اختُلِف في المراد بـ«الذين ظلموا» في قوله تعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، وهل الآية ثابتة، أم منسوخة؟ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المراد بهم: الذين لم يؤدُّوا الجزية مِن أهل الكتاب، وحاربوا المسلمين، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن، إلا المحاربين الذين لم يؤدُّوا الجزية، فأولئك ينبغي جدالهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. وهذا قول مجاهد. والثاني: أنّ المراد بهم: المقيمون على كفرهم مِن أهل الكتاب، والمعنى: ولا تجادلوا مَن آمن مِن أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن ذلك مَن بقي على كفره مِن أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليهم. والآية على هذا محكمة غير منسوخة. وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنّ المراد بهم: مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن المجادلة بالحسنى مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال والجزية. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/٤٢٠-٤٢١) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أذِن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، فمعلوم -إذ كان قد أذن لهم في جدالهم- أنّ الذين لم يُؤذَن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن غيرُ الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمنين؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظَلَمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك تبيَّن أن لا معنى لقول مَن قال: عنى بقوله: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أهل الإيمان منهم». ورجَّحَ ابنُ عطية (٦/٦٥١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «الذي يَتَوَجَّه في معنى الآية إنما يتضح في معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجّة إلا بالحسنى، دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى مَن ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد ﷺ، وإما بإعلان كُفْر فاحش كقول بعضهم: عزير ابن الله، ونحو هذا، فإن هذه الصفة استثني لأهل الإسلام معارضتها بالخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بَعْدُ بآية القتال والجزية». وانتَقَدَ ابنُ جرير (١٨/٤٢١) القول بالنسخ؛ لعدم ورود دليل به، فقال: «لا معنى لقول مَن قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل». ونحا ابنُ تيمية (٥/١١٠-١١٢) منحى ابن جرير في اختياره قول مجاهد، وانتقاده القولَ بالنسخ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، يعني: الوليد بن المُغيرة المخزومي، كان يُسمّى: الوحيد في قومه، وذلك أنّ الله عز وجل أنزل على النبي ﷺ: ﴿حم، تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلهَ إلّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر:١-٣، فلما نزلت هذه الآية قام النبيُّ ﷺ في المسجد الحرام، فقرأها، والوليد بن المُغيرة قريبًا منه يستمع إلى قراءته، فلمّا فَطِن ﷺ أنّ الوليد بن المُغيرة يَستمع إلى قراءته أعاد النبيُّ ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ﴾ إلى قوله: ﴿لا إلهَ إلّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾... فلمّا سمعها الوليد انطلَق حتى أتى مجلس بني مخزوم، فقال: واللهِ، لَقد سمعتُ مِن محمد كلامًا آنفًا ما هو مِن كلام الإنس، ولا مِن كلام الجنّ، وإنّ أسفله لَمُغدِق، وإنّ أعلاه لَمُونقٌ، وإنّ له لَحلاوة، وإنّ عليه لَطُلاوة، وإنه لَيَعلو وما يُعلى. ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صَبأ الوليد، واللهِ، لئن صَبأ لتَصبونّ قريش كلّها. وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فانطلَق أبو جهل حتى دَخل على الوليد، فقعد إليه كَشَبَه الحزين، فقال له الوليد: ما لي أراك -يا ابن أخي- حزينًا؟ فقال أبو جهل: ما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يَجمعون لك نفقةً لِيُعينوك على كِبَرك، ويزعمون أنك إنما زَيّنتَ قول محمد لِتُصيب مِن فضل طعامه. فغضب الوليدُ عند ذلك، وقال: أوَليس قد عَلمتْ قريشٌ أني مِن أكثرهم مالًا وولدًا، وهل يَشبع محمدٌ وأصحابُه مِن الطعام فيكون لهم فضل؟ فقال أبو جهل: فإنهم يزعمون أنك إنما زَيّنتَ قول محمد من أجل ذلك. فقام الوليد، فانطلَق مع أبي جهل، حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: تزعمون أنّ محمدًا كاهن، فهل سمعتموه يُخبر بما يكون في غد؟ قالوا: اللهم، لا. قال: وتزعمون أنّ محمدًا شاعر، فهل رأيتموه يَنطق فيكم بشعرٍ قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. قال: وتزعمون أنّ محمدًا كذّاب، فهل رأيتموه يَكذب فيكم قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. وكان يُسمّى محمد ﷺ قبل النبوة: الأمين، فبَرّأه من هذه المقالة كلّها، فقالت قريش: وما هو، يا أبا المُغيرة؟ فتفَكّر في نفسه ما يقول عن محمد ﷺ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ فقَدَّر له السحر، ﴿فَقُتِلَ﴾ يعني: لُعِن ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لمحمد ﷺ السحر، ﴿ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم كَلَح، ﴿وبَسَرَ﴾ يعني: وتَغيّر لونه، [﴿ثم أدبر﴾] يعني: أعرَض عن الإيمان، ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عنه، فقال الوليد لقومه: ﴿إنْ هذا﴾ الذي يقول محمد ﴿إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. فقال له قومه: وما السِّحر، يا أبا المُغيرة؟ وفرحوا، فقال: شيء يكون ببابل، إذا تعلّمه الإنسان يُفرِّق بين الاثنين، ومحمد يَأْثُره ولمّا يحذقه بعدُ، وايمُ الله، لقد أصاب فيه حاجته، أما رأيتموه فَرّق بين فلان وبين أهله، وبين فلان وبين أبيه، وبين فلان وبين أخيه، وبين فلان وبين مولاه، فهذا الذي يقول محمد سحرٌ يُؤثر عن مُسَيلمة بن حبيب -الحنفي الكذّاب-. يقول: يرويه عنه، فذلك قوله: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يقول: إنْ هذا الذي يقول محمد إلا قول البشر. قال الوليد بن المُغيرة: عن يَسار أبي فكيهة، هو الذي يأتيه به من مُسَيلمة –الكذّاب-، فجَعل الله له سَقر، وهو الباب الخامس مِن جهنم، فلمّا قال ذلك الوليد شَقّ ذلك على النبي ﷺ ما لم يشقّ عليه فيما قُذف بغيره من الكذب؛ فأَنزل الله تعالى على نبيّه ﷺ يعزيه ليَصبِر على تكذيبهم، فقال: يا محمد ﴿كَذلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢]، وأَنزل في الوليد بن المُغيرة: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾
قال ابن تيمية (٣/٢٥٦): «في قوله: ﴿فلم تقتلوهم﴾ الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مبني على أن الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي، بل من فعل الله، والقتل هو الإزهاق وذاك متولد، وهذا قد يقوله من ينفي التولد وهو ضعيف؛ لأنه نفى الرمي أيضًا، وهو فعل مباشر، ولأنه قال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [البقرة:٥٤]. وقال: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ [النساء:٩٣]، فأثبت القتل. ولأن القتل هو الفعل الصالح للإزهاق، ليس هو الزهوق، بخلاف الإماتة. الثاني: أنه مبني على خلق الأفعال، وهذا قد يقوله كثير من الصوفية، وأظنه مأثورًا عن الجُنَيْد: سلب العبد الفعل نظرًا إلى الحقيقة؛ لأن الله هو خالق كل صانع وصنعته، وهذا ضعيف لوجهين:أحدهما: أنّا وإن قلنا بخلق الفعل، فالعبد لا يُسْلَبُه، بل يضاف الفعل إليه أيضًا، فلا يقال: ما آمنت ولا صليت ولا صمت ولا صدقت ولا علمت، فإن هذا مكابرة؛ إذ أقل أحواله الاتصاف، وهو ثابت. وأيضًا فإن هذا لم يأت في شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ببدر، ولو كان هذا لعموم خلق الله أفعال العباد لم يختص ببدر. الثالث: أن الله سبحانه خرق العادة في ذلك، فصارت رءوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة، وصارت الجريدة تصير سيفًا يقتل به. وكذلك رمية رسول الله ﷺ أصابت مَن لم يكن في قدرته أن يصيبه، فكان ما وجد من القتل وإصابة الرمية خارجًا عن قدرتهم المعهودة؛ فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه. وهذا أصح، وبه يصح الجمع بين النفي والإثبات ﴿وما رميت﴾ أي: ما أصبت ﴿إذ رميت﴾ إذ طرحت ﴿ولكن الله رمى﴾ أصاب. وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ضعيف كإنباع الماء، وغيره من خوارق العادات، أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل. وهذا ظاهر، فلا حجة فيه لا على الجبر، ولا على نفي التولد». وقال ابنُ القيم (١/٤٣٩): «اعتقد جماعةٌ أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلًا في الجبر وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده، وهذا غلط منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال، فيقال: ما صليت إذ صليت، وما صمت إذ صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم؛ إذ لا فرق، فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها أو رميه وحده تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية. وبعد، فهذه الآية نزلت في شأن رميه المشركين يوم بدر بقبصة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الله سبحانه وتعالى نهايته، وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، ونظير هذا قوله في الآية نفسها: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾، ثم قال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، فأخْبَرَه أنه هو وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصى إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من رسوله، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة؛ كدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه به، وهو خير الناصرين». