ذكر ابنُ جرير (١٧/٥١٥) هذه القراءة وقراءة مَن قرأ ذلك بجزم ﴿يضاعف﴾ و﴿يخلد﴾، ورجّح مستندًا إلى اللغة قراءة الجزم فيهما بقوله: «والصواب مِن القراءة عندنا فيه جزم الحرفين كليهما: ﴿يضاعفْ﴾ و﴿يخلدْ﴾، وذلك أنه تفسير لـ»الأثام""، لا فعلٌ له، ولو كان فِعلًا له كان الوجه فيه الرفع، كما قال الشاعر:متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقدفرفع «تعشو»؛ لأنه فعل لقوله: تأته. معناه: متى تأته عاشيًا""
قال ابنُ عطية (٧/١٢٨): «قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه مِن أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلًا كبيرًا، وقد بَيَّنَ الله تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾ [الشورى:٢٢]، فالآية التي في هذه السورة خبر، والتي في (حم عسق) تفسير لها»
ذكر ابنُ جرير (٢٣/٤٤٢) القراءتين الواردتين في قوله: ﴿إذ أدبر﴾، ثم علّق عليهما بقوله: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب». ثم ذكر اختلاف أهل اللغة في ذلك، وعلّق بقوله: «والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما لغتان بمعنًى، وذلك أنه محكي عن العرب: قبّح الله ما قَبل منه وما دَبر. وأخرى: أنّ أهل التفسير لم يُميّزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك؛ لأنهما بمعنًى واحد»
عن أبي زيد فيض بن إسحاق، قال: سألتُ الفُضَيل بن عياض عن قول الله عز وجل: ﴿أفَرَأَيْتَ إنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾، قال: قراءتها تفسيرُها
اختُلف في معنى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: تتعجَّبون مما نزل بكم في زرعكم. الثاني: تتلاومون. الثالث: تندَّمون. الرابع: تفجَّعون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٣٥١) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بأن أصله: «من التفكُّه بالحديث: إذا حدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يُعْجَب منه، ويَلْهى به، فكذلك ذلك، وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجَّبون، يُعَجِّب بعضكم بعضًا مما نزل بكم». واستدرك ابنُ عطية (٨/٢٠٦) على هذه الأقوال الأربعة بقوله: «وهذا كلّه تفسير لا يخصُّ اللفظة، والذي يخصُّ اللفظة هو: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي المَسَرَّة والجزل، ورجلٌ فَكِهٌ: إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء»
انتَقَد ابنُ جرير (٥/١٢٥)، وابنُ عطية (٢/١٢٥-١٢٦)، وابنُ كثير (١/٧٢٧) مستندين إلى السُّنَّةِ القولَ بكون الرهن لا يصار إليه إلا عند تعذر الكاتب والشهيد، وأنّ ذلك في السفر لا في الحضر. قال ابنُ جرير عَقِب إيراده أثر الضحاك: «إنه قول لا معنى له؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه اشترى طعامًا نَساءً، فجائز للرجل أن يرهن ويرتهن، في السفر والحضر؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ، ولأنه لم يكن مُتَعَذِّرًا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتب والشاهد». وبيَّن ابنُ عطية أنّ ذكر السفر في الآية وارد مورد التمثيل للأعذار، لا مورد الحصر لها، فيدخل في الآية كل عذر يحول دون الكتابة
أفادت الآثار اختلافًا في مَن عُنِي بقوله تعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ على أقوال: الأول: عُنِي بها نفرٌ من المشركين. وهو قول ابن عباس من طريق مجاهد، ومجاهد، الثاني: عُنِي بها المنافقون. وهو قول ابن إسحاق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٠٢) القول الأوّل مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنها في سياق الخبر عنهم». وذكر ابنُ عطية (٤/١٦١) القول الأول، ثم قال: «وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتّصف بهذه الأوصاف». ووجَّه ابنُ كثير (٧/٤٥) هذين القولين، فقال: «ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كُلاًّ منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح»
وجّه ابنُ جرير (١٣/٣٢٨) هذه القراءة، فقال: «وروي عن ابن محيصن أنه قرأ: ‹إنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ› على الخبر، لا على الاستفهام». وبنحوه قال ابنُ عطية (٥/١٤٤). ثم رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى إجماع الحجة من القراء قراءة الاستفهام بقوله: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرأه بالاستفهام، لإجماع الحجة من القراء عليه». وبنحوه قال ابنُ كثير (٨/٦٩) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «لأنّ الاستفهام يدل على الاستعظام، أي: أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي﴾»
ذكر ابنُ القيم (٢/٣١٤-٣١٥) قول ابن زيد، ثم علّق عليه بقوله: «قلت: أراد أنّ الذنوب سبب الفساد الذي ظهر. وإن أراد: أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها؛ فتكون اللام في قوله: ﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾ لام العاقبة والتعليل». ورجّح ابنُ القيم مستندًا إلى السياق أن المراد بالفساد: هو الذنوب وموجباتها، فقال: «والظاهر -والله أعلم- أنّ الفساد المراد به: الذنوب وموجباتها، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾ فهذا حالنا، وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، ولو أذاقنا كلَّ أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة». وذكر ابنُ كثير (١١/٣٥) عن ابن زيد أنه فسر الفساد بالشرك، ثم علّق بقوله: «وفيه نظر»
وجّه ابنُ جرير (٢٢/٢١٠) القراءتين، فقال: «اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قُراء الكوفة: ‹المُنشِآتُ› بكسر الشين، بمعنى: الظاهرات السير اللاتي يُقبلن ويُدبرن. وقرأ ذلك عامة قراء البصرة والمدينة وبعض الكوفيين: ﴿المُنشَآتُ﴾ بفتح الشين، بمعنى: المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهن وتدبر». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/١٦٩) في توجيهه قراءة الكسر، ووجّه قراءة الفتح، فقال: «وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: ﴿المُنشَآتُ﴾ بفتح الشين، أي: أنشأها الله والناس». ثم رجّح ابنُ جرير أنهما: «قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب»