب، ولو تفكّرتَ في مبدأ خَلْقك وصورتك لعلمتَ أنّ الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خَلْقًا جديدًا، وأنّ ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خَلْقك الأول»

سورة الشعراء — الآية ٣٢

عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، فتَضَيَّف على أُمِّه، وهو لا يعرفهم، في ليلةٍ كانوا يأكلون منها الطَفَيْشَلَ، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلمّا أبصر ضيفه سأل عنه أُمَّه، فأخبرته أنّه ضيفٌ، فدعاه، فأكل معه، فلمّا قعدا فتحدَّثا، فسأله هارون: مَن أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فاعتنقه، فلمّا أن تعارفا قال له موسى: يا هارون، انطلق معي إلى فرعون؛ فإن الله قد أرسلنا إليه. قال هارون: سمعًا وطاعةً. فقامت أمُّهما، فصاحت، وقالت: أنشدكما بالله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما. فأبَيا، فانطلقا إليه ليلًا، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون، وفزع البوّاب، فقال فرعون: مَن هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البوابُ، فكلمهما، فقال له موسى: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾. ففزع البواب، فأتى فرعونَ، فأخبره، فقال: إنّ ههنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنّه رسول رب العالمين. فقال: أدخِله. فدخل، فقال: إني رسول رب العالمين. قال فرعون: ﴿وما رب العالمين﴾. قال: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه:٥٠]. قال: ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٦-١٠٧]. والثعبان: الذَّكَر مِن الحيّات، فاتحةً فمَها، واضِعةً لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها، ووثب، فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها، وأنا أومن بك، وأُرسِلُ معك بني إسرائيل. فأخذها موسى، فصارت عصًا، فقالت السَّحَرة في نجواهم: ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ [طه:٦٣]. فالتقى موسى وأميرُ السحرة، فقال له موسى: أرأيت إن غلبتُك غدًا أتُؤْمِنُ بي، وتشهد أنّ ما جئتُ به حقٌّ؟ قال الساحر: لآتين غدًا بسحرٍ لا يغلبه سِحرٌ، فواللهِ، لئن غلبتني لأؤمِنَنَّ لك، ولأشهدن أنّك حقٌّ. وفرعون ينظر إليهما

سورة الليل — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّ رجلًا كانت له نخلة، فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة، فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل مِن نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يُخرج الثمرة مِن فيه، فشكا ذلك الرجلُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «اذهب». ولقي النبيّ ﷺ صاحب النخلة، فقال له: «أعطِني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة». فقال له الرجل: لقد أعطيت، وإنّ لي لَنخلًا كثيرًا، وما فيه نخل أعجب إليّ ثمرةً منها. ثم ذهب الرجل، ولقي رجلًا كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ لصاحب النخلة، فأتى رسول الله، فقال: أتُعطِني ما أعطيتَ الرجل إنْ أنا أخذتُها؟ قال: «نعم». فذهب الرجل، فلقي صاحب النخلة، ولكليهما نخل، فقال له صاحب النخلة: أشعرتَ أنّ محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلتُ له: لقد أعطيتَ، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها. فقال له الآخر: أتريد بيعها؟ فقال: لا، إلا أنْ أُعطى بها ما أريد، ولا أظنّ أُعطى. قال: فكم مُناك فيها؟ قال: أربعين نخلة. فقال له الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة! ثم سكت عنه، فقال: أنا أُعطيك أربعين نخلة. فقال له: أشْهِد إن كنتَ صادقًا. فأَشهَد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث عنه ساعة، ثم قال: ليس بيني وبينك بيعٌ، لم نفترق. فقال له الرجل: ولستُ بأحمق حين أعطيتُك أربعين نخلة بنخلتك المائلة! فقال له: أُعطيك على أن تُعطيني كما أريد؛ تُعطينها على ساق. فسكت عنه، ثم قال: هي لك على ساق. قال: إن كنتَ صادقًا فأشْهِد لي. فدعا قومه، فأشْهَد له، فعَدّ له أربعين نخلة على ساق، ثم ذهب إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: يا رسول الله، إنّ النخلة قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى صاحب الدار، فقال: «النخلة لك ولعيالك». فأنزل الله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ إلى آخر السورة