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١/٨٢-٨٣)، وكذا ابنُ عطية (٤/١٥٦-١٥٧). وذكر ابنُ عطية أن قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يحتمل احتمالات: الأول: أن يكون مرادًا به ما أيضًا ما في قوله: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾. الثاني: أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن الله رماه، وذكر أنه منصوص في المهدوي وغيره. الثالث: أن يريد: وما أغنيت إذ رميت حصياتك، ولكن الله رمى، أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء: رمى الله لك، أي: أعانك وصنع لك. وذكر أن أبا عبيدة حكاه في كتاب المجاز
اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول؛ فقال السدي: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم، فقال: ﴿سُبْحانَكَ﴾ الآية. وقال قتادة وغيره: هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٤) على قول السدي بقوله: «فتجيء ﴿قالَ﴾ على هذا متمكنة في المضي، ويجيء قوله آخرًا: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: بالتوبة من الكفر؛ لأنّ هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا». ورجَّحه ابنُ جرير (٩/١٣٥-١٣٧) مستندًا إلى الأغلب في اللغة، والدلالات العقلية، وذلك أن (إذ) إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب الماضي من الفعل، وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر أولى، كما أنّ عيسى عليه السلام لا يجوز أن يتوهم عليه طلب المغفرة لِمَن مات مشركًا، وفي قول عيسى: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به... وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب﴾ بيان أن الله تعالى إنما عرَّفه مقالة قومه بعدما قبضه إليه وتوفاه. وانتقد ابنُ عطية (٣/٣٠٤ بتصرف) الاستناد إلى كون عيسى عليه السلام يمتنع عليه طلب المغفرة للمشركين ببيان أنّ معنى قوله: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾: إن عذبت العالم كله فبحقك، وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك. وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين، بل قال هذا القول مع علمه بأنّ الله لا يغفر أن يشرك به. وانتقد ابنُ كثير (٥/٤٢٥-٤٢٦ بتصرف) المستند الأول والثاني لابن جرير فقال: «وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ الآية: التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٣٠٥-٣٠٦) القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا هو عندي القول الأرجح، ويتقوى بما بعده، وذلك أن عيسى عليه السلام لَمّا قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول: هذا أمر قد فرغ منه، وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص. فقال تبارك وتعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك، وصدقه فيما قال، فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/٤٢٦) مستندًا إلى السنة، والدلالات العقلية، فقال: «والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وقد روي بذلك حديث مرفوع». ثم أورد حديث أبي موسى الأشعري. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٤) على هذا القول بقوله: «و﴿قال﴾ على هذا التأويل بمعنى: يقول. ونزول الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته». وأفاد أن توقيف الله لعيسى وسؤاله فائدته على هذا القول: ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وبيان ظلالهم. ثم ذكر (٣/٣٠٧) أن قوله تعالى في خاتمة السورة ﴿لله ملك السموات.. ﴾ يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد ﷺ وأمته، وأنه على الوجهين فيه تعضيد لهذا القول
حكى ابنُ جرير (٦/٢٨) في قوله تعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ اختلاف المفسرين في اليوم الذين وُعِدَ فيه المؤمنون بإمدادهم بالملائكة، وهل حَضَرَتِ الملائكة يومئذٍ حربهم أم لا؟ فذكر أربعة أقوال:الأول: كان هذا الوعد من الله للمؤمنين يوم بدر أن يُمِدَّهم بملائكته إن أتاهم العدوُّ من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهو قول الشعبي. الثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون، واتقوا الله، فأمدَّهم بملائكته على ما وعدهم. وهو قول مالك بن ربيعة من طريق عبد الله بن أبي بكر، وابن عباس من طريق مقسم، وأبي داود المازني من طريق ابن إسحاق، وأبي رافع من طريق عكرمة، وقتادة، والربيع من طريق أبي جعفر، ومجاهد من طريق ابن خثيم. الثالث: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أنْ يُمِدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا، ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمَدّهم حين حاصروا قريظة. وهو قول عبد الله بن أبي أوفى. الرابع: بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتقوا، ولم يُمَدُّوا بشيءٍ في أحد. وهو قول عكرمة من طريق عمرو بن دينار، والضحاك، وابن زيد. