قال يحيى بن سلّام: فانطلق موسى نحو فرعون، وأوحى الله إلى هارون أن يستقبل أخاه، فاستقبله، فأتيا باب فرعون، فقالا للبواب: اذهب، فأخبِر فرعون أنّ بالباب رسولَ رب العالمين. فدخل عليه البوابُ، فقال: إنّ بالباب رجلًا مجنونًا يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال له فرعون: أتعرفه؟ قال: لا، ولكن معه هارون. وكان هارون عندهم معروفًا، وكان موسى قد غاب عنهم زمانًا مِن الدهر، قال فرعون: اذهب، فأدخِلْهُ. فدخل عليه، فعرفه. في تفسير الحسن. وقال بعضهم: كأنّه عرف وجهه ولم يثبت مَن هو، فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا رسول رب العالمين. فقال: ليس عن هذا أسألك، ولكن مَن أنت، وابن مَن أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران. وقد كان ربّاه، وكان في حِجْره حتى صار رجلًا، فقال له فرعون: ﴿ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ وأنت لا تَدَّعي هذه النبوة، ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين﴾ [الشعراء:١٨-١٩] بي أنِّي إله. في تفسير الحسن. وبعضهم يقول: مِن الكافرين لنعمتنا، أي: فيما ربَّيناك
قال ابنُ عطية (٢/٢٤٥-٢٤٦) مستندًا إلى دلالة العقل بعد ذكره الأقوال المختلفة في معنى ﴿سواء﴾: «والذي أقوله في لفظة ﴿سواء﴾: إنّها ينبغي أن تفسر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضع، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ جميعُ الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعُوِّين أن يَتَّخذ بعضُهم بعضًا أربابًا، فلم يكونوا على استواء حال، فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس مِن حقٍّ لا يتفاضل الناس فيه، فـ﴿سواء﴾ على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر: هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه. والفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بـ»عدل«: أنّك لو دعوت أسيرًا عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحدِّ جاءت لفظة سواء في قوله تعالى: ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال:٥٨] على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حُرًّا مقاسمًا لك في عيشك لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظة على كل تأويل فيها معنى العدل، ولكني لم أرَ لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي حسن؛ لأن النفوس تألفه»
انتقد ابنُ تيمية (٦/٢٠٢) قول مقاتل بن حيّان -مستندًا إلى دلالة اللغة، والقرآن، والسنة، وأقوال السلف-، للآتي: ١- لفظ الباطن كما جاء ذكره في الحديث لا يدل على معنى القُرب. ٢- تفسير القُرب بالعلم والقدرة لا حاجة إليه؛ لأنّ السلف ثابت عنهم تفسير المعيّة بالعلم، أمّا القُرب فلا حاجة لتأويله؛ لأنّ لفظ القُرب في الكتاب والسنة على جهة العموم ليس كلفظ المعيّة، ولا لفظ القُرب في اللغة والقرآن كلفظ المعيّة فإنه إذا قال: هذا مع هذا؛ فإنه يعني به: المجامعة والمقارنة والمصاحبة، ولا يدل على قُرب إحدى الذاتين من الأخرى ولا اختلاطها بها؛ فلهذا كان إذا قيل: هو معهم؛ دلّ على أنّ علْمه وقدرته وسلطانه محيط بهم وهو مع ذلك فوق عرشه؛ كما أخبر القرآن والسنة بهذا. وقال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم﴾، فأخبر سبحانه أنه مع عُلّوه على عرشه يعلم كلّ شيء، فلا يمنعه علّوه عن العلم بجميع الأشياء
قال ابن جرير (٢/٤٢٢) في بيان معنى قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾: «يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾: أي: من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب -الذين يودون أنهم يردونكم كفارًا من بعد إيمانكم- الحق في أمر محمد، وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه». واستشهد بآثار السلف، ثم قال (٢/٤٢٣): «فدل بقوله ذلك: أنّ كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله عنادٌ، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون». واستشهد عليه بأثر ابن عباس، ولم يورد غيره
رَجَّح ابنُ كثير (١/٥٤٥) مستندًا إلى النظائر قول إبراهيم النخعي من أنّ الفسوق في الآية مراد به جميع المعاصي، فقال: «والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي. معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد؛ ولهذا قال: ﴿منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة:٣٦]، وقال في الحرم: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج:٢٥]». وكذا رَجَّحَهُ ابنُ عطية (١/٤٨٤)، فقال: «وعمومُ جميع المعاصي أولى الأقوال». ولم يذكر مستندًا
اختُلِف فيمَن نزلت هذه الآية؛ فقال قوم: نزلت في الأخنس بن شَرِيق. وقال آخرون بنزولها في نفر من المنافقين. وقال غيرهم بعمومها. ورجَّح ابنُ كثير (٢/٢٦٩) القولَ الأخير الذي قاله قتادة، ومجاهد، والربيع، وعطاء، والقرظي، فقال: «وقيل: بل ذلك عامُّ في المنافقين كلهم... وهو الصحيح». ولم يذكر مستندًا. وكذا رَجَّحه ابنُ عطية (١/٥٠٢) مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، وهي مجيء قوله تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ العام في كل مجاهد في سبيل الله بعد هذه الآية؛ فدَلَّ ذلك على عموم ما قبلها في الكافر، بدليل الوعيد بالنار
عَلَّق ابنُ كثير (٤/٣٨٨) على أثر شاذ بن يحيى، فقال: «وهذا أحسن مما ادَّعاه ابن جرير في قوله: ﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أي: أعلمها بها. كما زعمه في قوله: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران:٤٥]، أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]». ورَجَّح، فقال: «بل الصحيح أنّها الكلمةُ التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى عليه السلام». ولم يذكر مستندًا
انتَقَدَ ابنُ كثير (٣/٢٩) أثر أبي هريرة هذا، وأثر أبي سعيد الذي يليه، فقال: «ولا يصح هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية: أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسَمُرَة بن جندب رضي الله عنهم، وأرسله الشعبي، وقتادة بن دعامة، وشَهْر بن حَوْشَب، وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري»
اختُلِف في السارق المعنيِّ بهذه الآية على قولين: الأول: أنّه السارق لثلاثة دراهم فصاعدًا. والثاني: أنه السارق لربع دينار أو قيمته. والثالث: هو سارق القليل والكثير. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٤٠٩) القول الثاني مستندًا إلى السنّة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا قولُ مَن قال: الآية معنيٌّ بها خاصٌّ مِن السُّرّاق، وهم سُرّاق ربعِ دينار فصاعدًا، أو قيمته؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «القطع في ربع دينار فصاعدًا»». وذكر ابنُ عطية (٣/١٦٢) أن حديث عائشة المتقدم وارد في هذا القول
اختُلِف في معنى الصور على معنيين: الأول: قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض، والثانية لنشر كل ميت. والثاني: الصور في هذا الموضع: جمع صورة، ينفخ فيها روحها، فتحيا. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٣٤٠) القول الأول دون الثاني الذي قاله الحسن وقتادة مستندًا إلى السنة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إنّ إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فيَنفُخ». وأنّه قال: «الصور قرن ينفخ فيه»». وبنحوه رجَّح ابنُ كثير (٦/٨٢) مستندًا إلى السُّنَّة