ذكر ابن جرير (٦‏/‏٣٣٠) اختلاف المفسرين فيمن نزلت فيه هذه الآية، ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العموم قول مجاهد بعمومها في كل مَن آمَن مِن أهل الكتاب، فقال: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤه- عمَّ بقوله: ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أهل الكتاب جميعًا، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى، وإنما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله، وكلا الفريقين -أعني: اليهود والنصارى- من أهل الكتاب». وانتقد ابن جرير القول بكونها نازلة في النجاشي، مستندًا إلى ضعف الخبر المروي في ذلك، ثم بين أنه على فرض صحته داخل في عموم القول الأول، فقال عقب إيراده: «ذلك خبر في إسناده نظر، ولو كان صحيحًا لا شك فيه لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف، وذلك أنه قد تنزل الآية في الشيء ثم يعم بها كل من كان في معناه، فالآية وإن كانت نزلت في النجاشي، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشي حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشي في اتباعهم رسول الله ﷺ». وانتقد ابن تيمية (٢‏/‏١٩٠) مستندًا إلى دلالة التاريخ والدلالات العقلية القول بنزولها في عبد الله بن سلام، وضعَّفه بأن ابن سلام وأمثاله من المؤمنين ظاهرًا وباطنًا لا يجوز أن يقال فيهم: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:١٩٩] الآية. أما أولًا: فإن ابن سلام أسلم في أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وسورة آل عمرن إنما نزل ذكر أهل الكتاب فيها لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر. وثانيًا: أن ابن سلام وأمثاله هو واحد من جملة الصحابة والمؤمنين، وهو من أفضلهم، فلا يقال فيه: إنه من أهل الكتاب. وهؤلاء لهم أجور مثل أجور سائر المؤمنين، بل يُؤْتَوْنَ أجرهم مرتين، وهم ملتزمون جميع شرائع الإسلام، فأجرهم أعظم من أن يقال فيه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وأيضًا، فإن أمر هؤلاء كان ظاهرًا معروفًا، ولم يكن أحد يشك فيهم، فأي فائدة في الإخبار بهم؟ بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى؛ فإن أمرهم قد يشتبه

انتقد ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨٠) القول بأن «ق»: جبل محيط بالأرض مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وكأنّ هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدّق ولا يُكذّب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افُتري في هذه الأمة -مع جلالة قدْر علمائها وحفّاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد مِن قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلّة الحفّاظ النُّقّاد فيهم، وشُرْبهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارعُ الرواية عنهم في قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظّنون كذبه، فليس من هذا القبيل». ونقل (١٣‏/‏١٨١) قولًا آخر بأن المراد بـ﴿ق﴾: «قُضي الأمر، والله». وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّتْ على المحذوف من بقيّة الكَلِم كقول الشاعر:قلت لها: قفي فقالت: قافوانتقده مستندًا للغة، فقال: «وفي هذا التفسير نظر؛ لأنّ الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ دليل عليه، ومِن أين يُفهم هذا من ذِكر هذا الحرف؟». وساق ابنُ عطية (٨‏/‏٣٠-٣١) الأقوال الواردة عدا قول القُرظيّ، ثم علَّق بقوله: «و﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مُقسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم منتظَر». وذكر القول الذي قاله ابن كثير، وذكر أقوالًا غيرها، فقال: «قال القُرظيّ: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض. وقيل: المعنى: قُضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾ فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم: المعنى: قِف عند أمرنا. وقيل المعنى: قُهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضًا وقع عليه القسَم». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، والقرآن المجيد». وعلق عليه بقوله: «فيكون أول السورة مِن المعنى الذي اطَّرد بعد»، ثم قال: «وعلى هذه الأقوال فثَمّ كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذّبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرًا»

اختُلف في قوله: ﴿والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ على أقوال:الأول: أنّ الذين آمنوا بالله ورسله هم الصِّدِّيقون وهم الشهداء عند ربهم. وعلَّق عليه ابنُ القيم (٣‏/‏١٣٠) بقوله: «وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صِدِّيقون في الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين». الثاني: أن قوله: ﴿أولئك هم الصديقون﴾ كلام تام. وقوله: ﴿والشهدآء عند ربهم﴾ كلام مبتدأ. وفيهم قولان: الأول: أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب. الثاني: أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة. الثالث: أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم، يعني ثواب أعمالهم. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٤١٥) -مستندًا إلى الأغلب لغة- القول الثالث الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، ومسروق، والضَّحّاك، وأبي الضحى، فقال: «لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وإنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجهًا، وإن كان فيه بعض البُعد؛ لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ إذن: والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله أو هلكوا في سبيله عند ربهم لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم». ورجَّح ابنُ القيم (٣‏/‏١٣٠) القول الثاني -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- بما مفاده الآتي: ١- أنه لو كان الشهداء داخلًا في جملة الخبر لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصِّدّيقون. والثاني: أنهم هم الشهداءُ. والثالث: أنّ لهم أجرهم ونورهم، وذلك يتضمن عطف الخبر الثانى على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال. والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تُجرّدها كلّها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال. ٢- أنّ الكلام يصير جُمَلًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلْقه السعداء، وهم الصِّدِّيقون والشهداء والصالحون، وهم المذكورون في الآية، وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف، ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد:٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء

عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر، وعن محمد بن يحيى بن حبّان، قال: كلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المُصْطَلِق، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أنّ بني المُصْطَلِق يَجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار أبو جُوَيْرِيَة بنت الحارث زوج النبي ﷺ؛ فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ، خرج إليهم حتى لَقِيَهم على ماء مِن مياههم يُقال له: المُرَيْسِيع، من ناحية قُدَيْد إلى الساحل، فتزاحف الناس، فاقتتلوا، فهَزم الله بني المُصْطَلِق، وقتل مَن قتل منهم، ونفَّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءَهم الله عليه، وقد أُصِيب رجل من بني كلب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبابة، أصابه رجل من الأنصار من رَهْط عُبادة بن الصّامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأً، فبَينا الناس على ذلك الماء ورَدتْ واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار يُقال له: جَهْجاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدَحم جَهْجاه وسِنان الجُهَنيّ حليف بني عَوْف بن الخَزْرَج على الماء، فاقتتلا، فصَرخ الجُهَنيّ: يا معشر الأنصار. وصرخ جَهْجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، وعنده رَهْطٌ من قومه فيهم زيد بن أرْقَم، غلام حديث السِّن، فقال: قد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، واللهِ، ما أعدُّنا وجَلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يَأكلْك، أما -واللهِ- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. ثم أقبل على مَن حضر مِن قومه، فقال: هذا ما فعَلتُم بأنفسكم؛ أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتُموهم أموالكم، أما -واللهِ- لو أمسكتُم عنهم ما بأيديكم لتَحوّلوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد بن أرْقَم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ مِن غَزوه، فأَخبَره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، مُر به عبّاد بن بِشر بن وقْش، فَليَقتُله. فقال رسول الله ﷺ: «فكيف -يا عمر- إذا تحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أذِّن بالرحيل». وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يَرتَحل فيها، فارتَحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أُبيّ إلى رسول الله ﷺ حين بَلغه أنّ زيد بن أرْقَم قد بَلغه ما سمع منه، فحَلف بالله: ما قلتُ ما قال، ولا تَكلّمتُ به. وكان عبد الله بن أُبيّ في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضر رسول الله ﷺ مِن أصحابه مِن الأنصار: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام أوْهَم في حديثه، ولم يَحفظ ما قال الرجل. حَدَبًا على عبد الله بن أُبيّ، ودَفعًا عنه، فلما استقلّ رسول الله ﷺ وسار، لَقِيه أُسيْد بن حُضَيْر، فحَيّاه بتحيّة النّبوة وسَلّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحتَ في ساعة مُنكَرة ما كنتَ تَروح فيها. فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بلَغك ما قال صاحبكم؟». قال: فأيُّ صاحب، يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أُبيّ». قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رَجع إلى المدينة أخرَج الأَعزُّ منها الأَذلَّ». قال أُسيْد: فأنت -واللهِ- يا رسول الله تُخرجه إن شئتَ، هو -واللهِ- الذليلُ وأنتَ العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارْفُق به، فواللهِ، لقد جاء اللهُ بك، وإنّ قومه ليَنظِمون له الخَرَز ليُتَوّجوه، فإنه ليَرى أنّك قد استَلبتَه مُلكًا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يكن إلا أن وجدوا مسّ الأرض وقعوا نِيامًا، وإنما فعل ذلك ليَشغَل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس مِن حديث عبد الله بن أُبيّ، ثم راح بالناس وسَلك الحِجاز حتى نزل على ماء بالحِجاز فُوَيْق النَّقيع، يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبّتْ على الناس ريح شديدة آذتهم، وتَخوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخافوا، فإنما هبّتْ لموت عظيم من عظماء الكفار». فلمّا قدِموا المدينةَ وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قَيْنُقاع -وكان من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين- قد مات ذلك اليوم، فنَزَلَت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ومَن كان معه على مثل أمْره، فقال: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ فلما نَزَلَتْ هذه السورة أخذ رسول الله ﷺ بأُذُن زيد، فقال: هذا الذي أوفى الله بأُذُنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ الذي كان من أبيه