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية أنّ المؤمنين وُعِدوا بثلاثة آلاف من الملائكة مَدَدًا لهم، ثم وُعِدوا بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أُمِدُّوا بهم، ولا على أنهم لم يُمَدُّوا بهم. وبيَّن بأنّ كلا الأمرين جائز -أي: الإمداد وعدمه- على نحو ما روى أصحابُ كُلِّ قولٍ ما ثبت عنده، غير أنه لا يمكن التسليم بقول إلا بخبر تقوم به الحجة. ثم أشار إلى ما يُؤَيِّدُ القولَ الثاني، ويُضْعِفُ القول الرابع، فقال: «غير أنّ في القرآن دلالةٌ على أنهم أُمِدُّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة، وذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]. فأمّا في يوم أحد فالدَّلالة على أنهم لم يُمَدُّوا أبْيَنُ منها في أنّهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أُمِدُّوا لم يُهزَموا، ويُنال منهم ما نِيلَ منهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٣/١٧٥) مستندًا إلى لفظ الآية والنظائر أنّ الإمداد بالملائكة كان يوم بدر، وأنهم أُمِدّوا بثلاثة آلاف فما فوقها، فقال في سياق ذِكْر أدلة القائلين بأنّه يوم بدر: «فإن قيل: فما الجمع بَيْن هذه الآية -على هذا القول -وبَيْن قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٩-١٠]؟ فالجواب: أنّ التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بمعنى: يردفهم غيرَهم، ويَتْبَعهم ألوف أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران؛ فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر». وانتَقَد ابنُ عطية (٢/٣٤٣) مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف قولَ الشعبي أنّ المؤمنين لم يُمَدّوا بالملائكة يوم بدر، فقال: «وخالف الناسُ الشعبيَّ في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حَضَرَتْ بدرًا، وقاتلت». ثم وجَّه كلام القائلين بأنّ قوله تعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في يوم بدر، والقائلين بأنه كان في يوم أحد، فقال: «فمَن قال مِن المفسرين: إنّ قول النبي ﷺ للمؤمنين: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر بدر، وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرِّضًا على الجدِّ والتوكل على الله. ومَن قال: إنّ قول النبي ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآية إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى ﴿تَشْكُرُونَ﴾ اعتراضًا بَيْن الكلام جميلًا»
اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١/٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧/٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»
اختُلف في فاعل «زكّى» على قولين: الأول: أن يكون هو الله تعالى. الثاني: أن يكون الإنسان وعليه تقع ﴿مَن﴾. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٦٢٩) القول الأول بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زَكّاها الله تعالى، و﴿مَن﴾ تقع على جمع أو أفراد». ووجَّه القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلح مَن زكّى نفسه، أي: اكتسب الزكاء الذي قد خَلَقه الله تعالى له». ثم ذكر حديث سعيد بن أبي هلال السابق، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الحديث يُقوِّي أنّ المُزكِّي هو الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٤) معنى الاحتمال الأول، فقال: «وقيل: قد أفلحتْ نفسٌ زَكّاها الله، وقد خابتْ نفس دسّاها الله. وهذا قول الفراء والزّجّاج، وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس». ثم انتقده -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهو منقطع، وليس هو مراد من الآية، بل المراد بها الأول[يقصد القول بأن فاعل زكى هو الإنسان] قطعًا لفظًا ومعنى. أما اللفظ فقوله: ﴿مَن زَكّاها﴾ اسم موصول، ولا بُدّ فيه مِن عائد على ﴿مَن﴾، فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زَكّاها. كان ضمير الشخص في ﴿زَكّاها﴾ يعود على ﴿مَن﴾، وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته، كما يقال: قد أفلح مَن اتقى الله، وقد أفلح مَن أطاع ربه، وقد أفلح مَن خاف منه. وأمّا إذا كان المعنى: قد أفلح مَن زَكّاه الله. لم يبق في الجملة ضمير يعود على ﴿مَن﴾، فإنّ الضمير على هذا يعود على الله، وليس هو ﴿مَن﴾، وضمير المفعول يعود على النفس المتقدّمة، فلا يعود على ﴿مَن﴾ لا ضمير الفاعل ولا المفعول، فتخلو الصلة من عائد، وهذا لا يجوز. نعم، لو قيل: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه، أو مَن زَكّاها الله له، ونحو ذلك صحّ الكلام، وخفاء هذا على مَن قال به مِن النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحتْ نفس زَكّاها. فإنه هنا كانت تكون زَكّاها صفة لنفس لا صلة، بل قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فالجملة صلة لـ﴿مَن﴾ لا صفة لها. ولا قال أيضًا: قد أفلحتْ النفس التي زَكّاها. فإنه لو قيل ذلك وجعل في ﴿زكاها﴾ ضمير يعود على اسم الله صحّ. فإذا تكلّفوا وقالوا: التقدير ﴿قد أفلح مَن زَكّاها﴾ هي النفس التي زَكّاها. وقالوا: في زَكّى ضمير المفعول يعود على ﴿مَن﴾، وهي تصلح للمذكر والمؤنث، والواحد والعدد، فالضمير عائد على معناها المؤنث، وتأنيثها غير حقيقي، ولهذا قيل: ﴿قد أفلح﴾، ولم يقل: قد أفلحتْ، قيل لهم: هذا مع أنه خروج مِن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، فإنّ قوله: ﴿منكن﴾ دلَّ على أنّ المراد: النساء، فقيل:»تعمل«، وكذا قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] ونحو ذلك، وأمّا هنا فليس في لفظ ﴿مَن﴾ وما بعدها ما يدل على أنّ المراد به النفس المؤنثة، فإنه لم يقل: قد أفلحتْ، ولا قال: قد أفلح من النفوس مَن زَكّاها، وقد تقدّمها قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس:٧-٨]، ثم قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، فتقدّم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدّم دليل على عوده إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يُراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإنّ مثل هذا مما يصان كلام الله عنه، فلو قُدِّر احتمال عود ضمير ﴿زكاها﴾ إلى»نفس«وإلى ﴿مَن﴾ مع أنّ لفظ ﴿من﴾ لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإنّ الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومَن تكلّف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن مُنَزّه عن ذلك، والعدول عما يدُلُّ عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ألبتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى؟! فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور، ولبسط هذا موضع آخر. والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم، والتحذير من تدسيتها، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فلو قُدِّر أنّ المعنى: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر، فلا يقول: مَن جعله الله مؤمنًا. بل يقول: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلًا؛ فكيف بكلام الله؟! ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد، والمدح والذم، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إمّا بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأمّا في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النِّعم. كقوله: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكى﴾ الآية [النور:٢١]، فهذا مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى». ورجَّح ابنُ القيم (٣/٣١٠) -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- الاحتمال الثاني، فقال: «هذا القول هو الصحيح، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علّقه بفعل المفلح، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى آخر الآيات». ثم ذكر حُجّة أصحاب الاحتمال الأول، فقال: «قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهّره، وخسارة مَن خذله، حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدرٍ سابق، وقضاء متقدم. قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة، قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، قالوا: ويشهد له حديث نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها قالت: انتبهت نفسي ليلة، فوجدتُ رسول الله وهو يقول: «ربِّ، أعطِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها، أنت وليّها ومولاها». قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنّ النبي كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ وقف، ثم قال: «اللهم، آتِ نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها». قالوا: وفي هذا ما يبيّن أنّ الأمر كلّه له سبحانه، فإنه هو خالق النفس ومُلهِمها الفجور والتقوى، وهو مُزكِّيها ومُدسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيء، ولا هو مالك من أمر نفسه شيئًا». ثم انتقدهم قائلًا: «هذا القول وإن كان جائزًا في العربية، حاملًا للضمير المنصوب على معنى ﴿مَن﴾ وإن كان لفظها مذكرًا، كما في قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] جمع الضمير وإن كان لفظ ﴿من﴾ مفردًا حملًا على نظمها، فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر، وههنا قد تقدم لفظ ﴿من﴾، والضمير المرفوع في ﴿زَكّاها﴾ يستحقه لفظًا ومعنًى، فهو أولى به، ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه، وأمّا عود الضمير الذي يلي ﴿من﴾ على الموصول السابق، وهو قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾، وإخلاء جاره الملاصق له