انتقد ابنُ جرير (٢‏/‏٦٥-٦٦) قولَ مجاهد بأنّ المسخ الوارد في الآية مسخٌ معنويٌّ؛ وذلك لمخالفته ظاهر القرآن، وإجماع أهل الحجّة من أهل التأويل، والدلالات العقليّة المُقتضية التّصديق بهذا المسخ كما وجب علينا التّصديق بما أخبر الله عنهم من عقوباتِه لهم. قال ابن جرير: «وهذا القول الذي قاله مجاهد قولٌ لِظاهر ما دلَّ عليه كتابُ الله مخالفٌ، وذلك أنّ الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ وعبَدَ الطاغوت، ... هذا مع خلاف قولِ مجاهدٍ قولَ جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأُ والكذبُ فيما نقلَتْه مجمعةً عليه، وكفى دليلًا على فسادِ قولٍٍ إجماعُها على تخطئتِه». وبنحوه قال ابن كثير (١‏/‏٤٣٩-٤٤٠). ويفهم أيضًا من كلام ابن عطية (١‏/‏٢٤٤)

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٦٠٠) أنّ النقاش حكى عن بعضِهم في: ﴿مَرْجُوًّا﴾ أنّ معناه: حقيرًا، ثم انتَقَدَه مِن جهةِ اللغة، ووجَّهه بقوله: «فأمّا أن يكون لفظ ﴿مَرْجُوًّا﴾ بمعنى: حقير؛ فليس ذلك في كلام العرب، وإنما يتَّجه ذلك على جهة التفسير للمعنى، وذلك أنّ القصد بقولهم: ﴿مَرْجُوًّا﴾ يكون: لقد كنت فينا سهلًا مرامُك، قريبًا ردُّ أمرك، مِمَّن لا يُظَنُّ أن يَسْتَفْحِلَ مِن أمره مثل هذا، فمعنى مرجوّ: أي مرجوّ اطِّراحه وغلبته ونحو هذا، فيكون ذلك على جهة الاحتقار، فلذلك فُسِّر بحقير، ويشبه هذا المعنى قول أبي سفيان بن حرب: لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشَة»

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿كانوا من آياتنا عجبا﴾؛ فقال قوم: المعنى: قد كان في آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وقال آخرون: بل المعنى: إنّ الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏١٥٧) مستندًا إلى أحوال النزول القولَ الأول الذي قاله مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، فقال: «لأن الله عز وجل أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيه احتجاجًا بها على المشركين من قومه... إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجواب عنها صِدْقه، فكان تقريعهم بتكذيبهم بما هو أوكد عليهم في الحجة مما سألوا عنهم، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه؛ أشبهَ من الخبر عما أنعم الله على رسوله من النعم»

اختُلف في معنى قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ على قولين: أحدهما: هربًا في الأرض مِن الفزع. والثاني: انصرافهم إلى النّار. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٢٠) القول الأول استنادًا لموافقته ما جاء في الخبر عن النبي ﷺ، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي روي عن رسول الله ﷺ -حديث أبي هريرة في تفسير آية: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ﴾-، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحق، وبه قال جماعة من أهل التأويل». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٤١) أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ معناه على بعض الأقاويل في التنادي: «تفرّون هروبًا من الفزع، وعلى بعضها: تفرّون مدبرين إلى النار»

وجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٢٨٩) قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول عطية العَوفيّ بقوله: «والتحقيق أنّ هذا على وجه التمثيل، ورجْع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون مِن جهتها حالًا بعد حال، وعلى مرور الأزمان، ترجعه رجْعًا، أي: تُعطيه مرة بعد مرة، والخير كلّه مِن قِبل السماء يجيء. ولما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسّر الرَّجْع به، وحسن تفسيره به ومقابلته بصدْع الأرض عن النبات، وفسّر الصَّدْع بالنبات لأنه يصدَع الأرض، أي: يشقّها، فأَقسم سبحانه بالسماء ذات المطر، والأرض ذات النبات، وكلّ من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته»

لم يذكر ابنُ جرير (١٤‏/‏٩٨) في معنى: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ سوى قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣١١) ثلاثه احتمالات لمرجع الضمير في: ﴿وإنَّها﴾: الأول: «أن يعود على المدينة المهلكة... وهذا تأويل مجاهد، وقتادة، وابن زيد». ثم وجَّهه بقوله: «أي: أنها في طريق ظاهر للمعتبر». الثاني: «أن يعود على الآيات». الثالث: «أن يعود على الحجارة». ثم ذكر أنه يقويه «ما روي أن النبي ﷺ قال: «إن حجارة العذاب مُعَلَّقة بين السماء والأرض منذ ألْفَيْ عام لِعُصاة أُمَّتي»». ونقل ابنُ كثير (٨‏/‏٢٧٢) عن السدي أنّ معنى الآية: بكتاب مبين. ثم وجَّهه بقوله: «يعني: كقوله: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ فِي إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]». ثم انتقده قائلًا: «ولكن ليس المعنى على ما قال ههنا»

ذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٨٠) في معنى قوله تعالى: ﴿فَمِنهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربِّه، وهو مع ذلك مُضْمِرٌ الكفر به. وأدرج تحت هذا المعنى أثر مجاهد، وابن زيد. وحمل ابنُ كثير (١١‏/‏٨٠) كلام ابن زيد في معنى: ﴿فَمِنهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ على أنه في المؤمن، فقال: «هو المتوسط في العمل». ثم وجَّهه بقوله: «وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله: ﴿فَمِنهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر:٣٢]، فالمقتصد هاهنا هو: المتوسط في العمل. ويحتمل أن يكون مرادًا هنا أيضًا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرًا والحالة هذه»

قال ابنُ جرير (٢١‏/‏٤٨٦ بتصرف): «قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ يقول -تعالى ذِكْرُه-: والسماء ذات الخَلْق الحَسن، وعنى بقوله: ﴿ذات الحبك﴾: ذات الطرائق... وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظ قائليه فيه». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٠٩) عبارات السلف في معنى الحُبك، ثم علّق قائلًا: «وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحُسْن والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها مِن حُسنها مرتفعة شفّافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكلّلة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣) عن ابن جني قوله: «الحُبُك: طرائق الغَيْم ونحو هذا»

رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٤٠-٤١) مستندًا إلى السياق قول الشعبي بأنّ المعنيِّين بقوله: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾: هم المتبوعون، الذين سنُّوا لأهل الشرك السُّنن الرديئة. وأن المعنيِّين بقوله: ﴿وأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾: هم أتباع من سَنَّ لهم هذه السُّنن من جهلة المشركين. ووافقه ابنُ عطية (٣‏/‏٢٧٨). ثم انتَقَدا استنادًا إلى مخالفة السياق، وقولِ قتادة قولَ محمد بن أبي موسى، فبيَّن ابنُ جرير بأن هذا القول لا معنى له، لأنّ: «النكير في ابتداء الآية من الله تعالى على مشركي العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرَض في الكلام ما يُصرَف من أجله عنهم إلى غيرهم». وانتقده ابنُ عطية بقوله: «وهذا تفسير مَن انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضًا من قوله: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾»

سورة البقرة — الآية ٩٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾، يقول: فأَحِبُّوا الموتَ إن كنتم أولياء الله وأحباءَه، وأنكم في الجنة، قال الله عز وجل للنبي ﷺ: ﴿واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت﴾ [الأعراف:١٦٣] ألم أمسخهم قِرَدة بمعصيتهم؟[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٢٤-١٢٥]]