اخْتُلِف في تفسير قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾؛ فقال قوم: ﴿غير باغ﴾ غير خارج على الأمة بسيفه. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عادٍ فوق ما لا بُدَّ له منه. وقال غيرهم: غير باغٍ الحرام في أكله، ولا مُعْتَدٍ الذي أبيح له منه. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢-٦٣بتصرف) القولَ الأخير الذي قال به قتادة، والحسن، وعكرمة، ومجاهد من طريق جابر، والربيع، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ الأوَّلَ الذي قاله مجاهد، وسعيد، مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله لم يُرَخِّص لأحد في قتل نفسه بحال، فالواجب على قُطّاع الطريق التَّوْبَةُ من معاصي الله، لا قتل أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إلى إثمهما إثمًا». وبيَّن ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢) أنّ تفسير السدي -وهو القول الثاني- لقوله: ﴿غير باغ﴾ مُوافِقٌ لِما رَجَّح، وأمّا تفسيره ﴿عاد﴾ بالشَّبَع فقد بيّن أنه بعض معاني الاعتداء، ثم قال: «ولم يُخَصِّص اللهُ من معاني الاعتداء في أكله معنًى؛ فيُقال: عنى به بعض معانيه. فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول ما قلنا مِن أنّه الاعتداء في كل معانيه المحرمة». ورَجَّح ابنُ تيمية (١‏/‏٤٠٤-٤٠٥) أيضًا القول الأخير، مُسْتَنِدًا إلى أحوال النُّزول، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله أنزل هذا في السور المكيّة -الأنعام، والنحل-، وفي المدنية؛ لِيُبَيِّن ما يَحِلُّ وما يَحْرُم من الأكل، والضرورة لا تختصّ بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرّم مُخْتَصًّا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي ﷺ إمامٌ يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبُغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين؛ بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنِّعال والجريد، فكيف يجوز أن تُفَسَّر الآيةُ بما لا يَخْتَصَّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سَفَرٍ محرم؟! فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مُطابِقًا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه. وأيضًا فقوله: ﴿غير باغ﴾ حال من ﴿اضطر﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فلا إثم عليه﴾، ومعلوم أنّ الإثم إنما يُنفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه؛ فمعنى الآية: فمن اضْطُرَّ فأكلَ غير باغ ولا عاد. وهذا يُبَيِّن أنّ المقصود أنّه لا يبغي في أكله، ولا يتَعَدّى»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿إلا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أقوال: الأول: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى عليه السلام. الثاني: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت الكتابيّ. الثالث: إلا ليؤمنَنَّ بمحمد ﷺ قبل موت الكتابيّ. وعَلَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٥) على القول الثاني والثالث قائلًا: «فأمّا من فسَّر هذه الآية بأنّ المعنى: أن كل كتابيٍّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأَْسَنا قالُوا آمَنّا باللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤-٨٥]. ومَن تأمل هذا جيِّدًا وأمعن النظر اتَّضَح له أنّ هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا». ورَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٦٧٢-٦٧٥) مستندًا إلى دلالة السنّة، والعقل، والسياق القول الأول، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد. وانتَقَدَ (٧‏/‏٦٧٢) القول الثاني بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- حَكَمَ لكل مؤمنٍ بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته لوَجَب أن لا يرث الكتابيَّ إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم مِن أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ أن يكون ميراثه منصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمُه حكمَ المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن مَن مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميع الرسل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية كلام ابن جرير هذا بقوله: «هذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردّى مِن شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى. فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدَّمناه». ووافق ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٤-٣٤٥ بتصرف) ابنَ جرير في نقده للقول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنّة، فقال: «لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بُطْلان ما ادَّعته اليهود من قَتْل عيسى وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٧‏/‏٦٧٤، ٦٧٥) القول الثالث بقوله: «وأمّا الذي قال: عنى بقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فما لا وجْه له مفهوم؛ لأنّه مع فساده مِن الوجه الذي دلَّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موت الكتابيّ. يزيده فسادًا أنّه لم يَجْرِ لمحمد ﷺ في الآيات التي قَبْل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِن ذكره، وإنّما قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْر عيسى وأمه واليهود، فغيرُ جائزٍ صرْفُ الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجةٍ يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبرٍ عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدَّعاوى فلا تتعذر على أحدٍ». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٦٣-٣٦٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والعموم، ودلالة العقل القول الثاني والثالث بأنه: «لو آمَنَ به قبل الموت لنفعه إيمانه به، فإنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر. وإن قيل: المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة، لم يكن في هذا فائدة؛ فإنّ كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده، فلا اختصاص للمسيح به، ولأنّه قال: ﴿قبل موته﴾، ولم يقل: بعد موته. ولأنّه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد -صلوات الله عليهما وسلامه-، واليهودي الذي يموت على اليهودية يموت كافرًا بمحمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام-، ولأنه قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فِعْلٌ مُقْسَمٌ عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا، ولو أريد به قبل موت الكتابي لقال: وإن من أهل الكتاب إلا مَن يؤمن به، لم يقل: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإن مِن أهل الكتاب﴾، وهذا يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أنّ جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنّه رسول الله، ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى مِن أن يُدَّعى أنّ كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابيّ، فإنّ هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع، وهو لَمّا قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ دلَّ على أنّ المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو عُلِم أنّه أُرِيد بالعموم عمومَ مَن كان موجودًا حين نزوله، أي: لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به، لا إيمان من كان منهم ميتًا»