وهو ﴿من﴾، ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على ﴿من﴾ ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة؛ فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه، فأمّا إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه، ولم تدع الضرورة إليه؛ فالحمل عليه ممتنع. قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه: أحدها: أن فيه إشارة إلى ما تقدّم مِن تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن. الثاني: أنّ فيه زيادة فائدة، وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ إثبات القضاء والقدر السابق، فتضمّنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن؛ كقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٤-٥٦]، وقوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] فتضمّنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية. الثالث: أنّ قولنا يستلزم قولكم دون العكس، فإنّ العبد إذا زَكّى نفسه ودسّاها فإنما يزُكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يُدسِّيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر ألبتة»
اختُلف في المستثنى في قوله: ﴿إلا من شهد بالحق﴾ على قولين: الأول: أنّه استثنى مِمَّن عبد من دون الله: عيسى وعزيرًا والملائكة، والمعنى: فإنهم يملكون شفاعة بأن يُملِّكها اللهُ إياهم، إذ هم ممن شهد بالحق وهم يعلمونه في كل أحوالهم. الثاني: أنه استثنى في المشفوع فيهم، فكأنه قال: لا يشفع هؤلاء الملائكة وعزير وعيسى إلا فيمن شهد بالحق وهم يعلمون بالتوحيد. وذكر ابنُ عطية (٧/٥٦٧) أن الاستثناء -على القول الأول الذي قاله قتادة، ومقاتل- متصل، وأنه -على القول الثاني الذي قاله مجاهد- منفصل، كأنه تعالى قال: لكن من يشهد بالحق يشفع فيهم هؤلاء. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٦٦٢-٦٦٣) القول الأول الذي قاله قتادة مستندًا إلى دلالة أحوال النزول، والنظائر، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر أنه لا يملِك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عنده لأحد، إلا من شهد بالحق. وشهادته بالحق هو: إقراره بتوحيد الله، وإنما يعني بذلك: إلا من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده. ولم يخْصُص بأن الذي لا يملك تلك الشفاعة منهم بعض من كان يُعبد من دون الله دون بعض، فذلك على جميع مَن كان تعبد قريش من دون الله يوم نزلت هذه الآية وغيرهم، وقد كان فيهم مَن يعبد من دون الله الآلهة، وكان فيهم مَن يعبد من دونه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون في قوله: ولا يملك الذين تدعو قريش وسائر العرب من دون الله الشفاعة عند الله، ثم استثنى -جل ثناؤه- بقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ وهم الذين يشهدون شهادة الحق، فيوحّدون الله، ويخلصون له الوحدانية، على علم منهم ويقين بذلك أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال -جلّ ثناؤه-: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فأثبت تعالى ذكره للملائكة وعيسى وعُزير ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان، باستثنائه الذي استثناه». ورجَّح ابنُ عطية (٧/٥٦٧) القول الأول، فقال: «والتأويل الأول أصوب». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ تيمية (٥/٥٣٤-٥٣٦) أن كلا القولين صحيح، ثم رجَّح القول الثاني الذي قاله مجاهد مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، ودلالة العقل، فقال: «التحقيق في تفسير الآية: أنّ الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقًا، لا يستثنى من ذلك أحد عند الله، فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد. ولا قال: لا يشفع لأحد. بل قال: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾. وكل مَن دُعي من دون الله لا يملك الشفاعة ألبتة، والشفاعة بِإذْنٍ ليست مختصّة بمن عُبد من دون الله؛ وسيّد الشفعاء ﷺ لم يُعبد كما عُبد المسيح. وهو -مع هذا- له شفاعة ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دُعي من دون الله دون من لم يُدع». وانتقد القول الأول بما مفاده الآتي: ١- أنه يفيد أن من دُعي من دون الله لا يملك الشفاعة إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يُدعَوا من دون الله لم تُذكر شفاعتهم لأحد. وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضًا. ٢- أن قوله: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾ يتناول كل معبود من دونه، ويدخل في ذلك الأصنام، فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا. ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس:١٨] فإذا قيل: إنه استثنى الملائكة والأنبياء كان في هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله يشفعون لهم. ٣- إذا كان المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم إذا كانوا صالحين. والقرآن كله يبطل هذا المعنى، ولهذا قال تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء:٢٨] فبيّن أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرّبّ. فعلم: أنه لابد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق. ٤- القرآن إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقًا. وقوله: ﴿من دونه﴾ يحتمل ثلاثة تقديرات: الأول: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿يملكون﴾، والمعنى: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه. الثاني: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿يدعون﴾، والمعنى: لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا. الثالث: أن يكون متصلًا بهما، والمعنى: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه. ورجَّح ابنُ تيمية التقدير الثاني إستنادًا إلى ظاهر الآية، والنظائر؛ لكونه أخّر ﴿الشفاعة﴾ وقدّم ﴿من دونه﴾، ولكثرة نظائره في القرآن؛ كقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ [يونس:١٨]. وانتقد التقديرَ الأول مستندًا للنظائر، حيث إنّ اللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه أو لمن ارتضى ونحو ذلك، لا يقال في هذا المعنى: ﴿من دونه﴾؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه؟! لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه. وأيضًا فإذا قيل: ﴿الذين يدعون﴾ مطلقًا دخل فيه الرّبُّ تعالى، فإنهم كانوا يدعون الله ويدعون معه غيره، ولهذا قال: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان:٦٨]. وذكر أنّ التقدير الثالث وإن كان أجود من الأول إلا أنه يَرِدُ عليه ما يرد على الأول. ثم ذكر أنه مما يضعفهما: أنّ ﴿الشفاعة﴾ لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾، فنفى ملكهم الشفاعة مطلقًا. وهذا هو الصواب
في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قراءات:الأولى: بهمزة مكسورة، على مثال: «إدْراسِين»، هكذا: ﴿إلْ ياسِينَ﴾، ووجِّهت بالأوجه الآتية: ١- أنه اسم ثان للنبي إلياس عليه السلام، كما يقال: إبراهيم وإبراهام. ٢- أنه جمع إلْياسيّ، والأصل: إلياسيين، كعبرانيين، ثم خففت الياء، والمراد: أتباعه. ٣- أنه جمع إلياس محذوف الياء، والمراد: أتباعه. والثانية: بقطع ‹آلِ› مِن ‹ياسين›، هكذا ‹آلِ ياسِينَ›، ووجِّهت بالأوجه الآتية: ١- أنّ ‹آلِ› مضافة لـ""ياسين›، والمراد بالـ‹آل›: ياسين نفسه. ٢- أنّ ‹ياسين› اسم لأبيه، فأضيف إليه الـ‹آل›، كما يقال: آل إبراهيم. ٣- أنّ يس: هو القرآن، وآله: هم أهل القرآن. ٤- أنّ يس: هو النبي محمد ﷺ، وآله: أقاربه، وأتباعه. والثالثة: بغير همز، وبصلة الألف، هكذا (الياسِينَ)، كما قُرِئَ: «وإنَّ الياسَ»، ووجَّهَها ابنُ عطية (٧/٣٠٦ بتصرّف) بأنّ الهمزة فيها حُذِفَت تخفيفًا، أو أن الاسم بدون «ال»، وزيدت الألف فيه مع اللام للتعريف. والرابعة: (إدْراسِين)، ووجِّهت بأنها لغة في إدريس، وكان ابن مسعود رضي الله عنهما يقول: إلياس هو إدريس. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٦٢١-٦٢٢ بتصرُّف) القراءة الأولى مستندًا إلى القرآن، وأقوال السلف، فقال: «الصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: ﴿سلام على إلياسين﴾ بكسر ألفها على مثال: إدراسين؛ لأن الله -تعالى ذكره- إنما أخبر عن كل موضع ذكر فيه نبيًّا من أنبيائه -صلوات الله عليهم- في هذه السورة بأنّ عليه سلامًا لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس، كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله، على نحو ما بينا من معنى ذلك... [وحُدِّثْنا]... عن السدي ﴿سلام على إل ياسين﴾ قال: إلياس... ، ونظير تسمية إلياس بـ﴿إل ياسين﴾: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء﴾ [المؤمنون:٢٠]، ثم قال في موضع آخر: ﴿وطور سينين﴾ [التين:٢]، وهو موضع واحد سمي بذلك». وانتَقَدَ (١٩/٦٢١-٦٢٢) القراءتين الثانية والثالثة مستندًا إلى قراءة ابن مسعود، فقال: «وفي قراءة عبد الله بن مسعود: (سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ) دلالة واضحة على خطأ قول مَن قال: عنى بذلك: سلام على آل محمد. وفساد قراءة مَن قرأ: (وإنَّ الياسَ) بوصل النون من»إن«بـ»إلياس«، وتوجيه الألف واللام فيه إلى أنهما أدخلتا تعريفًا للاسم الذي هو»ياس«، وذلك أن عبد الله كان يقول: إلياس هو إدريس، ويقرأ: (وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ). ثم يقرأ على ذلك: (سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ) كما قرأ الآخرون: ﴿سلام على إل ياسين﴾، فلا وجه على ما ذكرنا مِن قراءة عبد الله لقراءة مَن قرأ ذلك: ‹سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ› بقطع الآل من ياسين». وانتَقَدَ ابنُ القيم (٢/٣٧٣-٣٧٤) التوجيهات الواردة على القراءتين الأولى والثانية، فقال: «هذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها استشكالهم إضافة»آل«إلى»يس«، واسمه»إلياس«و»إلياسين«، ورأوها في المصحف مفصولة، وقد قرأها بعض القراء ‹آلِ ياسِينَ›، فقال طائفة منهم: له أسماء: يس، وإلياسين، وإلياس. وقالت طائفة:»يس«اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكلبي:»يس: محمد ﷺ«. وقالت طائفة:»هو القرآن«. وهذا كله تعسٌّف ظاهر لا حاجة إليه». ثم بَيَّنَ ما يراه صوابًا مستندًا إلى اللغة، فقال: «والصواب -والله أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة ‹آلِ ياسِينَ› كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال، ودلالة الاسم على موضع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها فحذفوا منها ما لا إلباس في حذفه... ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي، وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين، ومرة: إلياس، ومرة: ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى على آله»
اختُلف في معنى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ على أقوال: الأول: عاملة في النار ناصبة فيها. الثاني: عاملة في الدنيا ناصبة فيها، والآية في القِسِّيسين، وعباد الأوثان، وكلّ مَن اجتهد في كُفر. الثالث: عاملة في الدنيا ناصبة يوم القيامة. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٥٩٦) القول الثالث بقوله: «فالعمل -على هذا- هو مساعي الدنيا». ورجَّح ابنُ تيمية (٧/٥) -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية، والنظائر- القول الأول، فقال: «هذا هو الحق لوجوه: أحدها: أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه، أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية، وعلى الأولى لا يتعلق إلا بقوله: ﴿تصلى﴾، ويكون قوله: ﴿خاشعة﴾ صفة للوجوه، قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي متعلّق بصفة أخرى متأخرة، والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذٍ تصلى نارًا حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل؛ فالأصل إقرار الكلام على نظْمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير، بل القرينة تدل على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمْر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق. الوجه الثاني: أنّ الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة، فقال بعد ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾، ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح، فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين، لا اختلافهما، وحينئذ فيكون الأشقياء وُصفتْ وجوههم بحالها في الآخرة. الثالث: أنّ نظير هذا التقسيم قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٥]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨-٤٢]، وهذا كله وصفٌ للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا. الرابع: أنّ وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن، وإنما في القرآن ذِكْر العلامة، كقوله: ﴿سِيمِاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقوله: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمد:٣٠]، وقوله: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج:٧٢]، وذلك لأنّ العمل والنَّصَب ليس قائمًا بالوجوه فقط؛ بخلاف السيما والعلامة. الخامس: أنّ قوله: ﴿خاشِعَةً عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ لو جُعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإنّ هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصفٌ مشترك بين عُبّاد المؤمنين وعُبّاد الكفار، والذم لا يكون بالوصف المشترك، ولو أُريد المختص لقيل: خاشعة للأوثان -مثلًا-، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان. وليس في الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصًّا بالكفار، ولا كونه مذمومًا، وليس في القرآن ذمٌّ لهذا الوصف مطلقًا، ولا وعيد عليه، فحمْله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن. السادس: أنّ هذا الوصف مختص ببعض الكفار، ولا موجب للتخصيص، فإنّ الذين لا يتعبّدون من الكفار أكثر، وعقوبة فُسّاقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة، فإنّ مَن كفَّ منهم عن المحرمات المتفق عليها، وأدّى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلهًا آخر، ويقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ويَزْنُون. فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر وأكبر؛ كان هذا التخصيص عكس الواجب. السابع: أنّ هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنُّسك ابتداء، ثم إذا قُيِّد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة -وليس في الخطاب تقييد- كان هذا سعيًا في إصلاح الخطاب بما لم يُذكر فيه»